التعليم في إيران بين الحرب والعسكرة والقمع
لم تعد المدارس في إيران مجرد مكان للتعليم؛ ففي خضم الحرب، وبين الدمار والهجمات العسكرية من جهة، وحضور القوات الأمنية والعسكرية وقمع الطلاب من جهة أخرى، تحولت البيئة التعليمية إلى واحدة من أكثر الأماكن عرضة للخطر بالنسبة للأطفال.
مركز الأخبار ـ حل التاسع من أيلول/سبتمبر، وهو اليوم العالمي لحماية التعليم من الهجمات، في ظل تصاعد المخاطر التي تهدد المدارس والطلاب في مناطق النزاع.
أقرت الأمم المتحدة هذا اليوم للتأكيد على أن التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان، وأن المدارس يجب أن تظل أماكن آمنة للأطفال والمعلمين والعاملين في القطاع التعليمي، حتى في أوقات الحرب والأزمات.
غير أن واقع العديد من المناطق المتضررة من النزاعات يشير إلى تراجع هذا المبدأ، إذ أصبحت المدارس عرضة للهجمات والدمار والاحتلال أو الاستخدام العسكري والأمني. ووفق تقرير عام 2026 الصادر عن "الائتلاف العالمي لحماية التعليم من الهجمات"، سُجل ما لا يقل عن 8566 هجوماً استهدف التعليم خلال عامي 2024 و2025، أسفرت عن إصابة أكثر من 10600 طالب ومعلم وموظف تعليمي، إلى جانب توثيق أكثر من 1912 حالة استخدام عسكري للمدارس والجامعات، وهو ما يمثل قرابة ضعف العدد المسجل في الفترة السابقة.
وفي إيران، انعكست الحرب الدائرة بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة بصورة مباشرة على البيئة التعليمية. فبحسب أحدث تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تضرر ما لا يقل عن 1507 مركز تعليمي، بينها 1288 مدرسة، في مختلف أنحاء البلاد منذ بدء الحرب وحتى 22 تموز/يوليو 2026.
وتأتي هذه الأرقام في وقت تستعد فيه إيران لاستقبال العام الدراسي الجديد، مع عودة ملايين الطلاب إلى مقاعد الدراسة، فيما لا تزال أسر كثيرة تواجه تبعات الحرب، من دمار المدارس واضطراب المسارات المؤدية إليها إلى المخاوف من تجدد الهجمات. ويضع ذلك حق الأطفال في التعليم أمام تحديات تتجاوز الوصول إلى الصفوف الدراسية، لتشمل سلامتهم الجسدية والنفسية وقدرتهم على التعلم في بيئة آمنة ومستقرة.
مدرسة "شجرة طيبة"
كان الهجوم الذي استهدف مدرسة "شجرة طيبة" الابتدائية في ميناب في 28 شباط/فبراير من أكثر الهجمات دموية على منشأة تعليمية خلال الحرب الحالية. ووفقاً لأحدث تقرير لوكالة أسوشيتد برس، قُتل ما لا يقل عن 168 شخصاً، معظمهم من الأطفال، بينهم 120 طالباً و26 معلماً وموظفاً في المدرسة. كما خلص تحقيق للوكالة إلى أن صاروخاً واحداً على الأقل أصاب مبنى المدرسة. ولم تُحسم حتى الآن المسؤولية الرسمية عن الهجوم، فيما لم تعلن الحكومة الأمريكية تحملها المسؤولية المباشرة عنه.
وتكتسب الحادثة أهمية خاصة بسبب موقع المدرسة، التي كانت تقع بمحاذاة مجمع مرتبط بالقوات البحرية التابعة للحرس الثوري، وتشير الأدلة إلى أن ذخائر أصابت أيضاً مباني المجمع العسكري. لكن وجود منشأة عسكرية بالقرب من المدرسة لا يجعل المدرسة هدفاً عسكرياً تلقائياً، وهو ما أكدته التحقيقات المستقلة.
ومن منظور القانون الدولي الإنساني، يبقى على الطرف المهاجم الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين، حتى عند وجود هدف عسكري بالقرب من منشأة تعليمية. لذلك، ينبغي ألا يقتصر التحقيق في هجوم ميناب على تبادل الروايات السياسية، بل أن يركز أيضاً على حق الأطفال في الحياة والأمان، وعلى مدى التزام أطراف النزاع بالقانون الدولي الإنساني.
عندما تتحول المدرسة إلى فضاء عسكري وأمني
ولا تقتصر حماية التعليم على منع الهجمات على المدارس، بل تشمل أيضاً منع استخدامها لأغراض عسكرية أو أمنية. وتؤكد المعايير الدولية أن المدارس العاملة ينبغي ألا تتحول إلى مواقع لتمركز القوات أو تخزين الأسلحة أو تنفيذ العمليات العسكرية.
كما يدعو "إعلان المدارس الآمنة" أطراف النزاعات إلى تجنب الاستخدام العسكري للمدارس قدر الإمكان، وقصره، في الحالات الاستثنائية التي يتعذر فيها تجنبه، على الضرورة القصوى ولأقصر مدة ممكنة.
وفي إيران، يعود الحضور المنظم لـ "باسيج الطلاب" داخل المدارس إلى سنوات طويلة، إلى جانب إدراج تدريبات تعرف بـ "الاستعداد الدفاعي" ضمن بعض البرامج التعليمية والأنشطة الطلابية. وقد تحدثت وسائل الإعلام الرسمية في مناسبات مختلفة عن تنظيم معسكرات وتدريبات دفاعية وممارسة الرماية للطلاب، بما في ذلك التدريب على استخدام الأسلحة.
ومع ذلك، يجب التمييز بين هذه الأنشطة ومفهوم "الطفل الجندي". فعضوية الطالب في الباسيج أو مشاركته في تدريب عسكري لا تجعله تلقائياً طفلاً جندياً. لكن عندما يُزج بالأطفال في مهام عسكرية فعلية، مثل الحراسة أو الدوريات أو العمليات المسلحة، فإن الأمر يتجاوز التدريب الدفاعي أو الأيديولوجي إلى مشاركة عسكرية مباشرة.
وقد شهد هذا الحد الفاصل تحولاً مقلقاً خلال الحرب الحالية في إيران. ففي آذار/مارس 2026، نشر الحرس الثوري دعوة لتجنيد متطوعين تحت عنوان "مدافعو الوطن"، وحدد 12 عاماً حداً أدنى للسن. ووفقاً لمنظمة العفو الدولية، دعا أحد قادة الحرس الثوري الفئة الشابة إلى التسجيل للمشاركة في أنشطة مرتبطة بالدفاع عن البلاد، فيما أظهرت صور وشهادات جرى التحقق منها وجود أطفال في نقاط تفتيش ودوريات تابعة للحرس الثوري، وفي بعض الحالات وهم يحملون أسلحة. كما وثقت هيومن رايتس ووتش محاولات لتجنيد أطفال في سن 12 عاماً وما فوق، واعتبرت ذلك انتهاكاً خطيراً لحقوق الأطفال.
وفي ظل ذلك، يصعب الفصل بين المدرسة باعتبارها فضاءً للتعليم وبين بنية تدفع الأطفال نحو أنشطة ذات طابع عسكري. كما ظهرت خلال أشهر الحرب تقارير محلية عن تمركز قوات أو معدات عسكرية في بعض المدارس، ولا سيما في مناطق مثل سيستان وبلوشستان، بدعوى الحماية من الهجمات.
ولم يتسن التحقق مستقلاً من جميع هذه التقارير، ولا تكفي لإثبات تحول المدارس في إيران بصورة منهجية إلى قواعد عسكرية. لكن وقوع مثل هذه الحالات، ولو بشكل محدود، يثير مخاوف جدية، إذ إن وجود قوات ومعدات عسكرية داخل المدارس قد يجعلها أكثر عرضة للهجمات ويقوض أمن البيئة التعليمية وحيادها.
المدرسة أحد ميادين القمع
لا تقتصر التهديدات التي تواجه التعليم في إيران على الحرب والنشاط العسكري، إذ تحولت المدارس خلال السنوات الأخيرة أيضاً إلى ساحة للمواجهة الأمنية مع الطلاب.
وخلال انتفاضة "Jin Jiyan Azadî" عام 2022، شارك طلاب وفتيات مراهقات في الاحتجاجات في مدن عدة، وشهدت المدارس هتافات احتجاجية ورفضاً للحجاب الإلزامي وانتقادات للسياسات التعليمية والسياسية. وفي المقابل، تحدثت منظمات حقوقية عن دخول قوات أمنية إلى مدارس واعتقال طلاب وضربهم وممارسة الضغوط عليهم، فيما وثقت هيومن رايتس ووتش حالات متعددة من القمع الأمني للطلاب.
ويكشف ذلك أن أمن المدرسة لا يتعلق بحماية مبناها فحسب، بل يتطلب أيضاً توفير بيئة يستطيع فيها الطلاب التعبير عن آرائهم والمشاركة السلمية دون خوف أو تهديد.
وتعرضت الطالبات لاحقاً لخطر آخر، مع بدء موجة من حالات التسمم المبلغ عنها في مدارس الفتيات منذ أواخر عام 2022. فقد عانت آلاف الطالبات في مئات المدارس أعراضاً، بينها ضيق التنفس والغثيان والدوار والسعال وتهيج العينين والحلق، ونقلت بعضهن إلى المستشفيات.
وفي آذار/مارس 2023، قال خبراء أمميون إن هجمات كيميائية أُبلغ عنها في مدارس فتيات بـ 20 محافظة، وطالت ما لا يقل عن 91 مدرسة، مطالبين بتحقيق مستقل وحماية فورية للطالبات. كما أفادت منظمة العفو الدولية بإصابة أو نقل آلاف الطالبات إلى المستشفيات منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2022، وانتقدت تقصير السلطات في التحقيق ووضع حد لهذه الحوادث.
ورغم وصف العفو الدولية هذه الوقائع بأنها هجمات كيميائية متعمدة، لم تُحدد بصورة مستقلة ونهائية الجهة المسؤولة عنها أو طبيعة المواد المستخدمة في جميع الحالات. كما دعت اليونسكو إلى إجراء تحقيقات كاملة. وبغض النظر عن الجهة المسؤولة، فقد تركت هذه الحوادث أثراً واسعاً على صحة الطالبات وشعورهن بالأمان وحقهن في التعليم.