هدوء ما بعد الاحتجاجات يعيد رسم المشهد اليومي في إيران

بعد أكثر من شهر على موجة الاحتجاجات، يسود هدوء ظاهري في شوارع إيران وشرق كردستان، إلا أن هذا الهدوء يخفي وراءه واقعاً مثقلاً بالاعتقالات والضغوط الأمنية التي انعكست بشكل مباشر على حياة الناس اليومية، وجعلت الخوف والقلق جزءاً من تفاصيلها.

مهيا رستمي

جوانرو ـ بعد أكثر من شهر على انحسار الاحتجاجات، تبدو الشوارع ساكنة، لكن هذا الهدوء لا يعكس سلاماً حقيقياً، فبينما تراجعت وتيرة التظاهر، أخذت الضغوط الأمنية أشكالاً جديدة تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، لتؤثر على أبسط السلوكيات.

بات الإيرانيون يتصرفون بحذر شديد؛ من وجودهم في الأماكن العامة أو مشاركتهم في تجمعات صغيرة، إلى أحاديثهم مع الأصدقاء وتفاعلهم عبر وسائل التواصل الافتراضية، حيث قد يصبح تعليق أو إعجاب سبباً للقلق والخوف اللذان أصبحا جزءاً من يوميات العائلات والشباب وحتى الأطفال، الذين يتحركون بوعي دائم لتجنب أي عواقب غير متوقعة.

وكان يُنتظر أن يعيد تراجع الاحتجاجات شيئاً من الطمأنينة، لكن الواقع أظهر أن المشهد الأمني تغيّر، وأن أبسط التصرفات قد تُفضي إلى مخاطر غير محسوبة، في هذا المناخ، تسلل القلق من الشوارع إلى البيوت وأماكن العمل وحتى الفضاء الرقمي، ليصبح حضور الخوف ملمحاً ثابتاً في حياة الناس.


قمع الإعلام

بالنسبة للكثيرين ممن لا يستطيعون المشاركة في الاحتجاجات، تُعدّ ردود الفعل البسيطة على وسائل التواصل الافتراضي، ككتابة قصة أو منشور أو تعليق عن أعداد الضحايا والاحتجاجات، الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الحزن والتعاطف، مع ذلك، حتى هذه التصرفات البسيطة تخضع للمراقبة والقمع.

وشهدت منصات التواصل الافتراضي في مدينة روانسر تضييقاً متزايداً على أبسط أشكال التعبير، حيث أكدت زينب محمدي أن ابنها تلقى تهديداً بالاعتقال من قبل إدارة المخابرات فور نشره قصة قصيرة عن الاحتجاجات "السلطات شددت على أن مجرد الإعجاب بمنشور سياسي قد يؤدي إلى اعتقال فوري".

وأشارت إلى أن المواطنين يعيشون في ظل غياب الحرية حتى في الفضاء الإلكتروني، إذ باتت ردود الفعل البسيطة مثل كتابة تعليق أو مشاركة منشور عن الضحايا تخضع للمراقبة والقمع.

وتكشف هذه الشهادات أن الخوف أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، ممتداً من الشوارع إلى المنازل وأماكن العمل وصولاً إلى العالم الافتراضي.


الاعتقالات دليل على انعدام الأمن

اعتقلت قوات الأمن في مدينة جوانرو شرق كردستان عدداً من الشباب أثناء تجمعهم في أحد المقاهي، رغم عدم مشاركتهم في أي نشاط سياسي أو احتجاجي، في خطوة اعتبرها الأهالي دليلاً على تصاعد المخاوف الحكومية من أبسط أشكال التجمع، مؤكدين أن هذه الممارسات لا تقتصر على جوانرو، بل تتكرر في مناطق مختلفة من شرق كردستان، ما يعكس رسالة واضحة للمجتمع بأن الاعتقال قد يطال الأفراد حتى دون ارتكاب أي فعل.

وقد منعت قوات الأمن مرور جثمان شهلا كاكائي، إحدى ضحايا احتجاجات 8 كانون الثاني/يناير الفائت في كرماشان، عبر مدينة جوانرو أثناء نقلها إلى قريتها قلاجة، حيث تم توجيه سيارة الإسعاف عبر طريق جانبي لتجنب المرور بالمدينة، في خطوة اعتبرتها العائلة دليلاً على خشية السلطات من تجدد الاحتجاجات.

وقالت ليمو مرادي، إحدى معارف العائلة، إن شقيقة شهلا كاكائي أكدت خلال الجنازة أن السلطات لم تكن تنوي في البداية تسليم الجثمان، وقد أقدم زوجها على الانتحار في 11 كانون الثاني/يناير من الشهر ذاته، ولم يُعلن في وسائل الإعلام المحلية عن أسباب وفاتهما، ما زاد من معاناة العائلة وأثار حالة من الحزن والقلق داخل المجتمع المحلي.


الجو العام في المدينة والإجراءات الأمنية الوقائية

خلال الأيام التي أعقبت الاحتجاجات في جوانرو، غابت قوات الأمن عن الشوارع بشكل علني، في خطوة فسّرها السكان بأنها محاولة لتجنب إثارة المزيد من التظاهرات أو إحياء ذكرى ضحايا انتفاضة Jin Jiyan Azadî""، الإجراء الأمني الوحيد الذي ظهر للعلن كان جمع صناديق القمامة من الطرق الرئيسية يومي 8 و9 كانون الثاني/يناير الفائت وذلك لمنع استخدامها مجدداً كرموز احتجاجية، وفق ما أفاد الأهالي.

الاعتقالات والتهديدات والضغوط الأمنية الواسعة تركت آثاراً عميقة على المجتمع، إذ غيّرت أنماط الحياة اليومية بشكل جذري، حيث باتت العائلات والشباب وحتى الأطفال يتصرفون بحذر شديد في أبسط تفاصيل حياتهم، فيما أصبح الخوف جزءاً ثابتاً من يومياتهم.

وتشير شهادات الأهالي إلى أن هذه الضغوط لم تقتصر على وقف الاحتجاجات، بل امتدت لتضعف العلاقات الاجتماعية، وتقلل من الثقة بين الأفراد، وتزيد من شعور الناس بانعدام الأمان الشخصي، وعلى المدى الطويل، ينعكس هذا الواقع على الصحة النفسية، مولداً مشاعر القلق والغضب والإحباط أمام القيود المفروضة.