اعتقال القائد أوجلان بين الخطة الدولية وحق الأمل... من العزلة إلى نداء السلام

تزامناً مع الذكرى السابعة والعشرين لاعتقال القائد عبد الله أوجلان في سجن إمرالي بتركيا، جدد الناشطون تأكيدهم على أن اعتقاله لم يكن قراراً داخلياً محضاً، بل كان نتيجة خطة دولية.

هيفي صلاح

السليمانية ـ في 15 شباط/فبراير 1999، وفي عملية استخباراتية نفذتها الدولة التركية عبر جهازها "المخابرات الوطنية – MIT"، وبالتعاون وتسهيل من دول ذات نفوذ، تم اعتقال القائد عبد الله أوجلان في نيروبي عاصمة كينيا، ثم نُقل بالطائرة إلى تركيا. لم يكن اعتقاله قراراً داخلياً محضاً، بل جاء كجزء من خطة دولية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، هدفها السيطرة على الحركات التحررية وتغيير موازين القوى في الشرق الأوسط.

شادية أبو بكر، أستاذة جامعية، أوضحت أن القائد عبد الله أوجلان يقبع منذ سنوات طويلة في سجن إمرالي، حيث يتعرض لضغوط نفسية وجسدية قاسية ويعيش في عزلة تامة، مؤكدة أن ما جرى لم يكن مجرد اعتقال عادي، بل مخطط دولي شاركت فيه عدة دول، إذ مُنع القائد أوجلان قبل اعتقاله من الوصول إلى أي دولة عبر تهديدات وضغوط متواصلة.


"لقد عدّلوا القوانين كي يحددوا كيف يتعاملون معه" 

وأضافت أن الدولة التركية مارست ضغطاً كبيراً على الدول المجاورة، فيما صرّح مسؤولوها بأن القوى الكبرى منحتهم الضوء الأخضر لاعتقاله، وهو ما يعكس أن هذه القوى كانت تخشى تأثيره. وترى شادية أبو بكر أن تركيا لم تكن لتتمكن من تنفيذ ذلك بمفردها، بل بدعم دولي، وأنها روّجت لفكرة الإرهاب تحت رعاية تلك القوى، الأمر الذي أدى إلى استمرار اعتقال القائد أوجلان في إمرالي لسنوات طويلة.

وحول الحق في الأمل للقائد أوجلان، أكدت أن الحق في الأمل ينبغي أن يُمنح لكل من قضى عشرين عاماً خلف القضبان، إذ من حقهم الحصول على فرصة للاندماج مجدداً في المجتمع. ورغم أن العقوبة قد تكون السجن المؤبد، إلا أن منظمات حقوق الإنسان ترى أن هذا الأمر يستحق المراجعة، لأن الغاية من العقوبة ليست فقط الردع، بل أيضاً إعادة تأهيل السجين ليعود إنساناً فاعلاً في المجتمع. غير أن القضية المتعلقة بالقائد أوجلان تختلف، إذ أُدين وفق مادة "الإرهاب"، وهي مادة فضفاضة تُترك لتقديرات السلطات، ما يجعلها تحدد وحدها كيفية التعامل معه.

وقد أمضى القائد أوجلان فترة أطول من ذلك بكثير. هذا الحق يمكن أن يُترجم إلى ثلاثة أشكال: الإفراج تحت المراقبة، الإفراج المشروط، أو الإفراج الكامل دون قيود، وتقول شادية أبو بكرا إن الدولة التركية حالت دون تطبيقه في حالة القائد أوجلان، إذ عدّلت قوانينها منذ اعتقاله عام 2003 لتمنعه من الاستفادة منه. وفي ذلك العام قُدم طلب رسمي لإطلاق سراحه وفق هذا الحق، لكن البرلمان الأوروبي رفضه عام 2014، وهو ما يُعد دليلاً على أن القوى الكبرى لعبت دوراً محورياً في استمرار اعتقاله. فهذه القوى، رغم قدرتها على التدخل، لم تبذل جهداً حقيقياً في هذا الملف، لأنها ترى في أوجلان تهديداً لمصالحها.


الإفراج عن القائد أوجلان يمثل حلاً للقضايا العالقة

فيما يتعلق بقضية السلام في شمال كردستان وتركيا، بينت أن تركيا تعاني داخلياً على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهو ما جعل سلطاتها تدرك أن تحقيق السلام أصبح ضرورة لا يمكن تجاهلها. وفي المقابل، فإن تجربة إقليم كردستان ونموذج الإدارة الذاتية في روج آفا أثارت مخاوف لدى أنقرة من إمكانية انتقال هذا النموذج إلى شمال كردستان، بما قد يؤدي إلى تصاعد الاحتجاجات ويؤثر على استقرارها. لذلك، ورغم حديث الدولة التركية عن عملية السلام، إلا أنها تسعى إلى صياغتها بما يخدم مصالحها الخاصة، وليس وفق الرؤية التي يطمح إليها الكرد.

بعد انطلاق العملية، بادر الكرد إلى اتخاذ خطوات عديدة، غير أن الدولة التركية لم تُظهر خطوات جدية بالمقابل. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن الكرد سيتراجعون عن العملية، بل إن المطلوب هو التعامل معها بحكمة حتى بلوغ الأهداف المرجوة. فالسلام يظل خياراً أفضل من الحرب، والحقوق الكردية يمكن أن تُنال عبر وسائل أخرى غير الصراع المسلح. كما أن هذه العملية تحمل رسالة إلى العالم بأن الكرد ليسوا كما وُصفوا بـ"الإرهابيين"، بل شعب يسعى لنيل حقوقه، وقد لجأ إلى السلاح من أجل تحقيق السلام.

وفي نهاية حديثها، أوضحت شادية أبو بكر أن اعتقال القائد عبد الله أوجلان ترك أثراً عميقاً على الشعب الكردي، إلا أنه رغم سنوات السجن والعزلة، استطاع أن يكتب آلاف الصفحات ويقدّم فكراً فلسفياً موجهاً لشعبه، مؤكداً لهم أن الاستسلام ليس خياراً أمام محاولات اضطهادهم. وأشارت إلى أن إنهاء هذه العزلة أو الإفراج عن القائد أوجلان يمثل مفتاحاً أساسياً لحل القضايا العالقة في الشرق الأوسط وتركيا.