في ذكرى الـ 74 للإبادة الإيزيدية… العدالة لا تتحقق بالتذكّر

مقال بقلم الأكاديمية والدكتورة العراقية فرح صابر

في الثالث من آب من كل عام، يستحضر العراقيون والعالم واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها القرن الحادي والعشرون، حين اجتاح تنظيم داعش قضاء شنكال عام 2014، مرتكباً جريمة إبادة جماعية بحق المكوّن الإيزيدي، وهي الجريمة التي لم تستهدف الإنسان فحسب، بل استهدفت الهوية والدين والثقافة والوجود بأكمله.

غير أن الوجه الأكثر قسوة في تلك المأساة تمثل في ما تعرضت له النساء والفتيات الإيزيديات، اللواتي تحوّلن إلى هدف ممنهج لسياسة الاستعباد الجنسي والاتجار بالبشر والإذلال النفسي، في انتهاك صارخ لكل القيم الإنسانية وأحكام القانون الدولي الإنساني ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

لقد أثبتت التجربة أن معاناة الناجيات لم تنتهِ بخروجهن من الأسر، بل بدأت مرحلة أخرى أكثر تعقيداً. فالصدمة النفسية الممتدة، وفقدان أفراد الأسرة، والتهجير، وصعوبة الاندماج الاجتماعي، وتحديات العلاج وإعادة بناء الحياة، جميعها جعلت من آثار الإبادة واقعاً مستمراً يتجاوز حدود الزمن.

 وهناك مئات الناجيات ما زلن بحاجة إلى خدمات متخصصة في الدعم النفسي والاجتماعي، وإلى برامج مستدامة لإعادة التأهيل والتمكين الاقتصادي، لأن العدالة لا تتحقق بمجرد إنقاذ الضحية، وإنما بقدرتها على استعادة حياتها وكرامتها واستقلالها. كما لا تزال قضية الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب من أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً، لما تثيره من تحديات قانونية واجتماعية وإنسانية تتطلب حلولًا تحفظ حقوق جميع الأطراف وتحترم كرامة الضحايا.

 لقد اتخذ العراق خطوة مهمة بإقرار قانون الناجيات الإيزيديات رقم (8) لسنة 2021، الذي اعترف بما تعرضت له الإيزيديات وغيرهن من النساء من المكونات المستهدفة بوصفه جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، وأسس لإطار قانوني للتعويض والرعاية وإعادة التأهيل. وتشير البيانات الرسمية إلى أن أكثر من 2200 طلب للحصول على التعويضات قد تمت الموافقة عليه حتى نهاية عام 2024، وهو تطور مهم، لكنه لا يمثل سوى بداية طريق طويل نحو العدالة الشاملة.

فالعدالة الانتقالية لا تقتصر على التعويض المالي، وإنما تشمل كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وحفظ الذاكرة الجماعية، وضمان عدم تكرار الجريمة، فضلاً عن إعادة دمج الناجيات في المجتمع بصورة تحفظ لهن الكرامة بعيداً عن أي وصم اجتماعي أو تمييز.

وعلى الرغم من الجهود العراقية والدولية، ما تزال تحديات كبيرة قائمة. فآلاف الإيزيديين لا يزالون يعيشون في مخيمات النزوح، فيما لم يتمكن كثيرون من العودة إلى شنكال بسبب التحديات الأمنية وضعف الخدمات والبنية التحتية. كما أن استمرار وجود مفقودين يعني أن آلاف الأسر ما تزال تعيش بين الأمل والانتظار، وهي معاناة إنسانية لا تقل قسوة عن الأسر نفسه.

 إن قضية النساء الإيزيديات ليست شأناً يخص مجتمعاً محلياً أو أقلية دينية فحسب، بل تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي على حماية النساء في مناطق النزاعات المسلحة. فقد أكدت قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالمرأة والسلام والأمن، وفي مقدمتها القرار 1325، أن حماية النساء من العنف الجنسي أثناء النزاعات ليست خياراً أخلاقياً فحسب، بل التزام قانوني وسياسي يقع على عاتق الدول والمجتمع الدولي.

كما أن هذه القضية تذكرنا بأن استخدام العنف الجنسي في الحروب لم يعد مجرد نتيجة جانبية للصراع، بل أصبح في كثير من النزاعات وسيلة متعمدة لإرهاب المجتمعات وتفكيكها وتهجيرها، وهو ما يجعل مكافحة الإفلات من العقاب ضرورة أساسية لمنع تكرار مثل هذه الجرائم.

وفي هذه الذكرى، لا ينبغي أن يكون استذكار الإبادة الإيزيدية مجرد مناسبة سنوية لإحياء الذاكرة، بل فرصة لتجديد الالتزام بحماية النساء في مناطق النزاع، وتعزيز برامج الدعم النفسي والاجتماعي، وتوسيع فرص التعليم والعمل للناجيات، وتسريع إجراءات البحث عن المفقودين، وملاحقة مرتكبي الجرائم أينما وجدوا، استناداً إلى مبدأ عدم سقوط جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية بالتقادم.