هواجس الاحتجاجات تدفع النظام الإيراني إلى تعزيز قواته الرديفة
في ظل الضغوط الخارجية والقلق من اندلاع احتجاجات داخلية، تشير تقارير إلى تزايد حضور القوى المرتبطة والوكيلة داخل إيران؛ وهو حضور يُنظر إليه ليس كاستعراض قوة بقدر ما يعكس أزمة ثقة وتصاعداً في الطابع الأمني.
شيوا إلياسي
كرماشان ـ خلال المهلة التي حدّدتها الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق وإجبار الجمهورية الإسلامية على قبول شروطها، حاولت السلطات الإيرانية الاعتماد على قواها الرديفة لتوظيف آخر ما لديها من طاقة من أجل الحفاظ على السلطة، ومنذ بداية الحرب، ومع الخوف المستمر من تجدد الاحتجاجات الشعبية، سعت السلطات عبر الضغط والتهديد إلى دفع أنصارها للنزول يومياً إلى الشوارع في مختلف المدن الإيرانية.
أُجبر موظفون وعناصر مرتبطة بالسلطات الإيرانية، تحت تهديدات إدارية وعسكرية، على المشاركة في مواكب سيارات أو مسيرات منظمة كل ليلة، كما شُكّلت سلاسل بشرية حول محطات الطاقة والمراكز الحساسة لإظهار صورة "حضور شعبي واسع"، في محاولة لتقديم صورة نظام مستقر، لا نظام يواجه أزمة شرعية وخطر السقوط.
وبالتوازي مع ذلك، أقامت السلطات في العديد من الشوارع مواكب عزاء لمقتل مرشدها؛ غير أن هذه المواكب لا تؤدي دوراً دينياً فقط، إذ يتمركز فيها عناصر تابعون للسلطات بملابس مدنية تحت غطاء المعزّين، لتتحول فعلياً إلى نقاط مراقبة لمتابعة حركة الناس وفرض حضور أمني بصيغة مختلفة.
لكن الاعتماد على القوى الداخلية ليس كل القصة، إذ تشير تقارير وشهادات عيان إلى أن السلطات استعانت أيضاً بقوى رديفة من خارج إيران لزيادة عدد العناصر المنتشرة في الشوارع، من بينها مجموعات مثل "الحشد الشعبي" وغيرها من الفصائل المتحالفة، ووفقاً لهذه الروايات، دخلت هذه القوات عبر الحدود الغربية وانتشرت في عدة مدن.
بل أفاد بعض الشهود أن عدداً من هؤلاء دخلوا مع عائلاتهم، بما في ذلك النساء والأطفال، وتم إسكانهم في مدن مثل قصر شيرين وكرماشان، ما قد يشير إلى نية استقرار طويل الأمد وليس مجرد وجود مؤقت، ويُفهم من ذلك أن السلطات تحاول دمج هذه القوى داخل المجتمع لتعزيز حضورها، حتى وإن كانت هذه العناصر "مستوردة".
وخلال السنوات الأخيرة، وخاصة في فترات الاحتجاجات الشعبية، كان انتشار القوات المسلحة في الشوارع يهدف بشكل أساسي إلى قمع المتظاهرين، وفي مدن مثل كرماشان، أفاد كثيرون أن بعض العناصر الأمنية كانت تتحدث العربية، وهو ما اعتُبر مؤشراً على مشاركة قوات رديفة في عمليات القمع.
وفي الظروف الحالية، ومع تزايد احتمالات عدم الاستقرار، يبدو أن السلطات تتوقع عودة الاحتجاجات، ولذلك تحرص على إبقاء هذه القوى في حالة جاهزية للتدخل، ومع ذلك، فليست كل هذه العناصر جديدة؛ إذ إن بعضها موجود منذ سنوات داخل إيران، وقد تلقى تدريبات وأصبح جزءاً من الشبكة الأمنية.
كما تحدث شهود عن وجود أطفال تتراوح أعمارهم بين 10 و18 عاماً في معسكرات ومناطق عسكرية، يُعتقد أنهم يخضعون لبرامج تدريب مبكرة لإعدادهم كعناصر مطيعة في المستقبل، وخلال احتجاجات سابقة، أشار شهود إلى رؤية عناصر شابة جداً في الشوارع، كانت تتحدث العربية أو لغات أخرى.
وفي الحرب الأخيرة، لم يقتصر وجود هذه القوى على الشوارع، بل ظهروا أيضاً في المسيرات الحكومية وهم يرفعون أعلام فصائل مثل "الحشد الشعبي" العراقي، كما يُعتقد أن بعض العناصر في نقاط التفتيش ينتمون إلى هذه المجموعات.
يشير وجود القوات الرديفة في إيران، رغم أنه تم توثيقه مراراً في السنوات الأخيرة من قبل شهود، إلا أنه تجاوز مرحلة "الحضور المحدود" وأصبح جزءاً من البنية الأمنية. هذا التحول يحمل دلالات مهمة، منها أن السلطة باتت ترى نفسها بحاجة إلى قوى عابرة للحدود لضمان أمنها الداخلي والحفاظ على بقائها، وهو ما قد يعكس تراجع قدرات القوات المحلية أو تزايد عدم ثقة النظام بها.
ومن جهة أخرى، فإن لجوء السلطة إلى استخدام قوات شبه عسكرية للسيطرة على المجتمع يؤدي عادة إلى ارتفاع ملحوظ في مستوى العنف ضد المحتجين، فهذه القوات، التي تمتلك خبرات في حروب إقليمية، تتعامل وفق معايير مختلفة، لا تستند إلى القوانين أو الأنظمة الداخلية، بل إلى منطق ساحات القتال، وبما أن هذه العناصر تلقت تدريبها ضمن الأطر الأمنية للجمهورية الإسلامية، فهي أكثر استعداداً لاستخدام العنف دون قيود، وتضع بقاء النظام فوق أي اعتبار إنساني أو اجتماعي، ولهذا، قد يكون وجودها أكثر خطورة من القوات النظامية التي ترتبط ولو شكلياً بهياكل إدارية ورقابية.
لكن السؤال الأهم هو: لماذا أصبح النظام يعتمد على هذه القوات إلى هذا الحد؟ في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد السخط الشعبي وتآكل بنية الأجهزة الأمنية والعسكرية الداخلية، يمكن تفسير ذلك بوصول النظام إلى درجة من عدم الثقة بقواته المحلية، ومع احتمالات تراجع الشرعية وخطر العصيان أو التردد داخل بعض الوحدات، يسعى إلى إنشاء قوة بديلة أكثر ولاءً واعتماداً، عبر هذه التشكيلات الرديفة.
هذه القوات لا ترتبط بالنظام أيديولوجياً فقط، بل تعتمد عليه أيضاً اقتصادياً وأمنياً، إذ يرتبط بقاؤها ببقاء السلطة نفسها لذلك يمكن استخدامها في أوقات الأزمات كأداة لإظهار القوة وبث الخوف في المجتمع.
بشكل عام، فإن وجود قوات غير محلية في الشوارع، خاصة في المدن التي شهدت قمعاً شديداً، يعمّق مشاعر انعدام الأمان، ويزيد من فقدان الثقة والغضب الاجتماعي، كما يعيد إلى الأذهان تجارب القمع السابقة، ويرفع احتمالات تكرار العنف.
ورغم أن دور هذه القوات يقتصر حالياً على الظهور في المسيرات الحكومية، ونقاط التفتيش، ومواكب العزاء، واستعراض القوة، إلا أنه مع تصاعد الاضطرابات، قد تتحول إلى أداة رئيسية للقمع، ما ينذر بموجة جديدة من التضييق والضغط على المجتمع.