أطفال العراق أمام عدوان قانوني... تعديل قانون الأحوال الشخصية يشرعن زواج الأطفال

في الوقت الذي يحيي فيه العالم اليوم الدولي للأطفال الأبرياء ضحايا العدوان، كالتزام دولي متجدد بحماية حقوق الأطفال في مناطق النزاع، يواجه العراق مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية، الذي يُتهم بفتح الباب أمام انتهاكات ممنهجة بحق الأطفال.

هيڤي صلاح

السليمانية ـ يُعد التصدي للعنف وحماية الأطفال في العالم المعاصر أحد الركائز الأساسية لحقوق الإنسان، وتسعى الجهود الدولية المستمرة، عبر تحديد أيام عالمية، إلى كسر الصمت المحيط بحالات التحرش وسوء المعاملة التي يتعرض لها الأطفال.

عند الحديث عن هذه القضية، تبرز مناسبتان عالميتان رئيسيتان تسلط كل منهما الضوء على جانب مختلف من هذا الملف، وفي المقابل، فإن التطورات التشريعية في دول مثل العراق، ومشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية، تثير مخاوف حقيقية من تقويض هذه المبادئ الدولية.

 

استراتيجية عالمية لمواجهة الاعتداء على الأطفال

يعمل النظام الدولي على تنظيم الجهود عبر محطتين أساسيتين؛ إحداهما الرابع من حزيران/يونيو، المعروف باليوم الدولي للأطفال الأبرياء ضحايا العدوان، وهو يوم أقرّته الأمم المتحدة عام 1982.

ورغم أنه أُعلن في البداية كردّ فعل على ضحايا الحرب في لبنان في ذلك العام، إلا أن نطاقه توسّع سريعاً ليصبح مناسبة عالمية، ويهدف هذا اليوم إلى الاعتراف المباشر بمعاناة الأطفال الذين يتعرضون للعنف الجسدي والنفسي والعاطفي، مع تركيز خاص على الأطفال في مناطق النزاعات والحروب والبيئات السياسية غير المستقرة.

كما يؤكد هذا اليوم التزام الأمم المتحدة بحماية حقوق الطفل وفق اتفاقية حقوق الطفل، ويُستخدم كتذكير بأن الأطفال يظلون الفئة الأكثر تضرراً خلال النزاعات والصراعات والتحولات الجيوسياسية أو في ظل وجود فجوات تشريعية تهدد حقوقهم الأساسية.

 

المحطة الثانية... اليوم العالمي للطفل

تتمثل المحطة الثانية في 18 تشرين الثاني/نوفمبر، الذي خُصص بوصفه اليوم العالمي لمنع ممارسات الاستغلال والانتهاك والعنف الجنسي ضد الأطفال والتعافي منها، وفي حين يسلّط يوم 4 حزيران/يونيو الضوء على الأطفال في مناطق النزاعات والحروب، يركّز هذا اليوم بشكل أكبر على أشكال الاعتداء الأسري والاجتماعي والداخلي.

وقد انطلقت هذه المناسبة عام 2000 بهدف بناء تحالف بين المنظمات للعمل على الحدّ من الانتهاكات اليومية التي يتعرض لها الأطفال، مثل العنف الأسري، والاعتداء الجنسي، وزواج الأطفال، والاتجار بالبشر، والإهمال الشديد.

وتهدف هذه الجهود إلى نقل المجتمع من ثقافة ردّ الفعل إلى ثقافة الوقاية، عبر تعزيز التربية، وتقوية الرقابة المجتمعية، وإقرار قوانين وطنية صارمة تجرّم الزواج المبكر والعنف الجسدي.

 

الركائز الأربع الأساسية لأشكال الاعتداء على الأطفال

من أجل فهم هذه الظاهرة ومواجهتها بشكل فعّال، صنّفت الأطر الدولية الاعتداءات ضد الأطفال إلى أربعة أشكال رئيسية وهي:

الاعتداء الجسدي الذي يشمل أي أذى جسدي متعمد يلحق بالطفل، من العقاب البدني في المنزل والمدرسة إلى أشكال العنف الشديد، وتتمثل الاستراتيجية الأساسية للوقاية منه في تطبيق قوانين صارمة ضد العنف الأسري ونشر الوعي بالتربية الإيجابية.

والاعتداء العاطفي والنفسي الذي يتمثل في الرفض المستمر، والترهيب، والإهانة، أو عزل الطفل بشكل يؤدي إلى تدمير ثقته بنفسه وتقليل قيمته الذاتية، وتكمن وسائل الوقاية منه في توفير خدمات الصحة النفسية في المدارس، وبناء أنظمة دعم اجتماعي تحمي الأطفال وتدعمهم.

وهنالك أيضاً الاعتداء والتحرش الجنسي الذي يشمل إجبار الطفل أو استدراجه إلى أنشطة جنسية، بما في ذلك الزواج الذي يتم تحت مظلة قوانين ضعيفة أو غير رادعة، وتتمثل الآلية الأساسية للحد من هذه الظاهرة في سنّ قانون واضح لتحديد سنّ الموافقة، ووضع إطار قانوني قوي يمنع الثغرات التقليدية التي تُستغل لتمرير هذه الانتهاكات.

كذلك الإهمال، الذي يُقصد به عدم توفير الاحتياجات الأساسية للطفل، مثل الغذاء والملبس والتعليم والرعاية الصحية أو العاطفية من قبل الوالدين أو مقدمي الرعاية، وتشمل استراتيجيات الوقاية من هذه الحالة إنشاء شبكات أمان اقتصادي للأسر الفقيرة أو غير القادرة، وتفعيل آليات الإبلاغ المجتمعي لحماية الأطفال من هذا النوع من الانتهاك.

 

فتح الباب لانتهاكات ممنهجة

في الوقت الذي يتجه فيه العالم نحو تشديد القوانين الخاصة بحماية الأطفال، يشهد العراق جدلاً واسعاً وسجالاً حاداً حول مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، ويحظى هذا التعديل بدعم بعض الأطراف السياسية والدينية، بينما تعتبره منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني تراجعاً خطيراً في حماية حقوق الطفل والمرأة.

وتتركز أبرز المخاوف حول هذا التعديل في عدة مستويات:

أولاً: تقنين زواج الأطفال إذ يُخشى أن يفتح التعديل الباب أمام إجازة زواج القاصرات خارج المحاكم الرسمية، عبر إحالة الأمر إلى الفقه الديني للمذاهب، حيث تتيح بعض القراءات الفقهية زواج الفتيات في سن مبكرة جداً، قد تصل إلى تسع سنوات، ويُعد ذلك انتهاكاً واضحاً لحقوق الطفل في التعليم والنمو الجسدي والنفسي السليم.

ثانياً: تقنين أشكال العنف الجسدي والنفسي إذ إن تزويج الطفل في سن مبكرة يترتب عليه تحميله مسؤوليات أسرية تفوق قدرته، ما يندرج ضمن أشكال العنف الجسدي والنفسي المنهجي، والذي قد يُمنح شرعية قانونية بدل أن يُجرّم، ويحرم الطفل من أبسط حقوقه الأساسية.

ثالثاً: إضعاف رقابة الدولة والقضاء من خلال منح صلاحيات عقد الزواج والطلاق للجهات الدينية والمذهبية، ما يقلل من دور القضاء الرسمي في حماية الحقوق، وهذا يضعف الحماية القانونية للأطفال والنساء في حالات الخلاف الأسري أو الطلاق، خاصة في القضايا المصيرية مثل حضانة الأطفال، ويهدد مستقبل الأجيال القادمة.

وفي بلد مثل العراق، الذي يعاني من آثار طويلة للحروب والنزاعات والإرهاب، يحتاج الأطفال إلى مزيد من الحماية القانونية والنفسية والاجتماعية، لذلك، فإن أي تعديل يسمح بزواج الأطفال يُعد تراجعاً خطيراً عن القيم الإنسانية والالتزامات الدولية التي صادق عليها العراق.

وتؤكد هذه الأيام العالمية أن حماية الأطفال ليست خياراً، بل واجب قانوني وأخلاقي أساسي على كل دولة تسعى إلى مستقبل مستقر وصحي، كما أن تمرير مثل هذه التعديلات قد يفتح الباب أمام أشكال متعددة من الانتهاكات القانونية والاجتماعية بحق الأطفال، ويضع مستقبل الأجيال القادمة أمام مخاطر عميقة وطويلة الأمد.