في اليوم العالمي للتوحد... الأطفال والبالغون يكتبون قصصهم بلغة مختلفة

في الثاني من نيسان/أبريل، تتوقف الإنسانية لتنظر إلى العالم الخاص المسمى التوحد، لا كمرض بل كاختلاف فريد في إدراك البيئة، حيث يكتب الأطفال والبالغون قصص حياتهم بلغة مختلفة.

هيفي صلاح

السليمانية ـ في عام ٢٠٠٧، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة الثاني من نيسان/أبريل يوماً عالمياً للتوعية بالتوحد، بهدف تعزيز تكافؤ الفرص وإزالة العوائق التي تحول دون اندماج الأطفال في المجتمع، وتشجيع الدول على توفير خدمات صحية وتعليمية لائقة تُفضي إلى حياة كريمة، ولكن وراء هذا اللون الزاهي، تكمن قصص آلاف العائلات التي تُكافح يومياً لبناء جسور التواصل مع أبنائها، فالتوحد ليس مجرد اضطراب في نمو الدماغ، بل هو نافذة مختلفة على هذا العالم.

لا تكمن المشكلة الرئيسية التي تواجه هذه الفئة في تعقيدات الدماغ فحسب، بل في الجدار الذي بناه المجتمع حولهم نتيجةً لقلة الوعي، لذا، تُركز الشعارات على القبول، لا على مجرد الاعتراف.

ينبغي على المؤسسات التعليمية مواصلة تطوير نظام الدمج وتدريب معلمين ومدربين مؤهلين، لأن العديد من الأشخاص المصابين بالتوحد لديهم مواهب فريدة في الرياضيات والموسيقى والرسم، وإذا ما توفرت لهم بيئة مواتية، فيمكنهم إبهار العالم وتحقيق الأحلام التي يستحقونها.


"لقد أوضحنا للجميع بفخر أن طفلنا مختلف"

قالت هيرو محمود، والدة طفل مصاب بالتوحد "بعد عام وخمسة أشهر من ولادتها، تعرض ابني لسقوط بسيط. وعندما بلغ سنة وثمانية أشهر، بدأنا نلاحظ أنه يختلف عن إخوته. في الحقيقة، لم نكن نعرف شيئاً عن التوحد بسبب قلة المعلومات المتاحة. وبعد فترة اصطحبه والده إلى إيران، وهناك أخبرونا بأنه مصاب بالتوحد، لكننا لم نكن نفهم ما يعنيه ذلك. لاحقاً بدأت الأعراض تظهر بوضوح، ومع بلوغه عامين أدركنا تماماً أنه مختلف وماذا يعني أن يكون مصاباً بالتوحد".

وأضافت "في البداية، عندما تكتشف أن طفلك مصاب بالتوحد يكون الأمر صعباً. تشعر بصدمة كبيرة وكأن كل الأبواب قد أُغلقت أمامك. لكن الحقيقة أن عليك أن تتحلى بالأمل، فاليوم تتوفر المعلومات والدعم بشكل أكبر بكثير مما كان متاحاً لنا في ذلك الوقت، حين لم نكن نعرف شيئاً عن التوحد".

وأوضحت أنه "في تلك الفترة كنت أنا ووالده وحدنا، بينما كان طفلاي الآخران ما يزالان صغيرين، وكان الوضع مرهقاً جداً. فالواقع أنك تفقد نحو 90% من حياتك الطبيعية ومن تواصلك مع المجتمع. بدايات التعامل مع التوحد تكون صعبة ومؤلمة، لكن مع الوقت وعندما تتقبل أن طفلك لديه توحد، يصبح الأمر أخف وأسهل".


"عدم الاستسلام حتى النهاية"

وأشارت إلى أن "التوحد ليس مرضاً، بل هو حالة ذهنية، لكنه فقط مختلف عن الأطفال الآخرين. وإذا استطعت تقبل هذا الاختلاف والتعايش معه، فستصبح الأمور أسهل بكثير. كان الفرق بين بندين والأطفال الآخرين أنه لم يكن منتبهاً، ولم يكن يختلط بالناس، وكان يصرخ كثيراً، وينام قليلاً، لقد أغلقنا كل الأبواب والنوافذ، ولم نكن نستطيع الذهاب إلى أي مكان، والوضع كان يتحسن، إذا استطاع الوالدان وضع برنامج ثابت وعدم السماح بأن تقل المحبة والاحترام داخل العائلة، فستكون النتائج ممتازة".

ولفتت إلى النظام الذي تم اتباعه من أجل الطفل "البرنامج الذي وضعته أنا ووالده، تعاونّا فيه بشكل كبير، وكرّسنا وقتنا وجهدنا له، ولم نكن نقضي الوقت في المنزل إلا نادراً خلال الأسبوع. كل ليلة بعد العشاء، كنا نأخذهم إلى جميع الحدائق والأماكن العامة لمخالطة الناس. قلما نجد متنزهاً أو مكاناً عاماً لم نأخذ بندين إليه. عندما حاولتُ تعليمه الذهاب إلى السوق بالحافلة، درّبته لأكثر من ثمانية أشهر. هذه الأمور تحتاج صبراً حتى ترى نتيجتها. أي عمل تقوم به، افعله بالأمل وقل سأستمر حتى أصل إلى النتيجة، وبالتأكيد ستصل".

وبينت أنهم واصلوا التدريب مع ابنهم لمدة أربع سنوات، وبذلوا جهداً كبيراً حتى بدأ يتعلم "قد يظن البعض أن بندين يمكنه اكتساب مهارة معينة خلال ثلاثة أشهر، لكن الأمر لا يكون بهذه السهولة دائماً. كنت أكرر له الشيء نفسه ثلاث أو أربع مرات دون أن يستجيب، لكنه في النهاية يستجيب، فقط تحتاج إلى وقت أطول لتصل إلى النتيجة"، مضيفةً "لم نستعن بمدرب أو معلم، ولم نرسله إلى المدرسة، لأنه كان صغيراً ووضعه حرجاً، وبعدما تحسن لم يعد عمره مناسباً للمدرسة. لكن الآن مستوى تعليمه جيد، يستطيع أن يكتب ويقرأ، ويعرف الأرقام والجمع والطرح، وهذا كله نتيجة تعبنا أنا ووالده. لقد تجاوزنا 80% من المرحلة الصعبة، وما زلنا مستمرين في التدريب، ونذهب معه إلى أي مكان، ولم يكن يوماً عائقاً لنا".


"مئة طبيب لا يعرفون بقدر ما تعرفه الأم"

ووجهت رسالة لكل أم وأب لديهم طفل مصاب بالتوحد دعتهم فيها إلى مواصلة تدريب طفلهم دون توقف "التدريب لا يجب أن يكون دائماً أكاديمياً. نحن ما زلنا نعمل مع بندين يومياً. في البداية، عندما كنا نطلب منه أن يقدّم الماء لوالده، قضى سنة كاملة دون أن ينتبه أو ينظر، لكن مع الوقت تعلم، وأصبح اليوم قادراً على تقديم كأس الماء لوالده وللضيوف بمفرده. أرى الكثير من الأمهات ينهرن ويستسلمن، وهذا أكبر ضرر لهن ولأطفالهن. كلما بدأ التدخل والعلاج في وقت مبكر، كانت النتائج أفضل بكثير".

وتقول "إن مئة طبيب لا يعرفون بقدر ما تعرفه الأم، لأن الطبيب يتعلم من الورق، أما نحن فعشنا 17 سنة مع طفل توحد، نخطئ ونصيب يومياً، ونعرف كيف يفكر وماذا يريد. أتمنى من الأمهات والآباء ألا يهملوا أطفالهم، واجعلوا أبناءكم خطاً أحمر عند الجميع، لأن الطريقة التي تنظر بها لطفلك هي الطريقة التي سينظر بها الناس إليه".

وأكدت هيرو محمود أن "أطفال التوحد مهمّشون من كل الجوانب، وخاصة خارج المدن والبلدات. لدينا الكثير من المعلمين المتخرجين الذين يستطيعون تقديم الفائدة من داخل منازلهم لتعليم أطفال التوحد، لأن هؤلاء الأطفال لا يختلفون عن غيرهم، وهم أذكياء جداً. رغم ذلك الحكومة لم تقدّم أي دعم لعائلاتهم ".

وطالبت المعنيين بالالتفات إلى عائلات أطفال التوحد، خاصة مع ازدياد نسبته وأن يقدموا لهم الدعم "رسالتي للآباء والأمهات؛ لا تخافوا، لا تتعبوا، لا تخفوا أطفالكم. أعطوا لأنفسكم طاقة إيجابية حتى تستطيعوا تربية أطفالكم وخدمتهم بأفضل شكل".