في العيد الوطني للمرأة التونسية "بنات الحفيانة" صامدات ولكن...
.
مقال بقلم الصحفية التونسية نزيهة بوسعيدي
العيد الوطني للمرأة التونسية مناسبة احتفالية وتذكير بما قامت به النساء من نضالات ليصلن إلى المكانة التي أصبحن عليها اليوم في جميع المجالات ولكنه أيضاً مناسبة تقييمية لأوضاع النساء باختلاف شرائحهن وخاصة اللواتي يعانين من الهشاشة والفقر والتهميش.
في هذه المناسبة نسلط الضوء على النساء الريفيات أو "بنات الحفيانة" وهن أكثر هشاشة في المجتمع التونسي اللواتي استطعن بفضل إرادتهن كسر الصورة النمطية التي علقت بهن لسنوات عديدة والتي تقدمهن بصفات المرأة الأمية العاجزة التي تعيش الفقر والتهميش وترضى بالظلم وتستبطن الدونية في كل المقارنات خاصة مع الذكور.
أصبحت النساء والفتيات في الأرياف فاعلات أكثر في مجتمعاتهن قادرات على تطوير الذات واستثمار الحرف التقليدية واستغلال الأراضي الفلاحية والانخراط في التعاونيات الفلاحية لتطوير الإنتاج وإيجاد منافذ للترويج ولكن رغم ذلك لو أردنا تشخيص وضع النساء والفتيات في الوسط الريفي على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والتشريعي، فأننا ندرك أنهن يواجهن العديد من التحديات في كل المجالات، ولازال الطريق طويل لتكون المرأة الريفية في المكانة التي تليق بها وبنضالاتها على جميع المستويات، ولازالت بحاجة إلى المزيد من الاهتمام من الهياكل المعنية في اتجاه تمكينها وتحسين جودة حياتها وتعزيز مشاركتها في التنمية الريفية. وتجاوز الأدوار التقليدية التي ارتبطت بها لسنوات عديدة وحصرتها في الاهتمام بالمنزل ورعاية الأبناء وجلب الماء الصالح للشراب وجمع الحطب من الغابة ورعي الأغنام والأبقار وجمع الزيتون، وعوض تعليمها يتم إرسالها إلى المدن كمعينة منزلية.
ورغم غياب الأرقام الرسمية لعدد الريفيات إلا أنهن يمثلن شريحة هامة ومؤثرة في كل جهات الجمهورية، وتبرز الأهمية خاصة على مستوى العمل الفلاحي لتوفير الأمن الغذائي للتونسيين، إذ تشير المعطيات الوطنية أن أكثر من 35 بالمائة من اليد العاملة الفلاحية هم من النساء.
ويعد الاحتفال بالعيد الوطني للمرأة التونسية فرصة تدفع بالناشطات بالمجتمع المدني والجمعيات النسوية إلى التذكير بنضالاتها اليومية من أجل "الخبزة"، وعدد الحوادث القاتلة التي تتعرض لها وهي في طريقها إلى العمل بالحقول. وتقول حياة عطار المهتمة بالمرأة الريفية "سلاماً لامرأة تكافح لأجل أن تعيش بكرامة بعيداً عن الذل أو الامتنان لأحد... سلاماً لامرأة تخيط من إرادتها ثوب القوة مهما قست عليها الظروف فصارت ملهمة أينما حلت... سلاماً لامرأة سقت الأرض عرقاً فزرعتها بالأمل وداوت الجفاف بالدفء، وتركت خلفها أثراً مزهراً".
مواجهة التحديات
تتداخل مؤثرات التحديات الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية لدى فتيات ونساء الريف وهذا التداخل منسجم مع طبيعة عيشهن في محيط يتكون أساساً من الأرض والمؤسسات المحلية.
وعلى المستوى الاقتصادي تقوم المرأة الريفية بدورها التقليدي المتمثل في الاستيقاظ باكراً لإنجاز الأعمال المنزلية ثم الانتقال إلى العناية بالفلاحة العائلية من تربية ماشية ودواجن وزراعة الخضر للاستهلاك المنزلي، كما تلتحق فئة كبيرة من نساء الريف إلى جانب العناية بالمنزل بالعمالة الفلاحية الموسمية طيلة يوم كامل مقابل أجور زهيدة جداً مقارنة بالمجهود المبذول.
كما لا يقف دور المرأة الريفية عند العمل بالحقول، بل نجدها في جميع حلقات الإنتاج تساهم في الإنتاج وتحويل المنتجات وإنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة كما تساعد في خلق الثروة وتشغيل اليد العاملة. ولكن رغم دورهن الحيوي في مناطقهن تواجه النساء في الأرياف العديد من التحديات أبرزها محدودية النفاذ إلى التمويل، صعوبة الوصول إلى وسائل الإنتاج والتجهيزات العصرية، ضعف التدريب الفني والمهني ومحدودية التأطير وصعوبة الوصول إلى الأسواق والتسويق العادل.
ورغم أن المرأة الفلاحة ركيزة أساسية للفلاحة العائلية، إلا أنها تشكو من قلة الإحاطة وغياب الدعم، إضافة إلى عدم توفر البنية التحتية مثل المسالك والطرقات ومرافق العيش الضرورية والخدمات الأساسية على غرار الماء الصالح للشراب والكهرباء والصحة والحق في التعليم.
وبناءً عليه يجب التنسيق بين مختلف المتدخلين لوضع استراتيجية للتمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة الريفية، وارساء نظام للتغطية الاجتماعية وترسيخ ريادة الأعمال لدى المرأة الريفية وإعادة تنظيم العمل بالقطاع الفلاحي وتنظيم المرأة صلب هياكل مهنية والأخذ بعين الاعتبار المقاربة حسب النوع الاجتماعي.
هشاشة اجتماعية
اجتماعياً المرأة الريفية تنتمي إلى وسط فلاحي محافظ أو محافظ جداً يدفعها أحياناً إلى الانقطاع المبكر عن التعليم ثم الزواج المبكر والإنجاب المبكر أيضاً.
وتفتقر الريفيات إلى الرعاية الصحية المطلوبة نظراً لبعد مراكز الصحة الأساسية عن منازلهن وعدم القدرة على توفير ثمن التنقل وأيضاً عدم توفر الوقت باعتبار انشغالها بالعمل في الحقول يومياً.
لذلك تعتبر المرأة الريفية من الفئات الاكثر هشاشة، كما تنتمي إلى الاقتصاد غير المهيكل حيث تشتغل دون ضمانات ودون تغطية اجتماعية، وتشكو المرأة الريفية أيضاً من محدودية الوصول إلى الموارد من أرض وتمويل وتدريب مهني لمساعدتها على الخروج من الهشاشة وضمان مورد رزق قار.
وهناك فئة هامة وجبت الإشارة إليها وهن الحرفيات في الأرياف اللواتي يحافظن على صناعة الأجداد من نسيج وخياطة وتحويل منتوجات فلاحية إلى مواد غذائية.
وتوجد فئة أخرى تتطلع إلى القيام بمبادرات نسوية (تعاونيات، مشاريع صغيرة)، لكنها تواجه ضعف التدريب التقني والمالي وصعوبة التسويق والولوج إلى الأسواق.
وهذا الوضع يجعلنا نخلص إلى الحديث عن تداعيات عملها الفلاحي على حياتها حيث نسجل في كل مرة ضحايا انقلاب شاحنات الموت كما تعرضت الكثير من الفلاحات إلى الإصابة بأمراض خطيرة على غرار السرطان بسبب استعمال الأدوية والمبيدات دون وسائل حماية.
وبالتوازي مع كل هذا تشعر المرأة الريفية بأنها مقيدة بالأعراف والعادات والتقاليد فتحرم خاصة من الحصول على الميراث وتحصل على أجر أقل رغم المساواة في ساعات العمل مع الرجل وأحياناً أكثر.
وتواجه المرأة الريفية شبح الأمية التي بلغت نسبتها 22.3 بالمائة بحسب المعهد الوطني للإحصاء وذلك بسبب بعد المدرسة وغياب النقل المدرسي وعدم قدرة الاب على توفير مستلزمات الدراسة.
وفي سياق التحديات أيضاً تحرم من المشاركة الفعالة في الشأن العام والتواجد بالمجالس المحلية بسبب العقلية الذكورية كما تشكو من نقص الوعي الصحي بسبب ضعف برامج التوعية، وتتعرض إلى العنف بجميع أشكاله وتصمت عنه لعدة أسباب منها خاصة الخوف من ردة فعل المجتمع والخوف من فقدان العمل.
تفعيل القوانين
إلى جانب مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية تواجه المرأة الريفية التحديات التشريعية إذ تحتاج إلى تفعيل بعض القوانين والتشريعات التي جاءت لتحسين أوضاعها ومنها القانون عدد 58 لمناهضة العنف المسلط ضد المرأة لأن الواقع يؤكد انتشار العنف المسلط عليها بأشكاله المختلفة مقابل ضعف آليات التبليغ والحماية القانونية.
كما يحتاج المرسوم عدد 4 لعام 2024 والمتعلق بنظام الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات أيضاً إلى التفعيل، لاسيما وأن الكثير من التونسيين اعتبروا أنه نص ثوري لتغيير واقع العمالة الفلاحية والنهوض بوضع آلاف النساء وحمايتهن من الحوادث ومن الاستغلال والتصدي لجميع أشكال العنف.
وفي نفس الإطار التشريعي جاء القانون عدد 37 لسنة 2021 من أجل تنظيم العمل المنزلي بما يضمن الحق في العمل اللائق مع احترام الكرامة الإنسانية للعاملات طبقاً للدستور والاتفاقيات الدولية لكن هذا القانون أيضاً على أهميته وجهت له انتقادات كثيرة لصعوبة تطبيقه في غياب آليات الرقابة الفعالة.
وتواجه المرأة الريفية أيضاً تحديات التغيرات المناخية وتعتبر النساء والفتيات من أهم ضحايا الظاهرة نظراً لارتباط مصدر رزقهن بالموارد الطبيعية التي تأثرت كثيراً بسبب اضطرابات المناخ فأصبحن يعانين من الشح المائي ومن الحرائق، مما صعب الحياة على ساكني العديد من المناطق الريفية خاصة المتاخمة للجبال ودفع إلى النزوح نحو المناطق الحضرية.