"اليقظة ضرورية" المنصة الديمقراطية للنساء تحذّر من إعادة إنتاج النظام الاستبدادي

حذّرت المنصة الديمقراطية العابرة للحدود للنساء من انعكاسات الهجمات على روج آفا، وما تحمله من انعكاسات على الأوضاع في إيران ومستقبل الحركات الاجتماعية، مؤكدةً ضرورة اليقظة والتضامن لمواجهة إعادة إنتاج النظام الاستبدادي والأمني في الشرق الأوسط.

مركز الأخبار ـ لم تَعُدِ الاحتجاجاتُ في إيران شأناً داخلياً محضاً يمكن فصله عن مُحيطه الجغرافي والسياسي، بل تحولت، بحكم موقع إيران وثقلها الديمغرافي والعسكري والايدلوجي إلى عامل إقليمي بالغ التأثير، وكلُّ اهتزازٍ داخلي في بُنية الدولة الإيرانية ينعكس بدرجاتٍ متفاوتة على توازنات الشرق الأوسط.

أصدرت المنصة الديمقراطية العابرة للحدود للنساء اليوم الثلاثاء الثالث من شباط/فبراير، بياناً جاء فيه "يقف الشرق الأوسط مجدداً على أعتاب إعادة تشكيل تاريخية، إعادة تشكيل لا تُصاغ بإرادة الأمم، بل في أروقة السلطة المغلقة، استناداً إلى اتفاقيات أمنية، وهندسة عدم الاستقرار، وإعادة إنتاج النظام القديم، ما يحدث اليوم في سوريا وروج آفا، وإيران، والعراق، وفلسطين، ما هو إلا حلقات مترابطة لعملية واحدة، احتواء الحركات الشعبية وإضعاف المشاريع البديلة واستبدال السياسات التحررية بالمساومة بين الحكومات وتكتلات القوى".

ولفت البيان إلى أن التجربة التاريخية للمنطقة من الانقسامات التي أعقبت الحربين العالميتين واتفاقية سايكس بيكو، وحتى يومنا هذا أظهرت مراراً وتكراراً أنه كلما اعتمدت الأمم على قوتها الذاتية، تم تهميشها بوعود أو تهديدات أو خيانات من القوى العظمى، ولم تكن روج آفا استثناءً فقد كان الهجوم عليها في ذكرى تحرير كوباني، في لحظة رمزية للغاية رسالة واضحة أن أي مشروع من شأنه أن يجعل التعايش بين الأمم، والمساواة بين الجنسين، والحكم الذاتي الشعبي واقعاً ملموساً، يُشكّل خطراً على النظام المهيمن.

وأكد البيان أنه لا يمكن وصف الاتفاق الأخير بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية المؤقتة بأنه مجرد "تراجع" أو "انتصار دبلوماسي"، إنه نتاج اختلال موازين القوى وسلام فُرض بالقوة، سلام هش في ظل وضع لا تعتبر فيه عشرات الجماعات التابعة للإخوان المسلمين وداعش، تحت إشراف ودعم تركيا المباشرين، نفسها ملزمة بأي نظام قانوني، وقد أثبتت التجارب السابقة أن مثل هذه الاتفاقات في غياب ضمانات من الشعب ودعم دولي حقيقي لا تُحقق الاستقرار، بل تُكسب وقتاً أكثر مما تُحققه وغالباً ما يُستخدم الوقت ضد الشعب.

وأوضح البيان أنه لا يمكن إنكار الدور التخريبي للحكومات الرجعية في المنطقة في هذه العملية، فالسعودية والإمارات وقطر وغيرها من الحكومات العربية المحافظة لم تكتفِ بالمساهمة في إعادة إنتاج الأصولية خلال العقود الماضية عبر ضخ الأموال والأيديولوجيا والإعلام، بل إنها اليوم من خلال مشاركتها في مشاريع "الاستقرار من أعلى" تُساهم عملياً في إضعاف أي سبيل للمصالحة بين الأمم، وفي الوقت نفسه تحاول تركيا، بقيادة جماعة الإخوان المسلمين باستخدام الجيش والجماعات الوكيلة والدعاية الإعلامية المكثفة، إعادة إحياء الانقسامات العرقية والدينية، وهي الأداة نفسها التي سعى النظام الكونفدرالي الديمقراطي إلى تحييدها لسنوات.

وأضاف بيان المنصة أنه في مقابل هذا التوجه مثّلت رسالة السلام التي أطلقها عبد الله أوجلان في شباط/فبراير 2025، والتي شددت على المصالحة بين الأمم والتعايش السلمي والمشاركة المتساوية للجميع في المستقبل السياسي، محاولةً واعيةً لكسر منطق الحرب الدائمة، وليس من قبيل المصادفة أن بدأت هجمات جديدة على حلب ثم روج آفا عقب هذه الرسالة مباشرةً، يُظهر هذا التزامن أن الهدف ليس مجرد تحييد منطقة، بل تحييد أفق فكري وسياسي أيضاً.

وأكدت المنصة الديمقراطية بحسب بيانها إلى أن انتفاضة "Jin Jiyan Azadî" أظهرت أن المجتمع الإيراني يمتلك القدرة على التوافق الواسع وتجاوز الخوف، إلا أن القمع الدموي وغياب التنظيم المستدام، وانعدام أفق إيجابي واضح، كلها عوامل سمحت للنظام والنظام الرأسمالي بجرّ الاحتجاجات إلى التآكل واليأس، واليوم كما هو الحال في سوريا، حيث اختُزلت السياسة إلى اتفاقيات مفروضة من أعلى، أصبح مصير الشعب في إيران أيضاً مهمشاً في المفاوضات الإقليمية والدولية.

وشدد البيان على ضرورة توضيح دور القوى العالمية بشكلٍ صريح فقد ساهمت أمريكا وأوروبا بتفضيلهما "إدارة الأزمات" بدلاً من معالجة الأسباب الجذرية، في إضعاف المشاريع الشعبية من خلال الصمت أو التواطؤ العملي، لقد تحولت الحروب كما كشفت عنها فضائح جوليان أسانج، إلى حروب استنزاف لا منتصر فيها، حروب تذهب أرباحها إلى الصناعات العسكرية والنظام الرأسمالي، بينما تتحمل الدول تكاليفها "نؤمن بأن مستقبل الشرق الأوسط لن يُبنى عبر حكومات استبدادية أو قوى أصولية أو اتفاقيات سرية، البديل الوحيد الذي أثبت جدواه عملياً، وإن كان محدوداً ومكلفاً هو القوة الشعبية المنظمة والتعايش السلمي بين الأمم والمقاومة الواعية، وهو ما شهده روج آفا، وظهر بشكل غير مكتمل في إيران، مع انتفاضة "Jin Jiyan Azadî".

وأكد البيان أنه على الجميع أن يعلم أن إضعاف روج آفا يعني إضعاف الأمل في إيران، وأن إخماد جذوة المصالحة بين الأمم يمهد الطريق لحروب جديدة، وأن استبدال السياسة الشعبية بمساومات القوة لا يؤدي إلا إلى تكرار الأزمة، في مواجهة هذا التوجه فإن الدعم الواعي والنقدي والفعال للحركات الشعبية ليس خياراً أخلاقياً، بل ضرورة تاريخية "نحذر من أنه إذا تم التخلي عن هذه المشاريع البديلة اليوم، فلن يكون هناك غداً أي ركيزة للمقاومة ضد النظام الوحشي للرأسمالية والاستبداد الإقليمي، ولكن إذا تم تعزيز الروابط بين الحركات الشعبية، من روج آفا إلى إيران وما وراءها، فإنه لا يزال من الممكن أن ينفتح أفق أكثر إنسانية وعدلاً من هذا الوضع الخطير.

ودعت المنصة الديمقراطية العابرة للحدود للنساء في ختام بيانها إلى اليقظة والتضامن والمسؤولية التاريخية قبل أن يُقرر مصير الأمم مرة أخرى خلف الأبواب المغلقة.