انهيار مشروع حقوق المرأة في الرقة ودير الزور... عندما يدمر الخطاب الشعبوي مفهوم الحرية
مقال بقلم الصحفية سناء العلي
من الصعب تحليل الانتكاسة الحقوقية لمشروع تحرير المرأة في المناطق العربية بإقليم شمال وشرق سوريا بعد سيطرة العشائر والحكومة المؤقتة وداعش عليها، ليس لأن الصورة غير واضحة، ولكن من المؤلم لمن كتب طيلة سنوات عن إنجازات المرأة العربية في منطقة عشائرية تحاصر المرأة بمفاهيم القبيلة والدين البالية، العودة إلى نقطة الصفر بعد كل الجهود من أجل تحرير النساء ورفع الظلم عنهن.
رفعت الرايات السوداء في مدينة الرقة بعد سنوات من دحر داعش، وأخرجت من خريطة إقليم شمال وشرق سوريا، وتم الدفع بها مرة أخرى إلى ظلام تجرعت مرارته لسنوات باسم الإسلام. في هذه المدينة رفعت الرايات السوداء من جديد، وحُطم تمثال المرأة الحرة، وأصبح القتل على الهوية سيناريو يتكرر في سوريا والمتهم هذه المرة أي عائلة كردية.
لقد نسي أو تناسى العالم وحتى أهالي مدينتي الرقة ودير الزور أنفسهم ربما، ما حصل من انتهاكات في عاصمة "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، عندما جلبت المختطفات الإيزيديات من شنكال، وتم بيعهن في أسواق النخاسة، لقد نسيت أو تناست نساء الرقة ودير الزور عندما أجبرن على ارتداء العباءات وتغطية وجوههن باسم الدين، وجلدهن أو جلد أحد رجال عائلاتهن لأنهن عبرن الشارع دون "محرم"، يبدوا أن الذاكرة العربية ضعيفة ولكن هل ستنشط عندما تُعاد هذه المشاهد اليوم بعد قيام قوات العشائر والحكومة المؤقتة بالإفراج عن مرتزقة داعش من سجن الأقطان والعريشة الذين تم اعتقالهم من قبل قوات سوريا الديمقراطية لحماية المدنيين من إرهابهم.
من هي السبية الجديدة؟
لم تعد هناك إيزيديات للسبي فقد تسلحت المرأة للدفاع عن نفسها بعد الخذلان العالمي لها، والسلاح رفيق المرأة الكردية وليس بغريب عنها النضال، فتاريخ الكُرد يشهد، والنساء العربيات في تلك المناطق أصبحن أسيرات المنزل، وُعدن إلى أدوارهن التقليدية، فلمن ستكون أسواق النخاسة؟
تتغير المسميات لكن هناك الكثير من الأشكال للاستعباد الجنسي وحتى الزواج رغم قدسيته في المجتمعات الشرقية عموماً والعربية خاصةً في أحد أشكاله يكون استغلالاً واستعباداً للمرأة، والجنس جزء لا يتجزأ من الحرب التي تمارسها الجماعات الجهادية فهو داخل في صلب أيديولوجيتها.
أتساءل هنا عن هذا وهو ليس تفصيل عابر لأن الذهنية التي يحملها الجهاديون لا تقوم إلا على الاغتصاب، اغتصاب الأرض والمرأة، واعتقد أن الضحية هذه المرة ستكون الفتيات العربيات أنفسهن ولكن باسم الزواج، وسيكون بإجبار العائلات على تزويج بناتها للمرتزقة والجهاديين.
سيعود تزويج القاصرات بقوة وبغطاء ديني طبعاً، إلى مجتمع دير الزور والرقة، هذا الانتهاك الذي حاربته المنظمات النسائية كتجمع نساء زنوبيا طيلة سنوات إلى الواجهة وما يحمل معه من تداعيات... ستشهد المرحلة القادمة المزيد من الزواج العرفي والأطفال مكتومي القيد ومجهولي النسب، ليكون حالهم أحد أبشع صور الحرب التي تمر بها سوريا ويصبحوا وقود حروب خارجية ضد الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان ومن يدري ربما يصلوا ليبيا مرة أخرى كما وصل آبائهم عندما جندتهم تركيا مقابل بضعة دولارات.
جديلة المقاومة
لم أكن أعتقد وأنا التي أعمل في المجال الإعلامي النسائي منذ سنوات وواكبت ثورة المرأة الكردية في إقليم شمال وشرق سوريا أن الجديلة تستفز إرهابهم لهذه الدرجة، فلطالما اعتقدت أن كل النساء هن هدفهم وليس المرأة الكردية فقط، لأن أي تحرر في فكر المرأة سينهي سطوتهم، لأنهم تعلموا في مدارس الذكورية والتشدد أن المرأة أداة للرغبة وإنجاب الكثير من الأطفال الذين سيرثون هذا الفكر، ولكن بعدما حدث من قص جديلة لمقاتلة واختطافها تأكدت أن هذه الجديلة أقوى من أي سلاح لذلك أول ما قاموا به هو التفاخر بقصها.
قص جديلة مقاتلة وتصوير ذلك على أنه إنجاز يستفز أي امرأة حتى لو أنها تتعاطف مع هذا الفكر الذي استقته منذ طفولتها، وأقصد هنا النساء العربيات اللواتي هن ضحايا للخطاب الطائفي والديني والعقائدي فمن قص جديلة مقاتلة اليوم سيغتصب طفلة باسم الزواج غداً. وفعلاً انتفضت النسائر الحرائر في جميع أنحاء العالم وأعلن رفضهن لهذه الممارسة.
تُركت المعنفات بلا حماية
النهاية ترتبط بالبداية فلمعرفة لماذا انهارت الحركة النسائية في المناطق العربية بإقليم شمال وشرق سوريا رغم كل الجهود التي قامت بها المنظمات النسائية في المنطقة لتوعية النساء بحقوقهن وحمايتهن من ممارسات الذهنية الذكورية وشكلت الداعم الأول لهن قبل العائلة حتى، كما في حالات العنف وتعدد الزوجات والطلاق الأحادي والتعسفي والحرمان من النفقة والأطفال والتهديد بالقتل، وللأسف تركت هؤلاء النساء اليوم بدون حماية وهن المتضرر الأكبر من سيطرة الجهاديين ذوي الفكر الذكوري على المنطقة.
هنا لابد من التأكيد على ضرورة التعريف بمفهوم الشعبوية الذي غزا وقتل ثورات ربيع الشعوب من تونس إلى سوريا، وأمريكا بقيادة ترامب هي أيضاً ضحية لهذه الشعبوية.
لقد دمرت الشعبوية جهود سنوات من العمل لتجمع نساء زنوبيا الذي تأسس عام 2021، ليكون صوت النساء العربيات، لم يترك يوماً بدون اجتماعات أو ندوات، ولم تمر مناسبة بدون توزيع بروشورات وزيارات للمنازل قامت بها عضوات في التجمع هن من أهالي المدينتين، بعد أن تعرفن على فكر تحرر المرأة وعلم المرأة "جنولوجيا"، ونفضن عنهن غبار عقود من العبودية ومعاداة المرأة تارة باسم الدين وتارة أخرى باسم العادات والتقاليد، وقد آمنت حركة حرية المرأة بأن التغيير يكون بتحليل واقع المجتمع ومعرفة الأسس التي بُني عليها العنف ليكون التغيير حقيقي.
الخطاب الشعبوي بدلاً من الحرية
يظن البعض أن ترك الشعب يحكم وفق هواه هو المفهوم الحقيقي للحرية، ولكن السؤال هنا ألا يحتاج هذا الشعب الوعي أولاً؟
نعم الحرية تنبع من الشعب لكنها تتحول إلى شعبوية يتم فيها النيل من حقيقة الحرية، فـ "الحرية والشعبوية" ثنائية أصبحت في هذه الفترة من التاريخ مترابطة والفرق بينها كما بين التحرر والفساد، وتحتاج لوعي الجماهير لتجنيب البلاد الانزلاق نحو الهاوية.
أجمع غالبية الفلاسفة والمفكرون على أن الشعبوية هي ظاهرة سياسية معقدة تتجاوز اليمين واليسار، ووصفوها بأنها "تعادي التعددية"، وترفع من خطاب التخوين بعد أن قسمت المجتمع إلى "الشعب"، و"النخبة الفاسدة"، ولعل أفضل تعريف لها ما قاله الفيلسوف يان فيرنر مولر بأنها "تهديد ديمقراطي تحتكر تمثيل الشعب".
وللعلم تستفيد الحركات الجهادية عموماً من خطاب الشعبوية فهي تهزم التفكير العقلاني بالتوجه لميول الناس ورغباتهم بدلاً من الحقائق، مما يحدث انفصاماً بين الواقع وما يرغب الناس في رؤيته، وتصبح رغبة الجماهير حتى لو كانت متقلبة هي الحق المطلق، وذلك لأن الشعبوية لا تملك حلولاً ولا أجندة يمكن العمل عليها ولذلك يسهل استغلالها من قبل عدة تيارات على رأسها الجهادية والإخوان المسلمين الجهتان المنظمتان تنظيماً جيداً وممولتان بشكل كبير من أنظمة مستفيدة من التخريب والدمار.