إيران... الاحتجاجات مستمرة وسط قمع دموي وانتهاكات تطال المحتجين
مع دخول الاحتجاجات أسبوعها الرابع، والتي أسفرت عن آلاف القتلى والمعتقلين، بينهم العشرات من الكرد، وذلك وسط انقطاع شبه كامل للإنترنت وحملة قمع واسعة النطاق شملت إطلاق النار المباشر، وترهيب العائلات، واعتقالات جماعية.
مركز الأخبار ـ على خلفية تصاعد الغضب من الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، اندلعت احتجاجات شعبية في إيران في الثامن والعشرين من كانون الأول/ديسمبر، لتتحول سريعاً إلى حركة واسعة شملت عشرات المدن، ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، واجهها النظام بحملة قمع شديدة، ما جعلها واحدة من أبرز موجات الاحتجاج التي تشهدها البلاد في السنوات الأخيرة.
دخلت الاحتجاجات في إيران أسبوعها الرابع وسط انقطاع واسع للإنترنت والاتصالات منذ أكثر من أسبوعين، فيما تكشف تقارير وبيانات رسمية عن مرحلة جديدة من القمع المنظّم، اتسمت بتصاعد العنف ضد المحتجين وولّدت أزمة إنسانية عميقة، ما جعل الفجوة بين المجتمع والسلطة أكثر وضوحاً.
أعلنت شبكة حقوق الإنسان في كردستان، أنه خلال الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في إيران، قُتل خمسة مواطنين كرد آخرين بينهم طفل وامرأة، على يد قوات الأمن في مدن كرماشان وطهران، وبذلك يرتفع عدد القتلى الكرد الذين تم التأكد من هوياتهم حتى الآن إلى 58 قتيلاً.
وبحسب التقرير، تم حتى الآن تسجيل هويات ومعلومات 58 مواطناً كردياً لقوا حتفهم في الاحتجاجات الشعبية، من بينهم 6 أطفال على الأقل، وقد أكدت شبكة حقوق الإنسان في كردستان أن هذا الرقم لا يشمل سوى الحالات التي يمكن تأكيدها من خلال التحقيقات الميدانية والمقابلات مع مصادر متعددة، وذلك نظراً لشدة القمع، وانتشار قتل المحتجين، وانقطاع الإنترنت المتكرر في الأسابيع الأخيرة، ومن المرجح أن يكون العدد الفعلي للوفيات أعلى بكثير.
وتشير تقارير مستقلة إلى أن عدد القتلى جراء الاحتجاجات الأخيرة في إيران يبلغ الآلاف من بينهم مئات الكرد الذين يعيشون في مدن مختلفة في كردستان أو مواطنين كرد استُهدفوا من قبل القوات الأمنية في مدن أخرى في إيران.
وبحسب المعلومات المتوفرة، اضطرت بعض العائلات في بعض الحالات إلى دفع مبالغ مادية لاستلام جثامين موتاهم، كما أُقيمت جنازات العديد منهم تحت ضغط ورقابة مشددة من قبل قوات الأمن، مع فرض قيود واسعة النطاق في مسقط رأسهم، وأُفيد أيضاً بتعرض بعض العائلات للتهديد والضغط من قبل الأجهزة الأمنية بتهمة قتل أحبائهم بـ"المتظاهرين" أو بعوامل مجهولة.
ومن بين الضحايا المؤكدين طفل يبلغ من العمر 16 عاماً قُتل على يد القوات الأمنية تم نقل جثمانه أولاً إلى قم، ثم سُلم أخيراً إلى عائلته، كما قُتل مواطن في مقاطعة عبادان بنيران مباشرة في مدينة الري، إضافة إلى العديد من فقدو حياتهم أو أصيبوا خلال الاحتجاجات الأخيرة.
إن ما يتضح من تقارير وسائل الإعلام عن القمع الشعبي ليس مجرد سجل لانتهاكات متفرقة لحقوق الإنسان، بل مؤشر واضح على نمط ممنهج من القمع والإنكار والعقاب الجماعي ضد المحتجين، لا سيما في شرق كردستان فإطلاق النار من الخلف واستخدام الذخيرة الحية، ومنع الجنازات المجانية وفرض تكاليف مالية باهظة لنقل الجثث، وترهيب العائلات، كلها عوامل سياسة أمنية قائمة على الترهيب الممنهج، كما إن دفع مبالغ طائلة من المال لتسليم الجثث قد حوّل فعلياً وفيات المحتجين إلى أداة للابتزاز السياسي للعائلات، مما يدل على أن القمع لا يقتصر على لحظة القتل، بل يستمر بعد الموت.
ويبرز تركّز الضحايا بين الأطفال والنساء والأقليات الدينية من بينهم الكرد كدليل على انتهاكات جسيمة للحقوق الأساسية، ويثير أسئلة ملحّة حول مبدأ التناسب في استخدام القوة والمسؤولية الدولية للنظام الإيراني، ما يستدعي تحقيقات مستقلة ومساءلة على المستويين الوطني والدولي، ورغم الانقطاع الطويل للاتصالات تواصل بعض المقاطع المصوّرة الوصول إلى وسائل الإعلام، موثّقةً مشاهد عنف مفرط ضد المحتجين، بينها تسجيل يظهر أربعة مصابين بالرصاص الحي، في صورة مختصرة لكنها كاشفة لحجم القمع الذي تسعى السلطات إلى إخفائه.
وأعلن رئيس المحكمة العليا أن التعامل مع قضايا المعتقلين خلال الاحتجاجات الأخيرة قد أُدرج على جدول أعمال النظام القضائي كحالة طارئة، وسيتم مراجعة هذه القضايا في أسرع وقت ممكن وبأقصى درجات الحزم، ووفقاً له سيتم محاكمة ومعاقبة من وصفتهم الحكومة بـ "عملاء انعدام الأمن" دون أي تساهل أو تسامح.
ومع استمرار تصاعد حملة القمع ضد الاحتجاجات الشعبية، أفادت وسائل الإعلام الرسمية برفع دعاوى قضائية جديدة ضد شخصيات ثقافية وأماكن عامة، ووفقاً لهذه التقارير فتحت النيابة العامة في طهران دعاوى قضائية ضد 15 شخصية ثقافية، بالإضافة إلى 10 من الموقعين على بيان دار السينما، وفي الوقت نفسه تمت مقاضاة ما لا يقل عن 60 مقهى بتهمة نشر أو بث دعوات احتجاجية.
أعداد متضاربة في عدد القتلى والمعتقلين
وأفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا) بأن حصيلة ضحايا الاحتجاجات في إيران بلغت 4519 وفاة مؤكدة، فيما يجري التحقيق بشأن 9049 حالة وفاة أخرى مشتبه بها، ووفق التقرير نفسه أصيب 5811 شخصاً بجروح خطيرة، كما اعتُقل 26,314 شخصاً في 188 مدينة خلال حملات القمع التي تشهدها البلاد.
بعد مرور أكثر من 300 ساعة على انقطاع شبه كامل للإنترنت في جميع أنحاء إيران، لا يزال هناك صعوبة في الوصول إليه، وفقاً لتقرير جديد صادر عن منظمة "نتبلوكس" المعنية بمراقبة الإنترنت، وقد تزامن هذا الانقطاع، مع حملة قمع دموية واسعة النطاق ضد الاحتجاجات، ليصبح بذلك أحد أطول فترات انقطاع الاتصالات في السنوات الأخيرة، حيث حرم أكثر من 90 مليون شخص من الوصول المجاني إلى الإنترنت، وبينما أعلنت السلطات الإيرانية عن عودة تدريجية للخدمات، تشير الأدلة إلى أن الوصول إلى بعض المنصات، وخاصة المحلية منها، محدود وانتقائي فقط، ويتم توفيره من خلال آلية تُعرف باسم "القائمة البيضاء".
وأدان البرلمان دور النظام الإيراني في زعزعة استقرار الشرق الأوسط، وأكد مجدداً على ضرورة إدراج الحرس الثوري الإسلامي على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، ويشير التقرير في معرض حديثه عن سياسات طهران الإقليمية والأمنية إلى أنها السبب الرئيسي لتصاعد التوتر وانعدام الأمن واستمرار انتهاكات حقوق الإنسان داخل إيران وخارجها.
وأعلن رئيس البرلمان الأوروبي، أن البرلمان الأوروبي بدلاً من التزام الصمت، قد أشاد بشجاعة المواطنين الذين فقدوا أرواحهم في الاحتجاجات، معرباً عن تضامنه وتشجيعه لهم "الشعب الإيراني لا يحتاج إلى الصمت إنه يستحق الحرية" وتأتي هذه المواقف في وقت يتزايد فيه الضغط السياسي والدبلوماسي من أوروبا لمحاسبة النظام الإيراني على انتهاكاته لحقوق الإنسان وأعماله الإقليمية.
وبحسب وكالة رويترز، من المقرر أن يعقد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اجتماعاً طارئاً خلال الأيام المقبلة لبحث الوضع في إيران، بهدف دراسة موجة العنف الواسعة والمقلقة ضد المحتجين، ووفقاً لرويترز أكد مسؤول إيراني أن ما لا يقل عن 5000 شخص لقوا حتفهم خلال الاحتجاجات الأخيرة.