عام دراسي جديد في إيران وسط مخاوف أمنية وضغوط اقتصادية

مع عودة آلاف الطلاب الإيرانيين إلى مقاعد الدراسة، تأتي بداية العام الدراسي الجديد وسط مخاوف الحرب وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة تأمين مستلزمات التعليم، إلى جانب القلق بشأن أمن المدارس ومستقبل الأبناء.

جوان شريف زاده

بوكان ـ دق جرس المدارس في إيران، اليوم الأربعاء 23 أيلول/سبتمبر، معلناً بدء عام دراسي جديد لكن خلف مشهد الطلاب المتجهين إلى صفوفهم، تبدو صورة مختلفة؛ فالحرب وتداعياتها، إلى جانب الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار، ألقت بظلالها على عودة الطلاب إلى المدارس، وحوّلت اليوم الدراسي الأول بالنسبة إلى كثير من الأسر إلى مناسبة تختلط فيها الرغبة في استمرار التعليم بالقلق على سلامة الأبناء وقدرة العائلات على تحمّل تكاليف الدراسة.

لم تعد أوضاع التعليم في إيران إلى ما كانت عليه قبل جائحة كورونا والاحتجاجات الأخيرة كما زادت ظروف الحرب، ولا سيما التجربة الأخيرة، من مخاوف كثير من الآباء والأمهات بشأن إعادة فتح المدارس، في وقت جعل فيه التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة الحصول على تعليم مستقر أكثر صعوبة بالنسبة إلى شرائح واسعة من المجتمع.

 

 

قلق من إعادة فتح المدارس

في أحد أركان فناء المدرسة، تقف أمهات يراقبن صفوف الطلاب، فيما تتداخل مشاعر الفرح بعودة أبنائهن إلى الدراسة مع القلق بشأن سلامتهم. تقول إحدى الأمهات "ما زلت لا أعرف إن كنت أفعل الصواب بإرسال طفلي إلى المدرسة أم لا. فمن جهة، لا أريد أن يتأخر عن دراسته، ومن جهة أخرى، الظروف ليست مطمئنة على الإطلاق، ولا يزال احتمال اندلاع الحرب والهجمات قائماً. المدرسة ليست آمنة أيضاً، وليس واضحاً أصلاً ما هو المحتوى التعليمي الذي يقدم، أو ما الذي تقوم مجموعات مثل الباسيج بغرسه في أذهان هؤلاء الأطفال".

 وتروي أم أخرى تجربة عاشتها مع ابنتها خلال الهجمات العسكرية "في إحدى الأيام سمعنا خبر بدء الهجمات العسكرية فذهبنا لإحضار ابنتي. كان الازدحام شديداً إلى درجة أنني اضطررت إلى الركض من وسط المدينة حتى المدرسة. ما زال ذلك القلق عالقاً في داخلي حتى الآن".

ولا تقتصر المخاوف على الأمن، إذ تبرز أيضاً أسئلة تتعلق بجودة التعليم، ولا سيما مع استمرار الاعتماد على التعليم عن بعد في بعض الظروف. ففي السنوات الأخيرة، أصبح التعليم الإلكتروني، عبر منصات وبرامج مثل "شاد"، أحد أبرز البدائل للتعليم الحضوري في إيران. غير أن هذه التجربة لم تخلُ من مشكلات تتعلق بجودة المحتوى ووسائل تقديمه وضعف البنية التحتية للإنترنت.

وتقول نسرين. ج، وهي معلمة وأم لطالبين "في السنوات الأخيرة، حتى نقص الطاقة أدى إلى نقل التعليم إلى البيئة الإلكترونية، لكن الطالب لا يستطيع التفاعل مع المحتوى التعليمي، ويرجع جزء من ذلك إلى العجز عن تقديم المحتوى التعليمي والتخطيط لتدريسه، فضلاً عن جودة الإنترنت".

 

 

التضخم وغلاء الأسعار يثقلان كاهل الأسر

إلى جانب المخاوف الأمنية والتعليمية، تفرض تكاليف الدراسة نفسها تحدياً إضافياً على الأسر مع بداية العام الدراسي، فقد أدى ارتفاع تكاليف المعيشة إلى تغيير أولويات العائلات، من شراء المستلزمات المدرسية إلى اختيار المدرسة ووسيلة النقل.

وبالنسبة إلى بعض الأسر، أصبح الانتقال من المدارس الخاصة إلى المدارس الحكومية خياراً تفرضه الظروف الاقتصادية. وتقول شيدا. ك "في السنوات الماضية، كانت ابنتي تذهب إلى مدرسة خاصة، لكننا لم نعد قادرين هذا العام على تحمّل الرسوم، فسجلناها في مدرسة حكومية. كما أن ظروف الحرب زادت الأمر سوءاً. فعندما لا يكون واضحاً إلى أي مدى ستكون الدراسة حضورية، لا نعرف حقاً ما المبرر لدفع رسوم دراسية مرتفعة".

أما بالنسبة إلى الأسر الأكثر فقراً، فتبدو الخيارات أكثر محدودية. فقد أصبحت المقاعد الفارغة في بعض المدارس انعكاساً لصعوبة استمرار بعض الأطفال في التعليم، في وقت تضطر فيه عائلات إلى تقليص نفقاتها على المستلزمات المدرسية، من الحقائب والأحذية إلى الزي المدرسي وأدوات الرسم.

وتقول ليلى شريفي (اسم مستعار)، وهي مسؤولة عن جمعية خيرية في محافظة أورمية "الوضع أصعب من أي وقت مضى، إلى درجة أننا واجهنا حالات قام فيها أهل الطفل بتصغير زي مدرسي مستعمل ليتناسب مع حجمه. كما أن المتبرعين أصبحوا أقل قدرة من السنوات السابقة على تأمين مستلزمات الطلاب المحتاجين، وأصبح التسرب من الدراسة، ولا سيما بين المراهقين، أكثر انتشاراً".

 

 

التعليم في مواجهة الأزمات

ولا تقتصر تداعيات الحرب والأزمة الاقتصادية على انتظام الدراسة أو توفير المستلزمات المدرسية، بل تمتد إلى علاقة الأطفال بالمدرسة والمعلمين وأقرانهم. وترى فاطمة. ص، وهي مستشارة مدرسية، أن اضطراب العملية التعليمية يمكن أن يترك آثاراً تتجاوز التأخر الدراسي.

وأوضحت أن "ظروف الحرب وإغلاق المدارس لا تؤدي فقط إلى تأخر الطلاب عن دروسهم، بل تعطل أيضاً علاقتهم بالمدرسة والمعلم وأقرانهم. كما أن تجربة التعليم عن بُعد لم تتمكن، بالنسبة إلى كثير من الأطفال، من أن تحل محل التعليم الحضوري، بسبب ضعف الإنترنت وعدم امتلاك الأدوات المناسبة والتفاوت في إمكانات الأسر. ويكون هذا الضرر أكبر بالنسبة إلى أطفال المناطق المحرومة وذوي الدخل المحدود والطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الحالية. وفوق كل ذلك، فإن أمن الطلاب هو القضية الأهم المطروحة".

وترى أن الأطفال من أكثر الفئات تأثراً بالحرب والعقوبات وانعدام الأمن، وتؤكد أهمية معالجة هذه الظروف بما يضمن لهم بيئة آمنة ومستقرة للتعليم.

ومع عودة آلاف الطلاب إلى المدارس، يختلف المشهد من أسرة إلى أخرى؛ فهناك من يستقبل العام الدراسي بحماس، ومن يدخل الصفوف حاملاً مخاوفه، فيما يغيب آخرون عن مقاعد الدراسة بسبب الفقر وصعوبة تأمين تكاليف التعليم. وبينما يُقرع جرس البداية في المدارس الإيرانية، يبقى مستقبل التعليم وأمن الطلاب وقدرة الأسر على مواصلة تعليم أبنائها من أبرز الأسئلة التي تفرض نفسها مع بداية عام دراسي جديد.