أمهات المفقودين في غزة تطالبن بالكشف عن مصير أبنائهن

بالتزامن مع اليوم العالمي للمرأة طالبت أمهات المفقودين بالكشف العاجل عن مصير المفقودين وإنهاء حالة الغموض التي تحيط بهذا الملف الإنساني منذ حرب السابع من تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣.

نغم كراجة   

غزة ـ نظمت أمهات المفقودين في غزة وقفة احتجاجية لتسلّيط الضوء على واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلاماً في الواقع الفلسطيني حيث ما تزال عشرات العائلات تعيش حالة انتظار دون إجابات واضحة حول مصير أبنائها المفقودين.

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة الذي يصادف الثامن من آذار/مارس من كل عام، نظمت حركة أمهات المفقودين وقفةً احتجاجية للمطالبة بالكشف عن مصير أبنائهن، في مشهد اختلطت فيه الكلمات بالدموع، والنداءات بالأمل الثقيل الذي تحمله الأمهات منذ بدء حرب السابع من تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣.

وألقي خلال الوقفة بيان أكد على أن هذا الملف لم يعد مجرد قضية إنسانية فحسب بل قضية حقوقية وقانونية تمس حق العائلات في معرفة الحقيقة وجاء فيه أن "حركة أمهات المفقودين تتابع بقلق بالغ استمرار حالة الغموض التي تحيط بمصير المفقودين في ظل غياب المعلومات الرسمية الكافية، واستمرار معاناة العائلات التي تعيش منذ أكثر من عامين بين الأمل والقلق، وحرمان العائلات من معرفة مصير أبنائها الذي يشكل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية الأساسية وللقوانين الدولية ذات الصلة بحماية المدنيين وحقوق الأسرى والمفقودين".

وأكد البيان أن استمرار الغموض دون الكشف عن الحقيقة يضاعف من معاناة الأمهات والعائلات ويزيد من مسؤولية الجهات المعنية لمعالجة هذا الملف بجدية وشفافية "الأمهات الموجودات في هذه الوقفة لم يفقدن الأمل رغم مرور السنوات، وما زلن يطالبن بحق إنساني عادل في الكشف عن مصير أبنائهن، هذا الحق لا يسقط بالتقادم، ولن نتوقف عن المطالبة به حتى تنكشف الحقيقة".

ودعت حركة أمهات المفقودين في بيانها إلى الكشف الفوري والشفاف عن مصير جميع المفقودين، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة وشفافة بمشاركة جهات حقوقية مختصة لمتابعة الملف وتحديد المسؤوليات، إضافة إلى فتح السجلات والمعلومات الرسمية المتعلقة بهم وتمكين العائلات من الوصول إليها وفق المعايير القانونية.

كما طالبت بضمان المساءلة القانونية ومحاسبة المسؤولين عن حالات الإخفاء أو التقصير، وتوفير الدعم القانوني والنفسي لعائلات المفقودين لضمان حقهم في المتابعة القضائية، وطالبت أيضاً الجهات الدولية المختصة، وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بتكثيف جهودها والضغط من أجل تزويد العائلات بقوائم واضحة تتضمن أسماء الأسرى وأسماء الجثامين التي يتم تسليمها وأي معلومات تساعد في تحديد مصير المفقودين.

 

واقع المرأة الفلسطينية مختلف

وعلى هامش الوقفة أكدت بيسان أبو جياب، أن المرأة الفلسطينية تعيش واقعاً مختلفاً يختلط فيه النضال الحقوقي بالألم الشخصي "في يوم المرأة العالمي يحتفل العالم بإنجازات النساء ونضالهن من أجل الحقوق والعدالة، لكننا اليوم نقف أمام واقع مختلف واقع المرأة الفلسطينية التي لم تكتفِ بالمطالبة بحقوقها، بل وجدت نفسها تناضل من أجل أبسط الحقوق الإنسانية، الحق في الأمان الكرامة، معرفة مصير أبنائها".

وأشارت إلى أن "العامين الماضيين شهدا انتهاكات قاسية طالت الفلسطينيات حيث فقدت كثيرات بيوتهن وأمانهن، وتحولت حياة الكثيرات إلى رحلة انتظار طويلة ومؤلمة"، مضيفةً أن "أبناؤنا ليسوا أرقاماً، ولا خبراً عابراً في شريط الأخبار، إنهم حياة كاملة معلّقة في ذاكرة الأمهات، ولذلك نقولها بوجع واحد لن نصمت، ولن نوقف البحث لمعرفة مصيرهم، ولن نقبل بحالة التيه والضياع".

وتحمل قصة بيسان أبو جياب بعداً شخصياً مؤلماً، فهي والدة الطفل كرم الذي فقد منذ نحو عام ونصف، ولا تزال تنتظر أي خبر قد يقودها إلى معرفة مصيره، حيث قالت بصوتٍ يختلط فيه الثبات بالحزن "أعيش كل يوم على أمل أن أسمع خبراً عن طفلي كرم، إن انتظار الحقيقة هو أقسى ما يمكن أن تعيشه أم".

 

"نطالب بحق بسيط وإنساني"

أما هناء المبحوح وهي والدة أحد المفقودين، فقد روت تفاصيل اللحظة التي فُقد فيها ابنها عمر الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، وقالت "خرج ابني ليطمئن عليّ ومنذ تلك اللحظة لم يعد، مر عام كامل وأنا أبحث عنه في كل مكان، وفي كل دفعة جثامين يتم تسليمها أذهب لأتفحص الوجوه لعلني أجد وجهه بينها، إن هذا الانتظار مؤلم إلى حد لا يمكن وصفه".

وأضافت في نداء موجّه إلى العالم "لا نطلب المستحيل بل نطالب بحق بسيط وإنساني، وهو معرفة مصير أبنائنا، نناشد العالم أن يستيقظ من غفلته، وأن يتحمل مسؤولياته الإنسانية والقانونية في الكشف عن مصير المفقودين".

وفي سياق متصل، أكدت الناشطة النسوية سماهر المصري أن مشاركة النساء في هذه الوقفة بمناسبة يوم المرأة العالمي تحمل رسالة واضحة بأن نضال المرأة الفلسطينية لا ينفصل عن قضايا المجتمع الكبرى، وقالت إن هذا اليوم لا يقتصر على الاحتفاء بإنجازات النساء، بل يشكل فرصة لتسليط الضوء على التحديات التي ما زلن تواجهنها.

وأشارت إلى أن "وجودنا اليوم في هذه الوقفة تأكيد على أن المرأة الفلسطينية ليست فقط شاهدة على الألم، بل هي شريكة في الدفاع عن الحقوق والعدالة، إذ أن مشاركة النساء في مثل هذه الفعاليات تعكس وعياً عميقاً بدور المرأة في حماية قضايا المجتمع، وفي مقدمتها قضية المفقودين التي تمس جوهر الكرامة الإنسانية".

بدورها، شددت الناشطة السياسية نسرين أبو عمرة على أن المرأة الفلسطينية أثبتت خلال العامين الماضيين قدرة استثنائية على الصمود رغم قسوة الحرب وتداعياتها، موضحةً أن النساء لم تكتفين بتحمل أعباء الحياة اليومية في ظل الظروف الصعبة، بل واصلن دورهن في الدفاع عن قضايا المجتمع وحقوقه.

وقالت إن "وجود النساء اليوم في هذه الوقفة هو امتداد طبيعي لهذا الدور، ورسالة بأن المرأة ستظل حاضرة في كل معركة من أجل الحق والعدالة".

وتعكس هذه الوقفة حجم الألم الذي تعيشه عائلات المفقودين لكنها في الوقت ذاته تعكس إصرار الأمهات على مواصلة المطالبة بالحقيقة، وبين اللافتات المرفوعة والوجوه المتعبة من الانتظار، يتردد مطلب واحد لا يتغير "الكشف عن مصير المفقودين وإنصاف عائلاتهم".

وفي ختام الوقفة، شددت عائلات المفقودين على عدة مطالب، في مقدمتها الكشف الفوري والشفاف عن مصير جميع المفقودين، وفتح الملفات المتعلقة بهم بجدية وشفافية كاملة.