إيران تحول الأطفال إلى أداة أيديولوجية
أعاد مقتل طفل في الحادية عشرة من عمره عند نقطة تفتيش في إيران، طرح سؤال جوهري حول دور النظام في حماية الأطفال، ويكشف كيف يجري تحويلهم إلى أدوات لخدمة أهداف أيديولوجية.
شيلان سقزي
مركز الأخبار ـ في خضم الصراع الدائر اليوم، والذي تسلل إلى أعماق الحياة اليومية، بات مفهوم "الأمن" موضع تساؤل أكثر من أي وقت مضى؛ مفهومٌ يفترض أن يحمي حياة البشر، لكنه يتحول في كثير من الأحيان إلى أداة لترسيخ بنى السلطة. وفي ظل هذا التشابك، تتلاشى الحدود بين الحماية والتهديد، وتصبح الفئات الأكثر هشاشة وعلى رأسها الأطفال في مواجهة مباشرة مع الخطر.
مقتل طفل في الحادية عشرة من عمره عند حاجز تفتيش خلال المواجهات الجارية بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، ليس حادثة عابرة؛ بل هو تجسيد لأزمة عميقة في منظومة الحكم والأمن. ففي نظام يسخر فيه الأمن لخدمة السلطة، يفقد الطفل مكانته كموضوع للحماية، ويتحول إلى أداة تستخدم لتحقيق أهداف سياسية وأيديولوجية.
تهدف هذه المذكرة إلى تسليط الضوء على الأبعاد القانونية والتاريخية والإنسانية لهذه الفاجعة، مع استدعاء نماذج مشابهة من الماضي، ولا سيما خلال الحرب الإيرانية ـ العراقية، لإظهار كيف يُدفع الأطفال مراراً إلى قلب سياسات أيديولوجية ودعائية تجعلهم وقوداً لصراعات لا يد لهم فيها.
لطالما حذرت اليونيسف خلال السنوات الماضية من زج الأطفال في المواقع العسكرية وشبه العسكرية، معتبرة ذلك انتهاكاً صارخاً لحقوق الطفل. فهذه التحذيرات ليست مجرد بيانات بروتوكولية، بل انعكاس لواقع قاسٍ يُدفع فيه الأطفال إلى بيئات خطرة كان ينبغي أن يكونوا بعيدين عنها، محرومين من أبسط حق في الأمان.
كما أصدرت منظمات دولية عدة تحذيرات موجهة تحديداً إلى إيران، مؤكدة أن إشراك الأطفال في نقاط التفتيش أو في أنشطة الباسيج يشكل انتهاكاً خطيراً لحقوقهم الأساسية. فهذه الممارسات تعبر عن معاناة آلاف الأطفال الذين وجدوا أنفسهم خلال السنوات الأخيرة بل وحتى العقود الماضية، في قلب ساحات العنف والحرب، بينما كان ينبغي أن يكونوا في ساحات اللعب والمدارس ومساحات النمو الطبيعي.
وحين يُقتل طفل في الحادية عشرة من عمره عند حاجز تفتيش، وسط خطوط النار والتهديد المباشر، لا يمكن التعامل مع الأمر بوصفه "حادثاً" عابراً؛ بل هو فاجعة بنيوية تكشف خللاً عميقاً في منطق الحكم. ففي منظومة تُستبدل فيها "الحياة" بـ "الوظيفة الأمنية"، يتحول الطفل من كائن يستحق الحماية إلى أداة تسخر لخدمة أهداف أمنية وأيديولوجية.
هذا الواقع يعيد إلى الأذهان إحدى أكثر صفحات التاريخ المعاصر قتامة، أي الحرب الإيرانية ـ العراقية (1980 ـ 1988)، ففي تلك الحرب المدمرة التي استمرت ثماني سنوات، وبحسب اعتراف مصادر مستقلة وتقارير منظمات حقوقية، زج بأعداد كبيرة من الأطفال والمراهقين في ساحات القتال.
ووفقاً للإحصاءات الرسمية الصادرة عن النظام الإيراني نفسه، قتل نحو 36 ألف طفل في جبهات الصراع، وهو رقم لا يعكس سوى جزء صغير من الحقيقة المؤلمة، إذ تشير روايات غير رسمية وشهادات المجتمع المدني إلى إرسال عشرات الآلاف من الأطفال الآخرين إلى حقول الألغام، والمهام القتالية المساندة، بل وحتى الخطوط الأمامية.
هذه الأرقام صادمة؛ فكل واحد من هؤلاء الأطفال كان عالماً قائماً بذاته، طفلاً كان ينبغي أن يجلس في المدرسة ويصنع مستقبله، لا أن يدفن في الخنادق وحقول الألغام. حسين فهميده، الطفل ذو الثلاثة عشر عاماً الذي تحول في الرواية الرسمية إلى "بطل"، ليس سوى مثال واحد من ضحايا حاولت وسائل الإعلام الرسمية تحويل موتهم من مأساة إنسانية إلى رمز للتضحية والفخر. هذا "التبطيل" هو في جوهره ترويج للعنف وتبرير أيديولوجي لموت الأطفال، موت لا يمكن لأي إطار أخلاقي أو إنساني أن يبرره.
الأجيال اللاحقة تربت على أفلام وقصص وروايات تقدم موت هؤلاء الأطفال كـ "فخر وطني"، مما رسخ قبولاً اجتماعياً للعنف ولتضحية الأطفال في سبيل الأيديولوجيا، وكأن الطفل الذي يجب أن يختار بين السبّورة والكرة، بات عليه أن يختار بين الموت والأيديولوجيا. هنا ينهار الإطار الأخلاقي والقانوني للمجتمع، حين يتحول الأطفال من موضوعات للحماية إلى أدوات دعائية وأمنية.
وعندما يُستخدم اليوم تعبير "أثناء الخدمة" لوصف مقتل طفل يبلغ 11 عاماً عند حاجز تفتيش، فإن هذا السعي لتحويل الفاجعة إلى بطولة يعيد إنتاج النموذج ذاته الذي تكرر في ثمانينيات القرن الماضي. هذه اللغة ليست سوى "تجميل للعنف"، إذ تحول موت الطفل إلى أداة دعائية، وتُقصي الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية وسوء الإدارة والخلل البنيوي.
أما الاستناد إلى "رغبة الطفل" في التواجد عند نقاط التفتيش، فلا يحمل أي قيمة قانونية أو أخلاقية. فلا يوجد أي إطار قانوني يعترف بقدرة الطفل على اتخاذ قرار حر في مواجهة خطر الموت. إن الإحالة إلى "رغبة الطفل" ليست سوى محاولة للتنصل من مسؤولية المؤسسات الحكومية والأمنية، وتكشف عن بنية سلطوية تضع الفئات الأكثر هشاشة في مواجهة خطر منظم. هذا السلوك يعكس أزمة عميقة في فهم الدولة لمسؤوليتها تجاه الفئات الضعيفة، حيث يتحول الأمن إلى أداة لتعزيز السلطة السياسية، لا لحماية الحياة.
هذه الظاهرة تتجاوز الحوادث الفردية؛ إنها مؤشر على "أمننة المجتمع" وترسيخ العنف في بنية الحكم. فالأطفال الذين يقفون اليوم عند نقاط التفتيش أو يشاركون في أنشطة الباسيج، سيحملون غداً رؤية عنيفة للعالم، وستصبح هذه الرؤية جزءاً من الثقافة السياسية للمجتمع، ثقافة تطبّع فكرة استخدام الأطفال كأدوات في سبيل "الأمن".
هذا هو النموذج ذاته الذي تشكل خلال الحرب الإيرانية ـ العراقية: صناعة "أبطال أطفال"، وإنتاج أجيال ترى في التضحية بالأطفال أمراً طبيعياً بل ضرورياً. ومن منظور قانوني، فإن هذا الوضع غير قابل للدفاع، ويُعد انتهاكاً صارخاً لحقوق الأطفال. فوفقاً لاتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولاتها الملحقة، لا يمكن لأي مصلحة أمنية أو سياسية أو أيديولوجية أن تبرر تعريض حياة الطفل للخطر. هذه المعاهدات، التي صادقت عليها أكثر من 195 دولة، تحظر استخدام من هم دون 18 عاماً في النزاعات المسلحة، كما تعتبر منظمة العفو الدولية إشراك الأطفال دون 15 عاماً في الأنشطة العسكرية "جريمة حرب".
إن آثار هذا النهج تتجاوز لحظة الموت. فالأطفال الذين ينشأون في مثل هذه البيئات يُطبعون مع العنف، وهذا التطبيع يهدد مستقبلهم الفردي والاجتماعي، ويؤثر في تشكيل الثقافة السياسية للمجتمع. فالمجتمع الذي يرسل أطفاله إلى ساحات الأمن والعنف، إنما يعيد إنتاج منطق سلطوي في الأجيال القادمة، منطق أثبت التاريخ خطورته ودماره.
في النهاية، القضية ليست موت طفل واحد، بل المنظومة التي تجعل هذا الموت ممكناً، ثم تسعى إلى جعله عادياً أو مبرراً أو حتى بطولياً. فالطفل، بدلاً من أن يكون محلاً للحماية، يتحول إلى أداة سياسية وأيديولوجية. وهذا يعكس أزمة بنيوية في الحكم؛ حكومة تقدم الأمن على حياة الطفل، وتضع السلطة فوق أبسط المبادئ الإنسانية.