آليات تهرّب أصحاب العمل من دفع عيدية العمال

لم تعد عيدية العمال مجرد مسألة قانونية متكررة أو مجردة، بل تحولت إلى عقدة أساسية عند تقاطع أزمات الاقتصاد الكلي في إيران مع الواقع الملموس لأكبر شريحة اجتماعية، وهي العمال.

برشنك دولتیاري

مركز الأخبار ـ على أعتاب بدء شهر آذار/مارس، لم تعد مسألة مكافأة نهاية السنة (العيدية) للعمّال مجرّد موضوع قانوني متكرر أو نظري، بل تحوّلت إلى نقطة محورية عند تقاطع أزمات الاقتصاد الكلي في إيران، وانعكاس مباشر على الوضع الملموس لأكبر طبقة في المجتمع، أي طبقة العمّال.

أصبحت مستحقات عيد الأضحى للعمال محوراً رئيسياً في أزمة الركود التضخمي. فمع اتساع الفجوة بين الأجور ومستوى المعيشة، يتجنب بعض أصحاب العمل دفع هذا الحق القانوني من خلال عقود عمل مؤقتة وتأمين غير مكتمل، ما يُعد مؤشراً على أزمة هيكلية في سوق العمل.

خلال العقد الأخير، تحرك الاقتصاد الإيراني ضمن نمط مزمن من "الركود التضخمي"؛ أي تضخم مرتفع إلى جانب نمو اقتصادي منخفض أو متذبذب، وتراجع في الاستثمار المنتج، وتآكل قيمة العملة الوطنية، وانخفاض مستمر في القدرة الشرائية لأصحاب الأجور.

وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء والبنك المركزي بين أعوام (2023 ـ 2025)، تراوح معدل التضخم السنوي بين نحو 40 و50 في المئة، فيما تجاوز تضخم المواد الغذائية والسكن في كثير من الأشهر المتوسط العام. في ظل هذه الظروف ورغم ارتفاع الأجور الأسمية للعمال في المجلس الأعلى للعمل إلا أن نموها ظل دائماً أقل من معدل التضخم الذي يؤثر على مستوى المعيشة.

وقد اتسعت الفجوة بين "الحد الأدنى للأجور المعتمد" و"الكلفة الحقيقية لسلة المعيشة" وهي فجوة أقر بها حتى ممثلو العمال في جلسات تحديد الأجور، لتصل في عام 2025 إلى عدة ملايين من التومانات شهرياً، وهذا يعني أن العامل الذي يتقاضى الحد الأدنى للأجر، حتى لو أنفق كامل دخله على الضروريات، سيواجه عجزاً في نهاية كل شهر.

في هذا السياق، لم تعد العيدية السنوية التي ينص القانون على أن تعادل أجر 60 إلى 90 يوماً ميزة إضافية، بل أصبحت جزءاً من تعويض التأخر في الأجور وفرصة التنفس المالي الوحيدة لكثير من الأسر العمالية.

 

إلى جانب أزمة المعيشة، تفاقمت مسألة انعدام الاستقرار الوظيفي بصورة بنيوية، ووفق تصريحات رسمية وتقارير إعلامية، فإن أكثر من 90 في المئة من عقود العمل في إيران مؤقتة أو قصيرة الأجل أو تفتقر إلى الأمن الوظيفي، وهذا لا يقتصر على قطاع محدد، بل يشمل الصناعة والتعدين، والخدمات، والتعليم الخاص، والصحة الخاصة، والنقل، والمتاجر الكبرى، والورش الصغيرة، وشركات المقاولات النفطية والغازية، وحتى بعض أقسام الصناعات الكبرى. في مثل هذا السوق، يظل العامل مهدداً بعدم تجديد عقده، مما يحدّ بشدة من قدرته على المطالبة بحقوقه.

وهذا السياق الاقتصادي والمؤسسي العام يشكل الأرضية لفهم الآليات التي يلجأ إليها بعض أصحاب العمل للتهرب من دفع العيدية، فالمسألة ليست مجرد مخالفات فردية، بل انعكاس لترتيب بنيوي في علاقات العمل.

 

الإطار القانوني للعيدية والفجوة بين النص والتطبيق

ينص قانون تحديد عيدية ومكافأة العمال المشمولين بقانون العمل على التزام صاحب العمل بدفع مبلغ يعادل حداً أدنى أجر شهرين وحداً أقصى أجر ثلاثة أشهر عن سنة عمل كاملة، ضمن سقف محدد، وبحسب قانون عام 2025، ووفق الحد الأدنى المعتمد للأجور، يتجاوز الحد الأدنى للعيدية أربعة عشر مليون تومان، فيما يتجاوز الحد الأقصى عشرين مليون تومان. أما من عملوا أقل من سنة، فيجب احتساب العيدية بنسبة مدة العمل.

وعلى مستوى النص القانوني لا توجد إشكالات كبيرة، لكن المشكلة تكمن في التنفيذ وآليات الالتفاف عليه، فالفجوة بين "القانون المقرّ" و"التطبيق الفعلي" تمثل فجوة بنيوية في مجال علاقات العمل، إذ تواجه الجهات المسؤولة عن الرقابة مثل وزارة التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي وإدارات العمل في المحافظات، أعداداً كبيرة من الملفات، ونقصاً في الكوادر، ومشكلات في الأنظمة الإلكترونية، وقد أُبلغ في أواخر 2025 عن أعطال في نظام علاقات العمل الشامل وصعوبات في الوصول إلى ملفات التأمين ضد البطالة والشكاوى العمالية، مما أثار مخاوف بشأن متابعة الحقوق قانونياً.

إلى جانب ضعف أو غياب النقابات المستقلة وتقييد قوة التفاوض الجماعي، تتهيأ بيئة يستطيع فيها بعض أصحاب العمل التهرب من التزاماتهم بتكلفة اجتماعية وقانونية منخفضة نسبياً.

 

الآليات الشائعة للتهرب من دفع العيدية

تتمثل الآلية الأولى وربما الأهم في الانتشار الواسع للعقود المؤقتة قصيرة الأجل إذ تُبرم في كثير من المؤسسات عقود شهرية أو فصلية، ويعتمد تجديدها كلياً على إرادة صاحب العمل، وقبيل نهاية العام، يمتنع بعضهم عن تجديد العقود بذريعة انخفاض الطلب أو انتهاء المشروع، ورغم أن القانون يقر باستحقاق العيدية بنسبة مدة العمل حتى لمن لم يكمل سنة، فإن إنهاء علاقة العمل وعدم تسجيل المدة بدقة يضع العامل أمام خيار الشكوى، وهو خيار مكلف وطويل ومحفوف بخطر فقدان العمل.

الآلية الثانية هي استخدام عقود موقّعة على بياض حيث يوقّع العامل مستنداً غير مكتمل البنود أو قابلاً للتعديل لاحقاً، مما يصعّب إثبات الأجر الفعلي ومدة العمل. ويكثر ذلك في الورش الصغيرة وقطاعات الخدمات والبناء والإعلام وغيرها.

الآلية الثالثة عدم التأمين أو التأمين الناقص إذ يؤمّن بعض أصحاب العمل جزءاً من الأجر فقط أو لا يؤمّنون العامل إطلاقاً، فتُسجّل مدة العمل رسمياً بأقل من الواقع، ما يتيح الادعاء بأن العامل لم يمكث طويلاً. ويبرز هذا في قطاعات المقاولات، وشركات توفير القوى العاملة، والبناء، وحتى بعض المنشآت الكبرى عبر متعهدين وسيطين.

 

 

وهناك آلية دمج العيدية ضمن "تسوية" غير مفصلة فعند إنهاء العقد يُدفع مبلغ إجمالي دون تفصيل مكوناته (أجور متأخرة، مكافأة نهاية خدمة، عيدية)، ما يعيق معرفة ما تم استلامه فعلياً ويصعّب المطالبة لاحقاً.

والجدير بالذكر أن هذه الآليات لا تقتصر على قطاع محدد. ففي الصناعة، وخاصة الصناعات الصغيرة والمتوسطة، والخدمات البلدية، وسلاسل المتاجر ومراكز التسوق، وشركات التكنولوجيا الخاصة والشركات الناشئة، والمدارس المستقلة، والمراكز الصحية الخاصة، وشركات النقل عبر الإنترنت، وحتى في بعض المؤسسات العامة غير الحكومية، تُلاحظ أنماط مماثلة من زعزعة استقرار علاقة العمل وتخفيض الالتزامات، ويكمن الاختلاف في الشكل والنطاق فقط، وليس في المنطق العام.

 

نقل المخاطر من رأس المال إلى العامل

ما يحدث في مسألة العيدية جزء من عملية أوسع لنقل المخاطر من صاحب العمل إلى العامل. ففي ظل تقلبات الاقتصاد وارتفاع سعر الصرف وصعوبات التمويل، تلجأ المؤسسات إلى مرونة مفرطة في إدارة العمالة لتقليل المخاطر، عبر العقود القصيرة وإمكانية التسريح السريع، وفي هذا الإطار تصبح العيدية "كلفة قابلة للإلغاء" في الحسابات الضيقة للمؤسسة، حتى لو أدى ذلك إلى تعميق الفقر وعدم المساواة اجتماعياً.

كما يلعب ضعف التمثيل النقابي دوراً محورياً؛ إذ يواجه العامل منفرداً صاحب العمل في موقع غير متكافئ، ويحدّ الخوف من البطالة من اللجوء إلى الشكوى.

في العديد من البلدان، تُثني النقابات القوية وأنظمة المفاوضة الجماعية عن مثل هذا السلوك، نظراً للتكاليف الاجتماعية والقانونية الباهظة التي يتكبدها صاحب العمل جراء المخالفات، أما في إيران، فقد أدت محدودية استقلالية المنظمات وتشتت القوى العاملة، لا سيما في ورش العمل الصغيرة والتعاقدية، إلى مواجهة كل عامل لصاحب العمل بمفرده وفي وضع غير متكافئ.

 

الآثار الاجتماعية والإنسانية

إن عدم دفع العيدية أو دفعها ناقصة لا يعني خسارة مبلغ مالي فحسب، بل يفاقم الضغط الاقتصادي والنفسي على أسر تعتمد عليها لتغطية نفقات نهاية العام أو سداد الديون أو الإيجار أو العلاج. كما يؤدي إلى تعزيز الشعور بالظلم والعجز.

وعلى المستوى الكلي، فإن انخفاض الدخل المتاح للعمال في نهاية العام يحدّ من الطلب الفعلي في الاقتصاد، إذ تسهم العيدية عادة في تنشيط الاستهلاك المحلي. وبالتالي فإن تقليصها ينعكس سلباً حتى من منظور الكفاءة الاقتصادية.

في المحصلة، فإن تهرّب بعض أصحاب العمل من دفع العيدية ليس ظاهرة عرضية أو أخلاقية فحسب، بل نتاج اقتصاد غير مستقر، وسوق عمل غير آمن، ونظام رقابي ضعيف. ما لم تُصلح بنية العقود، وتُعزز شفافية التأمين، وتُفعّل آليات الشكاوى، ويُقوَّ تمثيل العمال، فإن المشهد سيتكرر كل عام مع اقتراب نهاية السنة: عمال ينتظرون حقاً قانونياً، وأصحاب عمل يجدون سبل الالتفاف عليه في ظل هشاشة بنيوية مستمرة.