'حراك نسائي لتكريس دور المرأة في صياغة مستقبل سوريا ومواجهة سياسات التهميش'
أكدت أمينة أوسي على ضرورة تمكين المرأة بشكل كامل في جميع مؤسسات الحكومة وصنع القرار، وضمان حضورها الفاعل في صياغة الدستور السوري والقوانين والتشريعات المتعلقة بحقوقها، إلى جانب تعزيز دورها في مجالات الحماية والدفاع عن حقوق النساء.
أسماء محمد
قامشلو ـ في مرحلة مفصلية وحساسة من تاريخ سوريا المعاصر، تتسارع فيها التحولات السياسية وتتقاطع فيها مشاريع إعادة تشكيل الدولة وبنيتها الدستورية والمؤسساتية، يبرز موقع المرأة كأحد أبرز القضايا التي لا يمكن تجاوزها أو تأجيلها. وفي ظل هذه التغيرات العميقة، تتزايد المخاوف من تراجع حضور النساء في مراكز صنع القرار، ومن إعادة إنتاج أنماط التهميش والإقصاء التي عانت منها المرأة السورية لعقود طويلة، رغم ما قدمته من تضحيات كبيرة في مختلف الميادين، السياسية والاجتماعية وحتى الدفاعية.
في خطوة نوعية تهدف إلى تعزيز دور المرأة في صياغة مستقبل سوريا، عقد أمس الثلاثاء 17 آذار/مارس، كونفرانس موسع تحت مظلة مؤتمر ستار في مدينة قامشلو، جمع عدداً كبيراً من النساء من مختلف المكونات، بهدف مناقشة التحديات التي تواجه المرأة السورية وسبل حماية حقوقها في ظل التحولات السياسية الراهنة.
يأتي انعقاد الكونفرانس كخطوة متقدمة تسعى إلى إعادة وضع القضية النسائية في قلب النقاش الوطني العام، ليس فقط بوصفها قضية حقوقية مطلبية، بل باعتبارها عنصراً جوهرياً في بناء مستقبل ديمقراطي عادل ومتوازن. ويكتسب هذا الكونفرانس أهمية إضافية كونه يشكل منصة جامعة لنساء من مختلف المكونات، حيث يجتمعن لتبادل الرؤى والخبرات، وصياغة موقف نسائي موحد قادر على مواجهة التحديات الراهنة، والتأثير في مسارات الحل السياسي في سوريا.
كما يوفر هذا الكونفرانس مساحة حوار معمق حول آليات تعزيز دور المرأة وضمان مشاركتها الفعلية في مختلف المجالات، خاصة في ظل مؤشرات واضحة على تراجع هذا الدور في بعض المسارات السياسية الحالية. ويهدف الكونفرانس إلى الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الفعل والتنظيم، عبر بلورة رؤية استراتيجية متكاملة تضع أسساً واضحة لحضور المرأة في المرحلة المقبلة، وتمنع تهميشها أو تغييبها عن مواقع التأثير.
الإعلان الدستوري والتشكيلات الحكومية لم تعكس حضور المرأة
قالت أمينة أوسي الناطقة باسم لجنة العلاقات الدبلوماسية في مؤتمر ستار، إن الهدف الجوهري من انعقاد هذا الكونفرانس يتمثل في مأسسة العمل النسائي وتوحيد الجهود ضمن إطار منظم وقادر على مواجهة التحديات المتصاعدة، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة التي تشهدها سوريا، والتي أفرزت واقعاً مقلقاً يتجلى في تهميش متزايد لدور المرأة وتقليص حضورها في مختلف المجالات السياسية والمؤسساتية.
وبينت أن المرحلة الراهنة كشفت بشكل واضح عن فجوة كبيرة بين تضحيات المرأة وبين مستوى تمثيلها الفعلي في البنى السياسية والإدارية، موضحة أن التطورات الأخيرة، ولا سيما ما يتعلق بالإعلان الدستوري والتشكيلات الحكومية، لم تعكس حضوراً يليق بدور المرأة، ولم تضمن لها المشاركة الفاعلة في صنع القرار، الأمر الذي يثير التساؤلات حول مستقبل النساء، مضيفة أن الكونفرانس ركز على جملة من المحاور الأساسية التي تمس جوهر القضية النسائية، وفي مقدمتها المحور السياسي، حيث جرى نقاش معمق وموسع حول شكل سوريا المستقبل، وآليات ضمان مشاركة المرأة في الحياة السياسية بصورة حقيقية وفاعلة، بحيث لا يقتصر حضورها على التمثيل الشكلي، بل يمتد ليشمل التأثير المباشر في رسم السياسات العامة وصياغة القرارات المصيرية التي تحدد ملامح المرحلة المقبلة.
وأشارت إلى أن أحد أبرز الملفات التي حظيت باهتمام واسع خلال النقاشات هو ملف صياغة الدستور السوري، حيث شددت المشاركات على أن أي دستور لا يضمن حقوق المرأة بشكل واضح وصريح، ولا يكرس مبدأ المساواة الفعلية، سيكون دستوراً منقوصاً وغير قادر على تحقيق العدالة.
وأضافت أن النقاشات تناولت أيضاً القوانين والتشريعات المتعلقة بالمرأة، ولا سيما قوانين الأحوال الشخصية، حيث تم التأكيد على ضرورة إعادة النظر فيها بما ينسجم مع مبادئ العدالة والمساواة، وبما يضمن كرامة المرأة وحقوقها، كما تم التطرق إلى تجربة روج آفا، التي امتدت لأكثر من أربعة عشر عاماً، والتي استطاعت خلالها المرأة بناء نموذج قانوني وتنظيمي ديمقراطي يمكن الاستناد إليه في صياغة قوانين أكثر عدالة على مستوى عموم البلاد.
اندماج المؤسسات من القضايا الحساسة
وأوضحت أمينة أوسي أن الكونفرانس ناقش كذلك مسألة اندماج المؤسسات، وهي من القضايا الحساسة في المرحلة الراهنة، حيث تم التركيز على كيفية ضمان حضور المرأة في هذه العملية، خاصة في المؤسسات التي يجري العمل على دمجها مع الهياكل المركزية، مشيرة إلى أن النقاشات لم تقتصر على الجوانب السياسية والدستورية، بل امتدت لتشمل محور الحماية، الذي اعتبر من أكثر المحاور أهمية، في ظل التحديات الأمنية والاجتماعية التي تواجه النساء، مؤكدة أن غياب آليات حماية فعالة يعرض المرأة لمخاطر متزايدة، ويحدّ من قدرتها على المشاركة الفاعلة في الحياة العامة.
وبينت أن التجربة في روج آفا أثبتت أن المرأة، وخاصة المرأة الكردية، لا يمكن أن تضمن حقوقها أو تحافظ على مكتسباتها دون وجود قوى نسائية منظمة تمتلك القدرة على الدفاع عنها وحماية مؤسساتها، مضيفة أنه من الضروري التركيز على أهمية مشاركة وحدات حماية المرأة في التشكيلات التي يتم إنشاؤها، بما يعكس خصوصية المنطقة وثقافتها، ويضمن تمثيل المرأة كقوة مدافعة عن حقوقها.
كما شددت على ضرورة الأخذ بآراء هذه القوى النسائية في عمليات التنظيم والتشكيل، حفاظاً على دورها التاريخي ومكانتها كجهة فاعلة في الدفاع عن حقوق النساء، مؤكدة أن إشراك المرأة في مجالات الحماية والدفاع لا يعكس فقط بعداً أمنياً، بل يشكل أيضاً تجسيداً لنموذج ديمقراطي قائم على مشاركة المرأة في مختلف المجالات، ويعزز من حضورها كعنصر أساسي في بناء المجتمع.
ولفتت أمينة أوسي إلى أن المحاور الأربعة التي تم نقاشها خلال الكونفرانس ستترجم إلى مخرجات عملية، حيث يجري العمل على إعداد ملف متكامل يتضمن التوصيات والقرارات الأساسية، ليكون بمثابة خارطة طريق للمنظمات النسائية في المرحلة المقبلة، موضحة أن هذا الملف سيشارك مع مختلف الجهات النسائية، بهدف توحيد الجهود والعمل على تحقيق هذه المطالب على المستويات السياسية والدستورية والحقوقية، إضافة إلى مجالي الحماية والدفاع.
كما دعت إلى توسيع دائرة المشاركة من خلال إشراك النساء من مختلف المكونات، إلى جانب منظمات المجتمع المدني والناشطات في المجالات السياسية، وكذلك وحدات حماية المرأة، بهدف الخروج برؤية موحدة وموقف مشترك يعكس تطلعات النساء في سوريا، مشددة على أن المرحلة المقبلة تتطلب عملاً جماعياً منظماً، ورؤية واضحة، إرادة قوية، لضمان أن تكون المرأة شريكاً أساسياً في رسم مستقبل سوريا، وأن يتحول صوتها إلى قوة فاعلة ومؤثرة قادرة على فرض حضورها وصون حقوقها في مختلف المجالات.