عام من التراجع الجندري... النساء يواجهن انتكاسات عالمية وعودة القوى الرجعية
شهد العام الماضي تراجعاً في المكاسب القانونية التي حققتها النساء حول العالم، إلى جانب تصاعد واضح في أنماط الاضطهاد والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وبرزت مقاومة النساء بوصفها عاملاً يؤكد أن تحقيق العدالة الجندرية يشكّل شرطاً أساسياً لإرساء السلام.
شيلان سقزي
مركز الأخبار ـ وجدت النساء في مختلف أنحاء العالم خلال العام الماضي أنفسهن، ضمن سياق تاريخي طويل من النضال، أمام وضع معقّد تحكمه قوى متعارضة، فقد ترافقت مؤشرات التقدّم القانوني والمؤسسي مع عودة قوية لأشكال المقاومة الأيديولوجية والبُنى التقليدية المناهضة للمساواة الجندرية.
لا يمكن مقاربة وضع المرأة بوصفه مساراً خطياً أو ذا اتجاه واحد، بل كحركة ديناميكية تتقاطع فيها قوى التحرر مع محاولات إعادة إنتاج النظام الجندري السائد، ولم ينعكس هذا الواقع فقط على أجساد النساء وحقوقهن الأساسية، بل أثر أيضاً في النقاشات الدائرة حول الجندر والسياسة والأمن، وفي إعادة تعريف موقع الإنسان المعاصر داخل هذه التحولات.
من منظور البيانات العالمية الموثوقة، نقلت أهم التقارير والإحصاءات في العام الماضي رسالة متعددة الأوجه، أولاً سجلت إدارة هيئة الأمم المتحدة للمرأة في تقريرها أن حقوق المرأة قد ضعفت في ربع دول العالم، وهو اتجاه ترافق مع تراجع الديمقراطية وصعود القوى الجندرية الرجعية، هذا التراجع على الرغم من ثلاثة عقود من الجهود المبذولة بعد "مؤتمر بكين" من أجل المساواة بين الجنسين أظهر أن تقدم حقوق المرأة على المستوى الدولي ليس خطياً ولا مضموناً ويمكن أن ينهار في مواجهة الأزمات السياسية والاجتماعية.
من أبرز التحديات التي واجهناها خلال العام الماضي اتساع الفجوة بين القوانين المتعلقة بالمساواة بين الجنسين وتطبيقها الفعلي، فقد كشف تقرير للبنك الدولي، أن تطبيق هذه القوانين حتى في الدول التي لديها شكل من أشكال تشريعات المساواة بين الجنسين ضعيف للغاية، إذ لا تتجاوز نسبة النساء اللواتي يتمتعن بحقوق اقتصادية متساوية في العالم اليوم 5%، وقد أدت هذه الفجوة في التطبيق إلى خلق ما يشبه "التهديدات الضمنية" للسياسات المتعلقة بالمساواة بين الجنسين، والتي بدلاً من أن توفر الحرية تُعرّض النساء لشبكة من القيود القانونية والمؤسسية، قوانين تبدو ظاهرياً أنها تحمي المرأة لكنها لا تضمن حقوقاً حقيقية على أرض الواقع.
على الصعيدين النظري والفلسفي يمكن تفسير هذا الوضع في سياق النقاش الدائر حول عودة التيار المعادي للجندر، والذي أطلق عليه باحثون معاصرون اسم "ردة الفعل ضد المساواة بين الجنسين" وهي قوى لا تكتفي بدفع سياسات الجندر إلى الوراء بل تسعى أيضاً إلى ترسيخ مكانتها كـ"حماة للقيم التقليدية"، ومن منظور فيلسوفات نسويات راديكاليات مثل جوديث بتلر يمكن فهم هذه الردة على أنها محاولة لإعادة بناء الحدود المعيارية للجندر، والتي بالإضافة إلى الحقوق القانونية ترتبط بالنظام الاجتماعي والثقافي الأبوي واستعادة هيمنتها في مواجهة الحركات المطالبة بالمساواة.
فجوة متسعة بين القوانين والواقع
لقد تجلّت هذه الفجوة بين الحقوق المُشرّعة وضعف تطبيقها، وعودة القوى الجندرية الرجعية، بأشكالٍ مختلفة في الشرق الأوسط، ففي إيران أظهر المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان، أن وضع النساء والفتيات قد تدهور بعد قمع الاحتجاجات الشعبية وفرض قوانين صارمة بشأن "الحجاب والعفة"، إن حكومة الجمهورية الإسلامية التي يقول منتقدوها إنها تُرسّخ نوعاً من العنف البنيوي ضد أجساد النساء وحرياتهن لم تكتفِ بتقييد حقوق المرأة فحسب بل هددتها أيضاً، وإلى جانب هذا الواقع الوطني أظهرت تقارير مستقلة أيضاً أن انتهاكات حقوق الإنسان ضد النساء الكرديات من الاعتقالات والاستدعاءات إلى الإعدامات العلنية والمؤسسية، تُعدّ مثالاً على ترابط القمع الجندري والقمع الوطني الذي اشتدّ في العام الماضي، ففي كانون الثاني/يناير 2026 قُتلت ما لا يقل عن 20 امرأة على يد قوات الأمن في شرق كردستان وحدها.
تُظهر هذه البيانات أنه في العديد من الظواهر الاجتماعية للعنف ضد المرأة، لا توجد مشكلة جنسانية فحسب، بل توجد أيضاً بنية أمنية وقمعية للسلطة وهو أمر يجب فهمه، من منظور نسوي جذري ليس على أنه حوادث معزولة، بل كمراجعة منهجية لعدم المساواة بين الجنسين في نظام السلطة السياسية وبناء الدولة.
وعلى مستويات إقليمية أخرى لا تزال أفغانستان واحدة من أكثر المناطق حساسية فيما يتعلق بحقوق المرأة، ففي ظل حكم طالبان لا يزال هناك حظر واسع النطاق على تعليم المرأة وعملها ومشاركتها في الحياة العامة، وتشمل التدابير الأحدث قيوداً على حرية التعبير وحتى قانوناً بشأن التعذيب والعقاب البدني، والذي وفقاً للمفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، قد أسس فعلياً نظاماً قريباً من "الفصل العنصري بين الجنسين".
في غضون ذلك، أشادت هيئة الأمم المتحدة للمرأة بحكومة إقليم كردستان لجهودها في تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن، وهي خطوة تمثل رؤية جديدة للسياسة الجندرية، المشاركة الفعّالة والمنظمة للمرأة في عمليات السلام والأمن ليس فقط كحقوق فردية، بل كعناصر أساسية للأمن القومي والاجتماعي، هذا النهج رغم محدوديته وتحدياته، يُشير إلى "نسوية سياسية" لا تسعى فقط إلى تغيير القانون، بل إلى إعادة تعريف دور المرأة في هياكل الأمن وبناء السلام في المجتمع.
في العالم الغربي، شهدت مؤشرات مشاركة المرأة السياسية ارتفاعاً طفيفاً، فعلى سبيل المثال بلغت نسبة تمثيل المرأة في البرلمانات 27%، وهي نسبة قياسية في بعض الدول، إلا أنها تشير في الوقت نفسه إلى فجوة كبيرة مع المساواة الحقيقية، ويمكن فهم ذلك من منظور نقدي، إذ قد يُنظر إلى التقدم الرسمي في المؤسسات السياسية على أنه تقدم رمزي لكنه لا يزال غير قادر على تحقيق المساواة الملموسة في الواقع دون تغييرات هيكلية في الاقتصاد والثقافة ومؤسسات السلطة.
مقاومة النساء والحركات النسوية
وعلى مستوى الفلسفة النسوية الراديكالية، يشبه هذا الوضع مفارقة تاريخية تتعلق بالجندر، فمن جهة تشير المطالبات القانونية وتقارير المؤسسات الدولية بل وحتى بعض السياسات الحكومية إلى تقدم في مجال حقوق المرأة، ومن جهة أخرى، يُظهر عودة المؤسسات الرجعية والقمعية المتعلقة بالجندر أن النظام الأبوي لا يزال قادرًا على استعادة هيمنته وإعادة إنتاجها. ويمكن ملاحظة هذه المفارقة في أعمال مفكرات مثل جوديث بتلر، اللواتي يجادلن بأن الجندر والسلطة ليسا متأصلين في الهياكل القانونية فحسب، بل أيضاً في الذاكرة الاجتماعية الجماعية والتوقعات المعيارية للمجتمع، وأن هذا التأصل لا يمكن حله بإصلاحات سطحية أو قانونية فقط، بل يتطلب إعادة نظر جذرية في فهم آليات السلطة والهوية الجندرية.
في الوقت نفسه من المهم الإشارة إلى أن مقاومة النساء والحركات النسوية حول العالم خلال العام الماضي لم تكن أحادية البعد ولا غير فعّالة، فقد أظهرت تجارب النساء في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا والشرق الأوسط أن جبهات المقاومة القائمة على النوع الاجتماعي متنوعة، بدءاً من النضال ضد القوانين التمييزية وصولاً إلى محاولات دخول المؤسسات السياسية والاقتصادية وتشكيل شبكات دعم دولية، وتقف هذه المقاومة في مواجهة مباشرة مع القوى الجندرية الرجعية التي تمسك بالسلطة السياسية والثقافية في العديد من البلدان.
إذا أردنا النظر إلى هذا الوضع من منظور منظّرة نسوية راديكالية، فلا بدّ لنا من الإقرار بأنّ وضع المرأة خلال الاثني عشر شهراً الماضية ليس مجرّد مجموعة من بيانات حقوق الإنسان، بل هو مطالبة جماعية بإعادة تعريف العلاقات بين الجنسين في سياق موازين القوى العالمية، ففي إحدى أهمّ لحظات التاريخ المعاصر أثبتت النساء في جميع أنحاء العالم من خلال مشاركتهنّ السياسية ونضالاتهنّ الاجتماعية من أجل الحرية والأمن البيولوجي، أنّ حقوق المرأة لا يمكن تكريسها في القانون فحسب بل يجب إعادة النظر فيها بعمق في مؤسسات الحكم والاقتصاد والثقافة.
أخيراً يمكن فهم اليوم العالمي للمرأة لعام 2026، في خضم الصراعات الإقليمية، كرمزٍ لمقاومة المرأة المستمرة للمشاريع الجندرية العالمية والإقليمية الرجعية، حركة متواصلة تسعى لإثبات أن العدالة الجندرية ليست قضية ثانوية، بل شرط أساسي لأي نوع من السلام والأمن والتنمية المستدامة، قضيةٌ إن لم تُؤخذ على محمل الجد، ستُغرق العالم الذي يشهد تراجعاً في حقوق المرأة، في دوامة من الأزمات السياسية والاقتصادية المتفاقمة، بدلاً من تحقيق المساواة.