حلبجة نموذج للتعايش والسلام ...التعددية قوة والتعايش طريق المستقبل

في مدينة كتب اسمها بالدم والألم، تُعرف حلبجة اليوم برسالة السلام والتعايش، فالمدينة التي عانت في تاريخها من كارثة كبرى، أصبحت اليوم مثالاً يحتذى به في الوحدة الاجتماعية والتقارب بين مكوناتها، حيث يُنظر إليها كرمز للتعايش المشترك.

ميهربان سلام

حلبجة ـ في مجتمع تتعدد فيه الانتماءات الدينية والمذهبية، يُعد احترام معتقدات الآخرين وسلوكهم سبباً لبناء الثقة والتعايش المشترك. ففي تاريخ كردستان، عاش المسلمون والمسيحيون والإيزيديون وأتباع ديانات أخرى معاً، وتقاسموا الأفراح والأحزان، مما جعل هذا التعايش ليس مجرد انسجام اجتماعي، بل دليلاً على ثقافة عميقة تقوم على القبول والاحترام. 

في حلبجة، كان التعايش بين المسلمين والكاكائيين قائماً منذ القدم، ولا يزال اليوم مثالاً على العيش المشترك في سلام ووئام، وهو ما يفسر كثرة الأنشطة التي تُقام في المدينة لتعزيز هذا التعايش.

وقالت آية أسفنديار، أستاذة جامعية وباحثة في الشؤون الدينية "شاركت في ندوة خاصة عن التعايش، وتحدثت عن أهمية السلام والتفاهم بين العشائر والأديان، وكذلك عن وجود بعض المشكلات التي قد تظهر بينهم. في كردستان، تعيش العديد من العشائر التي نجحت في التعايش، وهذا أمر بالغ الأهمية. يجب أن نعيش بطريقة لا تسمح للفوارق أن تؤثر على وحدة المجتمع أو تهدد العدالة".

وأضافت "التعايش بين المسلمين والكاكائيين نموذج للسلام الاجتماعي. فمثلاً، لدى الكاكائيين تقليد (البيت المفتوح) لحماية المجتمع والحفاظ على التماسك الاجتماعي. والتاريخ يشهد أنه في القرى القديمة بحلبجة كان هناك تعاون بينهم لتوفير أماكن للعبادة، مما أسس لوحدة دينية وروح اجتماعية مشتركة".


الوحدة والتعايش هما السبيل الوحيد لحماية مستقبل آمن 

في حلبجة الاختلافات الدينية والاجتماعية لم تكن سبباً للانقسام، بل أصبحت وسيلة لتقارب القلوب. فالمساجد والمدارس والأسواق شكلت أماكن للقاء وحوار سلمي، والتجارب الماضية أثبتت أن الوحدة والتعايش هما الطريق الوحيد لضمان مستقبل يسوده السلام.

ومن جانبها قالت آوات حسام الدين، ممثلة الزرادشتيين في العراق "نعلم جميعاً أن الأديان ظهرت في أوقات كان الناس يخشون الكوارث الطبيعية كالزلازل والبراكين، فجاء الأنبياء واتخذوا من هذه المخاوف منطلقاً لتأسيس الأديان، التي هدفت إلى أن يعيش الناس معاً، وأن تلغى الفوارق بينهم، وأن تنتشر المحبة ويمنع الظلم. واليوم، في مواجهة العنف والاضطراب، يمكن أن يُقدَّم التعايش الديني كنموذج ناجح للوئام والسلام. وهذا يعني أن الأديان في أصلها جاءت من أجل التعايش، من أجل المحبة، من أجل القبول المتبادل والحرية ونبذ التمييز. الأديان سبب للخير والابتعاد عن الشر، وهي بذلك تمثل ضمانة للسلام بين الدول والمجتمعات".


"اليوم اختلط الدين بالسياسة" 

وأشارت آوات حسام الدين إلى أن التعايش مسؤولية مشتركة؛ مسؤولية الحكومة والمؤسسات الدينية وكذلك الأفراد، "من أجل أن تتحول الاختلافات إلى قوة توحيد لا إلى سبب للانقسام. لكن في الوقت الراهن، تداخل الدين والسياسة، وهذا لا ينبغي أن يحدث، لأن علاقة الإنسان بخالقه علاقة شخصية. ومع ذلك، هناك من لا يؤمنون بالله ويستغلون الدين لتحقيق المناصب والمصالح الاقتصادية والسياسية. لذلك يجب فصل الدين عن السياسة والتجارة لضمان السلام".

وأضافت "إن مثال أفغانستان يوضح خطورة تداخل الدين والسياسة. يجب أن يفهم الناس أن الدين ليس سبباً للأذى، بل هو دعوة للتعايش بين جميع الكائنات والطبيعة والإنسان. علينا أن نبتعد عن تدمير البيئة باسم الدين، وأن نعيش بعيداً عن الحقد والكراهية، وأن نبدأ من التربية الصحيحة، وألا نسمح بتحويل الدين إلى أداة، بل أن يبقى الدين مصدر المحبة الحقيقية التي جاء من أجلها".