هتاف فوق الأجساد أم مقدمة النهاية؟

إنّ مجزرة كانون الثاني/يناير ٢٠٢٦ نابعة من منطق بقاء سلطةٍ وتُطبّع العنف، وحين يحتفى بهذا العنف، يتحول الموت إلى لغة السلطة، الهتاف فوق الأجساد ليس علامة قوة؛ بل إنذار بمرحلة أشد خطراً.

كزي كوردستانى

مركز الأخبار ـ في التاريخ الحديث، اضطرت معظم الدول الأكثر عنفاً واستبداداً إلى إقامة علاقة رمزية ما مع "الشعب"؛ علاقة ولو شكلية، ولو مصطنعة، ولو قائمة على هندسة الرضا. لكن ثمة نمطاً من الأنظمة لا يرى في الناس مصدراً للشرعية، ولا فاعلاً سياسياً، ولا حتى مسألة مركزية. يمكن تسمية هذه الأنظمة بـ "الأنظمة الاستثنائية"؛ بنى ليست استبدادية تماماً بالمعنى الكلاسيكي، ولا توتاليتارية خالصة بالمعنى، ولا مافياوية فقط؛ بل مزيج نادر وخطير من الثلاثة معاً، داخل أيديولوجيا دينية مخصوصة.

الجمهورية الإسلامية في إيران مثال بارز لهذا المزيج، مصدر شرعية هذا النظام ليس الإرادة العامة، ولا العقد الاجتماعي، ولا حتى القومية الحديثة؛ بل الدين. الإمام، الولي الفقيه، نائب الإمام الغائب، وفي النهاية "الأمر الإلهي" يشكّلون سلسلة تسقط أي مساءلة أرضية من الأساس. في هذا البناء، الناس ليسوا مواطنين، بل "مطيعون محتملون بلا حقوق"؛ كتلة وجودها ضروري للتعبئة والضرائب والتجنيد والعرض، لا للإرادة.

هذه العلاقة علاقة مرعبة؛ فالسلطة لا تخاف من الناس ولا تحتاج إليهم، لكنها تراهم في الوقت نفسه تهديداً محتملاً. النتيجة؛ حكم قائم على الشك الدائم. المجتمع ليس شريكاً في السياسة، بل ساحة للضبط، هنا يصبح العنف ليس استثناءً، بل قاعدة خفية للنظام؛ قاعدة لا تنكشف إلا في اللحظات الحرجة.


         


        
البقاء وضرورة القتل

لفهم مجزرة كانون الثاني/يناير ٢٠٢٦، يجب تجاوز سطح ردود الفعل الأمنية والعودة إلى الطبقة الفقهية ـ البنيوية للسلطة. في الفقه السياسي الشيعي الحاكم "حفظ النظام" مقدم على كل شيء، هذه العبارة ليست سياسية، بل حكماً فقهياً. النظام، لكونه منسوباً إلى الأمر الإلهي، يعد خيراً بذاته؛ وكل ما يهدد بقاءه شر مطلق.

في هذا الإطار، العنف ليس فشلاً سياسياً، بل أداة مشروعة للسياسة. القتل، إن خدم بقاء النظام، لا يصبح مباحاً فحسب، بل واجباً، هنا يلتقي الفقه مع تقنية الحكم التوتاليتاري. فالتوتاليتارية، بخلاف الاستبداد الكلاسيكي، تؤمن بالإزالة الجسدية كأداة للنظام؛ لا لمعاقبة الماضي، بل لهندسة المستقبل.

من هذا المنظور، لم تكن أحداث كانون الثاني "رد فعل انفعالي"، القتل كان قراراً بنيوياً. فالنظام المافياوي للجمهورية الإسلامية القائم على شبكات اقتصادية وأمنية وأيديولوجية متشابكة، عاد حين خرجت الشوارع من السيطرة الرمزية إلى أداته الأساسية "الموت"، وكان لهذا الموت رسالة مفادها "النظام قائم، حتى بلا رضاكم".


         


        
أسطورة الفجوة بين الشعب والسلطة

في الخطاب السياسي الشائع، يتم الحديث كثيراً عن "فجوة" بين الشعب والسلطة. لكن في نظام أيديولوجي مافياوي نفطي، هذا المفهوم أقرب إلى خداع تحليلي، الفجوة تفترض وجود اعتماد بنيوي للسلطة على الناس. في الجمهورية الإسلامية، هذا الاعتماد غير موجود.

عائدات النفط، الريع الإقليمي، الاقتصاد العسكري ـ الأمني، والارتباط بشبكات عابرة للحدود، جعلت النظام غير محتاج للضرائب أو رضا الناس. "الانتخابات و"المشاركة" و"التمثيل" ليست سوى واجهات؛ لإدارة الرأي العام داخلياً وتضليل النظرة الدولية. الديمقراطية هنا ليست قيمة، بل قناع.

ما يسمى فجوة هو استمرار العلاقة الأصلية نفسها وهي سلطة لم تعترف بالناس يوماً، فلا تتفاجأ بعصيانهم؛ بل تسعى فقط إلى ضبطه، الاستغراب من العنف نتيجة قبول أسطورة الفجوة.


مجزرة كانون الثاني وسياسة ما بعد القتل

إذا بدت مجزرة كانون الثاني/يناير صادمة، فليس بسبب شدتها، بل بسبب نسيان تاريخ هذا النظام. من الثمانينيات إلى احتجاجات ٢٠١٩ وما بعدها، أثبتت الجمهورية الإسلامية أنها لا تعرف حدوداً للعنف حين تواجه تهديداً في الشارع.

لكن ما يميز هذه المرة هو سلوك النظام بعد القتل، استعراضات الدراجات النارية لقوات القمع، الأبواق، التصفيق، واستعراض النصر في شوارع المدن التي شهدت القتل من طهران إلى رشت وأصفهان وكرماشان وغيرها، ليست احتفالاً؛ بل طقساً للتهديد.

ففي مدن لا يزال فيها الهواء مشبعاً برائحة الدم والحزن، لا يعني هذا الاستعراض سوى إعلان سيادة الموت على الحياة. النظام المافياوي الشيعي التوتاليتاري يرسل رسالة مزدوجة للمجتمع بأن حزنكم غير معترف به، وأن موت أحبائكم ليس مأساة بل رصيد قوة؛ ولأجهزته بأن العنف ليس شيئاً يخفى، بل يحتفل به.

هنا يرتقي العنف من أداة إلى لذة سياسية، الاستعراض لحظة يتخلى فيها النظام حتى عن التظاهر بالأخلاق؛ يجر الموت إلى الشارع، يضحك عليه ويعلنه بوقاً بعد بوق، هذا الفعل شكل من الاغتصاب الرمزي لجسد المجتمع؛ إذلال للمفجوعين، دوس على الحداد، وإجبار للناس على مشاهدة انتصار القاتل. في منطق هذا النظام، الاستعراض ليس خطأ ولا تجاوزاً، بل ضرورة؛ لأن سلطة بلا شرعية مضطرة لتمثيل النصر، حتى لو كان نصراً مؤقتاً للموت على الحياة.

هنا تدخل السياسة مجال السادية في فاشية إسلامية صافية، الموت لا يخفى، بل يعرض. إنها لحظة انتقال من إدارة الخوف إلى إنتاج الكراهية.


مستقبل الغضب وخطر الفاشية الجديدة

قد يحقق استعراض النصر بعد القتل أثراً ردعياً قصير المدى، لكنه على المدى المتوسط والبعيد يخلف آثاراً مدمرة. فهو لا يطفئ الغضب، بل يراكمه، تتحول الكراهية إلى شعور الغالب، ويتقلص المجال السياسي إلى ساحة صراع عارٍ.

في هذا السياق، يتشكل خطر مزدوج، من جهة يتجه النظام نحو فاشية عارية؛ قومية دينية، عسكرتاريا، إلغاء جسدي، وعرض للعنف. ومن جهة أخرى، يعيد جزء من المعارضة اليمينية إنتاج المنطق نفسه لكن من الجهة الأخرى بلغة الانتقام والحذف والنظام الحديدي.

إن لم يُكسر هذا الدوران، فالنتيجة لن تكون تحرراً، بل تبادلاً لأشكال الهيمنة. مجزرة كانون الثاني ليست حدثاً فقط؛ إنها مرآة لمستقبل محتمل، مستقبل تصبح فيه السياسة حرباً دائمة، والمجتمع عالقاً بين عنفين.

فهم هذه اللحظة يحتاج شجاعة نظرية؛ شجاعة لرؤية الحقيقة القاسية: النظام الاستثنائي لا يسقط بالقتل، بل يعيد إنتاج نفسه، ما لم يتغير منطق اللعبة جذرياً.