استراتيجيات الموت المتقابلة... حين تتشابه السلطة والمعارضة في منطق التضحية

عندما يتحول الموت إلى جزء من الحسابات السياسية، تنفصل العملية السياسية عن مسارها التحرري، في مثل هذه اللحظات، تصبح حياة الإنسان أداة للشرعية ورأس مال للتعبئة، فيما تُدفع الديمقراطية إلى الهامش وتُفرَّغ من مضمونها القائم على إرادة القاعدة الشعبية.

برشنك دولتياري

مركز الأخبار ـ تشير تجارب سياسية معاصرة في مناطق مختلفة من العالم إلى أن موجات القتل الجماعي لا ترتبط دائماً بعنف الدولة وحده، بل قد تُستخدم أحياناً كأداة محسوبة في استراتيجيات بعض قوى المعارضة، وتُظهر هذه التجارب، من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وأفريقيا، أن استباق القمع يمكن أن يتحول إلى رصيد سياسي يُستثمر في الشرعية والتعبئة الإعلامية وكسب الدعم الدولي.

تسعى المعارضة، في ظل غياب توازن مادي للقوى، إلى رفع التكلفة المعنوية والرمزية لبقاء النظام عبر زيادة الخسائر البشرية، في هذا السياق لم يعد الموت مجرد "ثمن للمقاومة"، بل أصبح وحدة حسابية في لعبة القوة، تهدف إلى صدم الرأي العام العالمي، والضغط على الحكومات، وإحداث شرخ في النظام الدولي، وبشكل أدق تُترجم جثث القتلى إلى لغة السياسة.

لكن هنا يبرز سؤال جوهري، أين يكمن الحد الفاصل بين "التكاليف الحتمية للنضال من أجل التحرير" و"قتل الناس كاستراتيجية"؟ لا يمكن اختزال هذا السؤال إلى مجرد نزعة أخلاقية مجردة أو إلى عقلانية نفعية بحتة، تنشأ هذه المسألة عند تقاطع ثلاثة مجالات، الفلسفة السياسية، وأخلاقيات المسؤولية، وتحليل علاقات القوة، من هذا المنظور لم يعد السؤال الرئيسي هو "هل وقع عنف أم لا؟"، بل كيف يُدمج العنف في منطق العمل السياسي، وما هي العلاقة التي يقيمها مع كرامة الإنسان، والعمل الجماعي وأفق التحرير.

في سياق الفلسفة السياسية الحديثة، من كانط إلى آرندت، تُعتبر اللحظة التي يتحول فيها الإنسان من "غاية" إلى "وسيلة" هي اللحظة التي تنفصل فيها السياسة عن أفق الحرية، لا تنطبق هذه القاعدة على الدول القمعية فحسب، بل على القوى التي تُعرّف نفسها في موقع المقاومة أو المعارضة، فعندما يُدرج الموت مُسبقاً في تصميم الاستراتيجية لا كخطر مُحتمل، بل كوسيلة مُفترضة لتحقيق الهدف تنأى السياسة بنفسها عن منطق التحرر، بل وتقترب، على العكس من إعادة إنتاج عقلانية الهيمنة التي تدّعي نفيها.

تُظهر التجربة التاريخية أن مثل هذه الاستراتيجيات، على الرغم من أنها قد تولد اهتماماً إعلامياً أو تعاطفاً دولياً على المدى القصير، إلا أن لها ثلاث عواقب هيكلية على المدى الطويل، أولًا تآكل رأس المال البشري والاجتماعي للمجتمع نفسه الذي من المفترض تحريره، ثانياً تطبيع الموت كأداة سياسية وبالتالي استنزاف أخلاقيات المقاومة، وثالثاً اعتماد شرعية الحركة على وجهات النظر الخارجية، بدلًا من أن تكون متجذرة في التنظيم والقدرات الداخلية.

لا يمكن لأي مشروع سياسي يستغل الموت حتى لو كان يتحدث بلغة التحرير، أن يمتلك منطقاً تحررياً، إن التمييز بين "دفع ثمن الحرية" و"قتل الناس كحساب استراتيجي" ليس مجرد تمييز أخلاقي بسيط، بل هو حد فاصل وجودي داخل السياسة نفسها، حدٌّ إذا ما تم تجاوزه يُفرغ المقاومة من الداخل ويحولها إلى مرآة مقلوبة للسلطة المهيمنة.

تحاول هذه المناقشة صياغة هذا الحد من خلال الإشارة إلى أمثلة تاريخية محددة والاعتماد على الأطر النظرية للفلسفة السياسية وتحليل القوة، حد لا تزال السياسة عنده تحمل كرامة الإنسان ونقطة تنهار عندها المقاومة، من تلك اللحظة فصاعداً، إلى شكل من أشكال الهيمنة.  

      

كربلاء وعقلانية الموت

لا يمكن تفسير عملية كربلاء في 4 كانون الثاني/يناير 1986 ببساطة ضمن التصنيفات الشائعة لـ "خطأ معلوماتي" أو "ظروف حرب معقدة" أو "عدم استعداد ميداني"، ما يجعل هذه العملية مسألة نظرية هو إدراك القيادة النسبي لكشف خطة العملية، ومع ذلك إصرارها على تنفيذها، تشير أدلة عديدة من اعترافات لاحقة من القادة إلى وثائق منشورة إلى أن العدو كان في حالة تأهب قصوى، ومع ذلك اتُخذ قرار بالمضي قدماً وهو قرار أسفر عن خسائر فادحة للقوات الإيرانية.

هنا لا تكمن المشكلة في "الأخطاء" بل في نوع العقلانية التي تعتبر موت القوات عاملاً في الحسابات الاستراتيجية، تمثل معركة كربلاء الرابعة نقطة تحول حاسمة حيث ينهار الحد الفاصل بين العمليات العسكرية والاستخدام النفعي للأرواح البشرية، في الأدبيات العسكرية الكلاسيكية تُعرَّف "عمليات الخداع" بأنها تلك التي تهدف إلى تضليل العدو وتقليل الخسائر، لكن في كربلاء الرابعة ينعكس المنطق فالخداع لا يهدف إلى الحفاظ على القوات، بل إلى قبول وتوقع قتل القوات، هنا لم تعد حياة القوات "قيمة أخلاقية" أو "رأس مال بشري"، بل اختُزلت إلى مجرد متغير قابل للاستهلاك في معادلة القوة، هذا ما يمكن تسميته شكلاً متطرفاً من العقلانية النفعية، عقلانية لا تُعتبر فيها قيمة الحياة البشرية جوهرية، بل وظيفة لدورها في إعادة إنتاج نظام القوة.

لفهم قرار قائد الحرس الثوري الإيراني، محسن رضائي، لا بد من تجاوز المستوى الفردي والنظر إلى العقلية المؤسسية للجمهورية الإسلامية، فمنذ نشأتها لم يُصوّر هذا النظام الموتَ على أنه فشل، بل كمصدر للشرعية الرمزية، وفي هذا النظام لا تُعدّ "الشهادة" استثناءً بل جوهر السياسة، وفي هذا الإطار يمكن أن يكون لموت القوات ثلاث وظائف متزامنة، الحفاظ على التماسك الأيديولوجي من خلال إعادة إنتاج سردية التضحية، وإخفاء الفشل الاستراتيجي بلغة القدر والضرورة التاريخية، وتحصين القيادة من المساءلة بإلقاء المسؤولية على عاتق ما هو متعالٍ، ولذلك فإن قرار تنفيذ عملية كربلاء الرابعة ليس خروجاً عن منطق النظام، بل هو تجسيدٌ له.

لماذا لم يؤدِّ هذا القرار إلى إقصاء أو معاقبة صانعه فحسب، بل مهّد الطريق لترقيته؟ يكمن الجواب في الترابط الثلاثي بين الأيديولوجيا والسلطة والحصانة المؤسسية في نظامٍ يُعتبر فيه الموت رأس مال، ويُعاد فيه تعريف الفشل، وتُسمى فيه الكارثة "ضرورة تاريخية"، وتتلاشى فيه المسؤولية في ضباب القدر، لا تُعدّ المساءلة غير مرغوب فيها فحسب، بل تُعتبر أيضاً تهديداً للتماسك الأيديولوجي، من هذا المنظور لا تُعدّ أحداث كربلاء الرابعة مجرد عملية فاشلة بل نموذجاً للهيئات الحاكمة، نموذجٌ لا تُمثّل فيه القوى الداخلية حاملي الحقوق بل المواد الخام للسياسة، وقد أُعيد إنتاج هذا النموذج لاحقاً في أشكال مدنية من قمع الاحتجاجات إلى إدارة الأزمات الاجتماعية، يمكن اعتبار عملية كربلاء 4 عملية خداع ضد العدو، على حساب قتل عناصر من الداخل وعلى مستوى أعمق ممارسة للسلطة على أرواح جُردت بالفعل من حقها في الحياة.

 

الاقتصاد السياسي للموت في الاستراتيجية الملكية

في احتجاجات التي تشهدها إيران الآن تُعدّ الإحصاءات الميدانية لعمليات القتل بلا شك نتاجاً لبنية قمع الجمهورية الإسلامية، جهازٌ رسّخ القمع الدموي ليس كاستثناء بل كقاعدة للحكم لعقود، يجب أن يبقى هذا التمييز واضحاً فالإطلاق النار والاعتقال والتعذيب والقتل هي نتاج مباشر للدولة القائمة، لكن التحليل النقدي لا يتوقف عند هذا الحد، فالسياسة لا تقتصر على لحظة إطلاق النار فحسب بل تتجلى أيضاً في الدعوة والتوقيت وصياغة السرد وإدارة التوقعات، وعلى هذا المستوى تحديداً يمكن تحليل دور المعارضة اليمينية، ولا سيما الحركة الملكية.

بعد تجارب عامي 2017 و2019، لم يكن نمط القمع الذي تتبعه الجمهورية الإسلامية غريباً ولا غير متوقع، فقد أصبح إطلاق النار المباشر وقطع الإنترنت، والاعتقالات العشوائية والقتل في الشوارع جزءاً من "البديهيات السياسية"، في هذا السياق لم تُطلق الدعوات ليومي 8 و9 كانون الثاني/يناير الماضي من فراغ، بل في ظل إدراك احتمالية وقوع مجازر واسعة النطاق، السؤال ليس ما إذا كانت المعارضة مسؤولة عن إطلاق النار، بل هل كان المُطلق على دراية بالخطر؟ هل أخذه في الحسبان؟ وهل كانت لديه آلية للحد من الخسائر، أو تغيير التكتيكات، أو حتى إيقاف الدعوة؟ عندما تكون الإجابة بالنفي، فإننا نواجه نوعاً من اللامسؤولية الاستراتيجية المنظمة، وضعاً يُعتبر فيه الموت المتوقع "ثمناً مقبولاً" للسياسة، كما وصف رضا بهلوي القتلى بـ"الضحايا" في مقابلة مع شبكة CNN.

إن دور وسائل الإعلام التابعة، بما فيها إيران إنترناشونال، في هذا الصدد ليس مجرد انعكاس، بل تدخل فعلي. إن التقليل من شأن مجزرة 18 كانون الثاني/يناير الماضي أو إخفاؤها، ودفع الرأي العام لحضور فعاليات اليوم التالي، ليس خطأً مهنياً، بل عملاً سياسياً ذا عواقب وخيمة، هنا نحن أمام شكل حديث من "الخداع العملياتي"، ليس خداعاً للعدو، بل خداعاً للشعب، خداع لا يهدف إلى تحقيق نصر فوري، بل إلى تراكم رأس مال رمزي من خلال تصوير الضحية.

لماذا يُعدّ العدد الكبير من القتلى ذا أهمية هنا، بصرف النظر عن الدعاية الحكومية؟ في منطق إضفاء الشرعية الخارجية، ولا سيما في إطار السياسة الدولية لليمين الليبرالي، يصبح حجم القتل مؤشراً على الأزمة، فكلما زاد عدد الجثث، ازدادت بشاعة صورة النظام، وتفاقمت الأزمة "الإنسانية"، وازداد احتمال التدخل أو الدعم الأجنبي، وفقاً لهذا المنطق تتحول الجثث إلى بيانات سياسية، أرقام للتقارير وصور لوسائل الإعلام، وأوراق مساومة لقادة المعارضة، إن "جبل الجثث" ليس خطأً غير مقصود، بل هو رصيد محتمل للشرعية.

تُفسَّر وعود سياسيين مثل ترامب وهي في معظمها وعود شفهية مشروطة تفتقر إلى التنفيذ على أنها ضوء أخضر في هذا المشروع، لكن التجربة التاريخية تُظهر أن هذه الأضواء الخضراء غالباً ما تنتهي إلى طريق مسدود؛ فلا تدخل ولا تحمل مسؤولية، ولا تغيير في موازين القوى، وما يتبقى هو مجتمع أكثر جرحاً، وقوة اجتماعية أكثر استنزافاً، وذاكرة مليئة بالموت، هنا لا يصبح الموت سبيلاً للتحرر، بل وقوداً لمقامرة جيوسياسية غير متكافئة.

في نهاية المطاف، تكمن خطورة هذه الاستراتيجية في تشابهها البنيوي مع منطق الجمهورية الإسلامية، ففي كلا طرفي هذا الصدام لا يُعتبر الشعب فاعلاً سياسياً، بل مجرد وسيلة لإضفاء الشرعية، أحدهما بالرصاص والآخر بنداءات جوفاء، أحدهما بالقمع الصارخ والآخر بوعود الخلاص من السماء، لكن النتيجة واحدة موت الشعب وتعطيل الديمقراطية من جذورها، لا يكمن الإشكال هنا في تحديد من هو القائد المباشر أو غير المباشر لعملية التضليل ضد الشعب، محسن رضائي سيباهي أم رضا بهلوي، المطالب بالعرش، بل في الآلية المشتركة بينهما في استراتيجية "موجة القتل" لأغراضهما الخاصة، ولشراء الشرعية والدعم، وهي استراتيجية ذات نتائج مروعة.