حلبجة بعد 38 عاماً… ذاكرة لا تُمحى وجرح يرفض أن يلتئم

بعد 38 عاماً على قصفها بالأسلحة الكيميائية، تعود حلبجة إلى الذاكرة من دون مراسم رسمية، تاركة الأهالي وذوي الشهداء يواجهون وحدهم ثقل الذكرى ومرارة الإهمال، وبينما تتجدد الجراح، ترتفع الأصوات المطالبة بالعدالة والاعتراف.

مهريبان سلام

حلبجة ـ في السادس عشر من آذار/مارس يعود الجرح ذاته، الجرح الذي لم يلتئم منذ 38 سنة. في مثل هذا اليوم من عام 1988، تحولت حلبجة إلى مقبرة مفتوحة بعد أن أغرقتها الطائرات بالغازات السامة، فاستشهد خمسة آلاف إنسان في لحظات، وأصيب أكثر من عشرة آلاف آخرين، وما زالت الأرض حتى اليوم تحتفظ بآثار تلك الجريمة، كأنها ترفض أن تنسى.

رغم أن السنوات الماضية شهدت مراسيم رسمية ونشاطات مختلفة لإحياء الذكرى، فإن هذا العام بدا مختلفاً، فقد أعلن محافظة حلبجة، نوخشة ناصح، أمس الأحد 15 آذار/مارس، في مؤتمر صحفي، أن الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة تمنع إقامة أي فعالية رسمية.

هذا القرار أثار موجة استياء واسعة بين الأهالي وذوي الشهداء، الذين رأوا فيه إهمالاً غير مبرر لذكرى تعد من أفظع الكوارث في تاريخ كردستان والمنطقة.

وسط هذا المشهد، قالت ربا محمد حمه سليم، وهي عضوة في الهيئة العليا لجمعية ضحايا قصف حلبجة الكيميائي، امرأة كرست 28 عاماً من حياتها للعمل التطوعي في خدمة عوائل الشهداء والضحايا.

وأوضحت أن العالم منشغل اليوم بأزماته وصراعاته، مما يجعل ذكرى حلبجة تمر بصمت لا يليق بها. لكنها تؤكد أن هناك الكثير مما يمكن فعله، حتى بأبسط الإمكانات، فمشاريع تشجير البيئة، على سبيل المثال، كانت كفيلة بأن تمنح المدينة وجهاً جديداً لو نفذ مشروع واحد منها كل عام "كنا سنمتلك بيئة خاصة، ومدينة عامرة، ومظهراً يليق بضحايا تلك الجريمة".

 

"المسؤولون يحاولون طمس الذكرى"

وأعربت ربا محمد عن استيائها من إدارة المدينة "لم تقدم لحلبجة الخدمات التي تستحقها. كل عام تتراجع الجهود لإحياء الذكرى، وكأن هناك من يريد أن تُنسى. بدل أن تمنح الذكرى أهميتها كي تخفف آلام الناس، نرى أن الإدارة لا تبذل أي جهد. لا نعرف لماذا. هل حلبجة غير جديرة بالاهتمام؟".

وأشارت إلى أن معاناة الجرحى وذوي الشهداء ما زالت مستمرة، وأن الكثير من المصابين ما زالوا يعانون آلاماً مزمنة منذ 38 عاماً "لو قضى كل مسؤول ليلة واحدة فقط مع الجرحى، لعرف حجم معاناتهم"، لافتةً إلى أن أبناء المسؤولين لو كانوا مكان هؤلاء المصابين، لكانوا نُقلوا للعلاج خارج البلاد فوراً، بينما يظل ضحايا حلبجة ينتظرون خدمات بسيطة لا ترقى إلى مستوى احتياجاتهم"، وتتساءل بمرارة "ما فائدة مستشفى الأسلحة الكيميائية إذا لم يخدم ذوي الشهداء؟".

 

"الحروب الإقليمية تزيد معاناة الجرحى"

ولفتت إلى أن بعض الجرحى كانوا يتلقون العلاج سابقاً في إيران، حيث كانت تُجرى لهم فحوصات دقيقة ومتابعة مستمرة. لكن بسبب التوترات والحرب بين إسرائيل، أمريكا وإيران، توقفت هذه الرحلات العلاجية، وتدهورت الحالة الصحية لعدد من المصابين "اليوم لا يوجد بديل، ولا نعرف ماذا نفعل".

 

"38 عاماً من الوعود ولا حل جذري"

وفي ختام حديثها، تؤكد ربا محمد أن 38 عاماً مرت دون أن تقدم حكومة الإقليم حلاً جذرياً لمعاناة الضحايا، كان من المفترض كما تقول إرسال فريق طبي متخصص من الخارج، وإنشاء مركز دائم للعلاج في حلبجة نفسها "ذوو الشهداء، ما زالوا يحصلون على راتب واحد فقط، دون أن يكون أي دعم إضافي يليق بتضحياتهم، على الحكومة أن تشعر بالمسؤولية. لا يمكن أن نستمر 38 سنة نرفع المطالب نفسها دون أن يتحقق أياً منها".