إرث ساكينة وفيدان وليلى صمام أمان لمسيرة حرية المرأة
تعد مجزرة باريس عام 2013 جزءاً من سياسة ممنهجة لإسكات صوت المرأة الكردية وضرب شبكات المقاومة، ورغم استمرار الجرائم حتى اليوم، إلا أن تضحيات ساكينة جانسيز ورفيقتيها زادت النساء قوة وإصراراً، وأن مشروع 2026 يهدف لإحياء إرثهن في عموم سوريا.
نورشان عبدي
كوباني ـ عملية اغتيال ساكينة جانسيز وليلى شايلمز إلى جانب فيدان دوغان، لم تكن مجرد استهداف فردي، بل رسالة سياسية واضحة، إذ اختيرت المناضلات الثلاث لرمزيتهن في مسار المقاومة الكردية، ولإسكات أصواتهن التي كانت تعبّر عن تطلعات شعب بأكمله
في 9 كانون الثاني/يناير 2013، شهدت العاصمة الفرنسية باريس واحدة من أبرز عمليات الاغتيال التي نفّذتها أجهزة الدولة التركية، حيث استشهدت فيها ساكينة جانسيز من المؤسِّسات الأوائل لحزب العمال الكردستاني وكانت تضطلع بمهام دبلوماسية في فرنسا، إلى جانب فيدان دوغان، ممثلة المؤتمر الوطني الكردستاني في باريس، وليلى شايلمز، العضوة في حركة الشبابية الكردية.
وبعد مرور ثلاثة عشر عاماً على مجزرة باريس، ما زالت الحكومة الفرنسية حتى اليوم عاجزة عن كشف الحقيقة كاملة، وفي 23 كانون الأول/ديسمبر 2022، أعادت الدولة التركية ارتكاب الجريمة ذاتها، حيث اغتيلت القيادية في حركة المرأة الكردية أفين كوي، والفنان الكردي مير بَروَر، والوطني عبد الرحمن كزل.
وبمناسبة الذكرى الثالثة عشرة لمجزرة باريس، تحدّثت خناف خليل، عضوة منسقية مؤتمر ستار بمقاطعة الفرات في إقليم شمال وشرق سوريا، عن الأهداف السياسة لهذه الجريمة وأنها ليست مجرد استهداف لأفراد، بل محاولة منهجية لضرب شبكات المقاومة الكردية وإخماد صوت المجتمع.
في بداية حديثها، شدّدت خناف خليل على أن التحقيقات في مجزرة باريس، رغم مرور ثلاثة عشر عاماً، لم تُفضِ إلى أي نتيجة ملموسة "المناضلات اللواتي استُهدفن في تلك المجزرة كنّ شخصيات محورية في تاريخ حركة المرأة وكردستان، وأدّين أدواراً بالغة الأهمية ورمزية"، موضحةً أن هذه الجريمة لم تكن حدثاً عابراً، بل جاءت في إطار مؤامرة دولية ارتكزت على إصرار الاحتلال التركي على القمع "مضت ثلاثة عشر عاماً والجميع يدرك هوية المسؤولين عن هذه المجزرة، لكن للأسف، التحقيقات التي أُجريت لم تصل إلى أي حقيقة أو محاسبة".
وأضافت أن ساكينة جانسيز وفيدان دوغان وليلى شايلمز جسّدن الرؤية والإرادة، ولنضالهن أثر بالغ في مسيرة الحرية "حين نتحدث عن نضال ومقاومة المرأة الكردية، تتجسد أمامنا مباشرة أسماء هؤلاء الثلاثة، خاصة ساكينة جانسيز، التي تُعدّ من أبرز المؤسِّسات لحزب العمال الكردستاني، إذ لا تكفي الكلمات لوصف نضالها، ففي مقاومة سجن آمد، ارتفع اسمها كرمزٍ في مواجهة عقلية الدولة الذكورية والقومية، لتصبح مثالاً للمرأة الحرة والمقاومة، شخصيةً مثلت إرادة المرأة في التحرر والصمود، واستطاعت أن تكون رائدة في التصدي لكل أشكال الإبادة، ولهذا فإن هؤلاء المناضلات الثلاث، اللواتي خضن نضالاً بطولياً، تركن إرثاً عظيماً للنساء الكرديات، واليوم نواصل مسيرتنا على خطاهن".
وترى أن المرأة الكردية تحمل إرثاً مشتركاً وتواصل مسيرته "من المؤلم أن نشهد في باريس وقوع مجزرتين متشابهتين، وهو دليل واضح على أنّ سياسة الإبادة ما زالت مستمرة منذ عام 2013 وحتى يومنا هذا، وباتت تُمارس بشكل علني وممتد".
وأكدت أنه في إقليم شمال وشرق سوريا، حيث يستمر خط المرأة الحرة الذي رسمته المناضلات الثلاث، تتحد النساء جميعاً كحلقة متينة حول هذا الإرث العظيم، ويواصلن نضالهن بلا انقطاع "لماذا خضنا هذا النضال؟ ولماذا دُفع هذا الثمن الباهظ؟ الجواب هو لكي نعيش نحن النساء بهويتنا ورؤيتنا الخاصة، نبني نظامنا الحر، نحمي وطننا ووجودنا، ونمضي قدماً على درب رائداتنا اللواتي قدّمن أغلى التضحيات".
أشارت خناف خليل أنّ أثر مجزرة باريس امتدّ إلى بإقليم شمال وشرق سوريا "إن مكتسباتنا، المتمثلة في النساء الحرائر والواعيّات والمنظّمات، واللواتي يمتلكن هوية مستقلة، تُعدّ تهديداً مباشراً للقوى المهيمنة، وعلى وجه الخصوص للدولة التركية، ولهذا فإن مسلسل المجازر الذي بدأ في باريس لم يتوقف، بل تواصل في مناطقنا، فقد جرى استهداف عشرات النساء اللواتي كنّ رائدات في ميادين التنظيم والمجتمع والسياسة والعسكر والتعليم، وتم اغتيالهن بوحشية. ومن بين هذه الجرائم المجزرة التي استهدفت المناضلات ديلارا وروناهي، وكذلك في كوباني حيث اغتيلت مناضلات شابات، إضافة إلى عشرات النساء الأخريات في إقليم شمال وشرق سوريا، وكل ذلك وفق النهج ذاته الذي يستهدف المرأة الحرة".
وبعثت برسالة مؤثرة قالت فيها "إن مجزرة باريس وما تلاها من جرائم كانت تهدف إلى قطع الطريق أمام النساء وإبعادهن عن مسيرة الحرية والثورة، لكن ما الذي حدث فعلاً؟ لقد ازدادت صورة المرأة قوة، وتعاظم حضورها أكثر من أي وقت مضى، واليوم تحتل آلاف النساء مواقع متقدمة في صفوف النضال، فإذا استُشهدت ساكينة أو زهراء، فإن مكانهن امتلأ بآلاف النساء اللواتي واصلن الطريق".
وشددت على أنهن لسن حركة تتراجع أمام الشهادة "على العكس، كل تضحيات المناضلات تزيدنا إصراراً وتوسعاً في مقاومتنا، ولهذا فإن الإرث الذي تركته لنا مناضلات مجزرة باريس أصبح جزءاً من هويتنا، نتمسك به ونصونه عبر المقاومة والتنظيم والصمود، وبشكل خاص، فإن مشروعنا لعام 2026 يتمثل في إحياء هذا الإرث في عموم سوريا، ليكون مشروعاً جامعاً تنخرط فيه جميع نساء سوريا".