إيران... اعتقالات مؤكدة وروايات متضاربة عن سقوط قتلى
تتواصل الاحتجاجات في مختلف أنحاء البلاد عقب التراجع الحاد في قيمة الريال، فيما شهدت عدة مدن مسيرات وإضرابات، وأفادت تقارير محلية باعتقال عشرات الأشخاص، إضافة إلى ورود أنباء عن مقتل متظاهرين في فسا وكوهدشت.
مركز الأخبار ـ دفع تدهور الأوضاع الاقتصادية وانهيار قيمة الريال، مئات المواطنين والطلاب والعمال إلى الخروج في مسيرات متفرقة امتدت لاحقاً إلى العديد من المدن، وسط تقارير عن اعتقالات واشتباكات محدودة مع قوات الأمن.
اندلعت موجة جديدة من الاضطرابات أمس الأربعاء 31 كانون الأول/ديسمبر، بعد أن بدأت الشرارة في سوق الهواتف المحمولة والسوق الكبير في طهران، قبل أن تمتد إلى الجامعات والأحياء السكنية ومدن عدة، ويرى محللون أن هذه التحركات تختلف جذرياً عن الاحتجاجات المتفرقة السابقة، إذ انطلقت بدافع اقتصادي، لكنها سرعان ما اكتسبت طابعاً سياسياً واضحاً.
وتشير تقارير وسائل إعلام مستقلة وقنوات معارضة وحسابات على مواقع التواصل الافتراضي إلى أنه تم الإبلاغ عن مسيرات ومظاهرات نقابية وجماهيرية في مدن طهران وشيراز، وأصفهان، وكرماشان، وتبريز، وهمدان، وكوهدشت، والعديد من المناطق الأخرى، كما تُظهر مقاطع فيديو ومنشورات احتجاجات محلية في أجزاء من الأسواق الحضرية ومسيرات طلابية في عدد من جامعات طهران.
وأفادت مجموعات طلابية ومنظمات المجتمع المدني بوقوع عدد كبير من الاعتقال حيث تم اعتقال ما لا يقل عن أربعة إلى خمسة طلاب في جامعة طهران، أُطلق سراح بعضهم لاحقاً، كما أفادت وسائل إعلام مستقلة باعتقال ما لا يقل عن 11 طالباً بالقرب من ساحة شوش في طهران ولم تؤكد السلطة القضائية أو وزارة الداخلية الإيرانية هذه الأرقام رسمياً بعد.
كما ورد، استناداً إلى مقاطع فيديو منشورة، أنه مساء أمس الأربعاء، عقب مداهمة قوات الأمن لسكن الطالبات في جامعة شهيد بهشتي، نُقلت طالبة إلى المستشفى لإصابتها بجروح خطيرة واعتُقل عدد آخر، في حين لم تُنشر معلومات عن حالة المعتقلين، ودعا نشطاء حقوق الإنسان إلى المساءلة واحترام حقوق الطلاب.
ونشرت بعض مصادر المعارضة ومواقع إخبارية غير حكومية تقارير عن مقتل "متظاهرين اثنين" في مدينة فسا، ومتظاهر واحد وعنصر من القوات العسكرية في كوهدشت، في الوقت نفسه نفت العديد من وكالات الأنباء الإقليمية والمنظمات الإخبارية التقارير الأولية حول هذا الادعاء، وحتى الآن لم يؤكد أي مصدر دولي مستقل أو منظمة حقوقية لديها إمكانية الوصول الميداني إلى وفاة المتظاهرين، لذا ينبغي اعتبار أي أرقام للضحايا "غير مؤكدة".
ويمكن إثبات الاعتقالات من خلال توثيق مرئي وأسماء نشرتها شبكات طلابية، أما الادعاءات المتعلقة بالوفيات فلا تزال في مستوى "التقارير غير المؤكدة" وتتطلب تحقيقاً ميدانياً ووثائق طبية وقانونية.
وأفادت جهات مقربة من المؤسسات الأمنية، إضافة إلى متحدثين باسم السلطة القضائية، بضرورة التوصل إلى اتفاق حاسم، مع من وصفوهم بـ "المشاغبين" وفي الوقت نفسه، روجت وسائل الإعلام الرسمية لرواية تعتبر ما يجري "انتفاضة محدودة" تقف خلفها أطراف أجنبية، غير أن التقارير الميدانية تحدثت عن استخدام الغاز المسيل للدموع وإطلاق النار من بنادق الصيد إلى جانب تنفيذ اعتقالات مستهدفة، نفذتها قوات أمن بملابس مدنية وعناصر من أجهزة إنفاذ القانون.
وهتف متظاهرون من بائعي السوق إلى الطلاب وعمال قطاع الخدمات، بشعارات اقتصادية وسياسية في آن واحد من الاحتجاجات على انهيار العملة وعجز الحكومة عن ضبط الأسعار، إلى الهتافات التي تردد صدى شعارات "العدل، الحرية، الاستقلال" والمطالبة بتغيير النظام السياسي، ودعت النقابات العمالية والمنظمات الطلابية إلى إطلاق سراح المعتقلين والنظر الفوري في مطالبهم المتعلقة بمعيشتهم.
وبدأت التحركات من سوق طهران، ومع انضمام الطلاب والموظفين إليها تحولت المطالب الاقتصادية سريعاً إلى مطالب ذات طابع سياسي، ويعيد هذا التداخل إلى الأذهان أنماط الاحتجاجات في الأعوام الماضية، وإن كان الدافع الأساسي هذه المرة اقتصادياً بحتاً، وقد أسهم تزامن إضراب السوق مع مسيرات الطلاب والعمال في رفع احتمالات اتساع رقعة الاحتجاج، إذ إن تفاعل شبكات النقابات قد يدفع الاحتجاجات المستمرة إلى ما هو أبعد من الأحياء السكنية، وفي ظل غياب مصادر ميدانية مستقلة، وتتباين الروايات بين الإعلام الرسمي والمعارض، ما يفرض على المحللين الحذر في التفريق بين التقارير الموثوقة والشائعات والمعلومات غير المؤكدة، خاصة مع سرعة تدفق الأخبار التي تعقّد عملية المتابعة.
وبحلول صباح الأول من كانون الثاني/يناير 2026 كانت إيران على مفترق طرق حرج، فقد خلّفت الاحتجاجات الاقتصادية التي بدأت في سوق طهران وامتدت إلى الجامعات والمدن في مواجهة مشاكل أمنية وسياسية خطيرة، عدد من الاعتقالات الموثقة، لكن عدد القتلى لم يُؤكد بشكل مستقل بعد، كما أن تضارب الروايات يجعل من الصعب تحديد مصير الموجة القادمة من الاحتجاجات.