أمسية ثقافية لتعزيز حضور المرأة العراقية في المشهد العام
شهد مركز رواق بغداد أمسية ثقافية نظمها مشروع "تاء" لدعم دور المرأة، وجاءت المبادرة بهدف إبراز أهمية الفضاءات الثقافية وتعزيز حضور المرأة في المشهد العام، وإبراز أهمية الرموز الثقافية ودورها في الذاكرة الوطنية.
رجاء حميد رشيد
العراق ـ أجمعت المشاركات في الأمسية على أهمية صون البيوت التراثية بوصفها جزءاً من الهوية الثقافية للعراق، وتعزيز حضور المرأة في إدارتها وحمايتها، مؤكدات أن الإرث الثقافي يمثل ذاكرة وطنية ينبغي الحفاظ عليها وإحياؤها للأجيال القادمة.
أقام مشروع "تاء" لدعم دور المرأة، وبالشراكة مع دار الرواق للنشر والتوزيع، أمسية ثقافية في مركز رواق بغداد أمس الخميس 26 شباط/فبراير، وغلب على الفعالية، التي نُظّمت بالتعاون مع قسم الشؤون الثقافية في أمانة بغداد، بطابع تراثي وفكري يستلهم أجواء البيوت البغدادية القديمة بوصفها ذاكرة الوطن وهوية المدينة، بهدف دعم الفضاءات الثقافية وتعزيز حضور المرأة في المشهد العام.
وتناولت الجلسة التي حملت عنوان "تعلولة"، وأدارتها الدكتورة شهد الربيعي، فتح حوار حي حول دور المؤسسات الثقافية في إحياء البيوت التراثية وصونها، وصياغة توازن واعٍ بين حماية الإرث العمراني وتجديد حضوره في الحياة الثقافية المعاصرة، بما يرسخ مكانتها بوصفها فضاءات فاعلة في المشهد الثقافي العراقي.
صون التراث مسؤولية مؤسسية
وأكدت خولة موسى الخزرجي رئيسة قسم الشؤون الثقافية في أمانة بغداد، أن من مهام الأمانة الاهتمام بالبنى التحتية الناعمة وليس الاقتصار على الطرق والجسور، مشددةً على أهمية العناية بالجانب الثقافي والحفاظ على تراث المدينة بشقيه المادي وغير المادي.
وأوضحت أن التراث المادي يشمل البيوت التراثية والمواقع التاريخية، وهو ملف تتحمله أمانة بغداد بالشراكة مع مؤسسات أخرى معنية بالحفاظ على هذا الإرث، مشيرةً إلى أن الأمانة كثفت اهتمامها بهذه البيوت لا سيما بعد أحداث عام 2003، إذ شهد هذا الملف إهمالاً بسبب الظروف الاستثنائية التي مر بها البلد رغم محاولات بعض المنظمات إحياء تاريخ بغداد الحضاري والثقافي والتراثي.
وحول التحديات التي تواجهها في عملها كامرأة، قالت إن هناك العديد من الصعوبات، أبرزها العمل في المجال الثقافي الذي يتطلب جهداً ميدانياً أكثر من كونه عملاً مكتبياً "إن إدارة البيوت الثقافية سواءً المستملكة منها مثل بيت الجواري وبيت الشيخ الوائلي أو المباني التراثية الأخرى، تستلزم متابعة ميدانية مستمرة والتنقل بين تلك المواقع".
ولفتت إلى أنه من أبرز التحديات التي تواجهها كامرأة صعوبة التنقل، إلى جانب التحديات المالية وضعف التخصيصات، إذ إن هذه البيوت ذات بناء بسيط ومتقادم، تجاوز عمر بعضها ستين عاماً، ما يجعلها بحاجة دائمة إلى أعمال صيانة وإدامة تتطلب دعماً مالياً مستمراً، وهو أمر لا يتوفر دائماً في ظل ما يعانيه القطاع الحكومي من شح في التمويل "أن الدعم المعنوي يحظى بأهمية كبيرة"، لافتة إلى اهتمام أمانة بغداد ومحافظها برعاية هذا القسم المعني بالبيوت التراثية ودعمه.
إرث الجواهر ذاكرة العراق الممتدة للأجيال
من جانبها، أعربت بان فرات الجواهري، حفيدة الشاعر محمد مهدي الجواهري، عن فخرها بوجود جيل جديد مهتم بالإرث والتراث العراقي والتاريخ الوطني، مؤكدةً أن الاهتمام لا يقتصر على الجواهري وحده، بل يشمل مختلف الرموز الأدبية والثقافية، وهو ما وصفته بالأمر المفرح، لأن هذه القامات تمثل الهوية العراقية والامتداد الطبيعي للأجيال القادمة، ما يستوجب الحفاظ عليها واستحضارها في الجلسات والندوات الثقافية.
وأشارت إلى أن غرفة المخطوطات في بيت محمد مهدي الجواهري لم تكن مجرد غرفة ضيوف اعتيادية، بل كانت بمثابة برلمان مصغر، إذ شكلت ملتقى يومياً للشعراء والأدباء والسياسيين على اختلاف توجهاتهم الشعرية والأدبية والسياسية، مضيفةً أن عراقاً موحداً كان يجتمع في تلك الغرفة ما يجعل هذا المكان جزءاً من تخليد تاريخ العراق بأكمله وليس تاريخ بيت الجواهري فحسب.
تمكين الكاتبات وتعزيز حضور الثقافة في الفضاء العام
فيما استعرضت سارة صباح، مديرة دار الرواق للنشر والتوزيع، أبرز مهام مركز رواق مركز بغداد للسياسات العامة، موضحةً أن هناك لجنة علمية تتولى مراجعة مضامين الكتب من حيث الرصانة الأكاديمية والتركيز على الموضوعات المرتبطة بالشأن العراقي، لدعم الكاتب العراقي بشكل أكبر، فضلاً عن أهمية حداثة الموضوعات لتلبية حاجة المثقف العراقي إلى الاطلاع ومواكبة كل جديد في ظل التسارع المتنامي في تكنولوجيا المعلومات.
وأشارت إلى أن الدار أصدرت مؤخراً كتاباً بعنوان "الحصار الاقتصادي على العراق للفترة من 1990 ولغاية 2003"، مؤكدةً أن هذه الحقبة الزمنية تستوجب التوثيق الورقي لحفظ الذاكرة العراقية، كونها تمس حياة الفرد العراقي بشكل مباشر، ما يجعل تأريخها في الكتب ضرورة ثقافية ووطنية.
وفيما يتعلق بالتطور الرقمي، أعربت عن سعادتها بالتكنولوجيا الحديثة التي أتاحت توفير الكتب بسهولة عبر صيغ إلكترونية مثل PDF وE-book، وأسهمت في إيصال المعلومة بسرعة أكبر إلى القارئ العراقي، لافتةً إلى أن للكتاب الورقي مكانته الخاصة لدى المثقفين.
وأكدت على ضرورة توظيف التطور الرقمي بشكل إيجابي لخدمة الثقافة، مشيرةً إلى أن وسائل التواصل الافتراضي أسهمت في إبراز العديد من الأسماء العراقية وانتشارها على المستويين العربي والدولي "أن تراجع أعداد النسخ المطبوعة في الفترة الأخيرة لا يعود بالضرورة إلى التطور الرقمي، بقدر ما يعكس الحاجة إلى تعزيز ثقافة القراءة ونشر الوعي بها".
وأكدت دعمها، بصفتها امرأة ناشرة، للكاتبات العراقيات، مشيرةً إلى بروز العديد من الأصوات النسوية، ولا سيما الشابات اللواتي بدأن بكتابة الخواطر عبر مواقع التواصل الافتراضي قبل أن يتجهن إلى القصة القصيرة، فضلاً عن الأكاديميات اللواتي أسهمن في تأليف كتب بمختلف المجالات.
وكشفت أن الدار طبعت مؤخراً مجموعة من الكتب لكاتبات عراقيات، وسيصدر قريباً كتاب عن الأمن الغذائي للدكتورة إيمان جواد من جامعة بغداد ـ كلية العلوم السياسية، إضافة إلى كتاب لفرح أبو التمن حول الشخصية العراقية المعروفة محمد جعفر أبو التمن، معتبرةَ أن مثل هذه المبادرات تشجع النساء، خصوصاً من يحملن إرثاً عائلياً وثقافياً، على تخليد الأسماء عبر مساهماتهن الفكرية والبحثية.
ولفتت إلى بروز أسماء شابة معروفة في المشهد الثقافي العراقي، مثل شهد الراوي وتماره الجلبي، اللواتي حققت مؤلفاتهن انتشاراً واسعاً، مؤكدةً حرص دور النشر على تمكين النساء العراقيات وتشجيعهن على أداء دور قيادي في نشر المعرفة.
وبيّنت أن دور دار الرواق لا يقتصر على طباعة الكتب وإصدارها، بل يشمل تنظيم جلسات وورش عمل للشباب العراقي وتمكين النساء ثقافياً، فضلاً عن إقامة مناقشات للإصدارات في البيوت التراثية، وكشفت عن مشروع بعنوان "مستقبل الثقافة في العراق.. رسالة إلى المجتمع العراقي"، شارك فيه 35 باحثاً قدموا 37 بحثاً تناولت قضايا الشباب والمرأة والشأن العراقي في مختلف الفضاءات الاجتماعية والثقافية والسياسية، واستغرق المشروع ثلاثة أعوام، وضم نخبة من الكتّاب العراقيين "أن مثل هذه المبادرات تمثل رسالة تثقيف وتمكين، فيما يشكل المركز حلقة وصل بين الباحث العراقي وصانع القرار في مختلف المجالات".