'التعليم السوري يغلق حقبة العلم ويفتح عهداً من التطرف'

تشير القراءات والتحليلات المتداولة في الأوساط التربوية والحقوقية السورية، إلى أن التعديلات الأخيرة في مناهج التاريخ، والجغرافيا، والتربية الدينية في البلاد تمثل تحولاً فكرياً نحو تعزيز الفكر الراديكالي والأحادية الثقافية على حساب الانفتاح العلمي والتنوع.

سوركل شيخو

قامشلو ـ يتجاوز بيان وزارة التربية السورية بشأن توحيد المناهج الإجراءات الإدارية، ليُشكل تحولاً فكرياً يثير مخاوف تربوية عميقة، فبدلاً من تقديم مناهج عصرية تواكب القرن الحادي والعشرين وترتكز على التفكير النقدي والتكنولوجيا، جاءت التعديلات البصرية والمصطلحات الجديدة لتعكس توجهاً إقصائياً يكرس الفكر المتزمت والوعي الأبوي في عقول الأجيال الناشئة.

تجلت هذه التغييرات الجذرية في مناهج المرحلة الابتدائية عبر شطب صور التماثيل والنصب التاريخية والمعالم العالمية، إلى جانب تغييب متعمد وممنهج للحضور الأنثوي؛ إذ فرض الحجاب والجلباب على صور النساء والفتيات بما في ذلك الكوادر الطبية كالعاملات في مجال الطب، فضلاً عن استبدال صور الإناث بصور الذكور، وإظهار الفتيات الباقيات في الكتب بالحجاب والفتيان بالجلابيب الطويلة. ويرى منتقدون أن هذا التحول يتجاوز مسألة المظهر واللباس ليصبح محاولة لتقويض المرتكزات العلمية وحصر المجتمع في قوالب فكرية ضيقة تحت غطاء ديني وشريعي.

هذه المناهج المعدلة تحمل في طياتها تداعيات نفسية وتربوية بعيدة المدى، وتؤثر سلباً على النمو المعرفي والنفسي للطلاب والطالبات على حد سواء. ولتسليط الضوء على الأبعاد التربوية، النفسية، والأسرية لهذه القضية، التقت وكالتنا بكل من معلمة اللغة الكردية روجين موسى، والأخصائية النفسية بتول عويرة، وسميرة الحسن وهي أم لطلاب في المرحلة الابتدائية، لاستطلاع آرائهن حول هذه الاستراتيجية التعليمية المستجدة.

 

"منهاج عام 2011 يختلف تماماً عن مناهج عام 2026"

انتقدت المعلمة روجين موسى التغييرات المنهجية لعام (2025-2026)، واصفة إياها بأنها جاءت في توقيت غير مناسب وتفرض عقلية أحادية وسلطوية. وحذرت من أن إزالة صور الفتيات أو فرض الحجاب والجلباب يعد اضطهاداً للشعوب المتعايشة، مؤكدة أن تعددية سوريا الثقافية والدينية واللغوية هي مصدر ثرائها وجمالها.

 

 

وأوضحت أن فرض عقلية الدين الواحد يقمع عقول الأطفال التي تشبه حواسب فارغة تستوعب ما يملى عليها، محذرة من أن هذه المناهج المظلمة تؤثر سلباً على غالبية الطلاب وتعمل على تذويب العقول المفترض أن تقود المستقبل، بدلاً من تعليمهم العلوم والتكنولوجيا لضمان غدٍ مشرق يتناسب مع تفاصيل الحياة الواقعية.

وفي الختام، وجهت روجين موسى نداءً إلى منظمة اليونيسف، وأوضحت السبب وراء ذلك "نطالب منظمات حقوق الإنسان وحقوق الطفل، إلى جانب العالم أجمع، بألا يقتصر دعمهم لنا على الكلمات فقط، بل أن يدعمونا عبر الخطوات العملية والفعالة أيضاً".

 

"المناهج وضعت المرأة في إطار وصورة محددة"

وأوضحت الأخصائية النفسية بتول عويرة وجهة نظر علم النفس التربوي بقولها "من منظور علم النفس التربوي، لا تقتصر المناهج على تزويد الطفل بالمعلومات والمعرفة فحسب، بل تسهم بشكل رئيسي في تشكيل وعي الطفل وإدراكه لنفسه وللآخرين وللمجتمع من حوله. وهذا يعني أن الطفل يتأثر بهذا التغيير؛ فعندما يرى شخصيات معينة تظهر في المناهج بشكل محدود ونمطي، قد يتشكل لديه منظور ضيق ومقيد حول دور المرأة ومكانتها".

 

 

وأكدت أن الأسرة هي البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل قيم المساواة، المسؤولية، التعاون، وقبول الاختلاف، مشيرة إلى مسؤولية الوالدين "نحن كآباء وأمهات يمكننا غرس هذه القيم ليس فقط من خلال التوجيه اللفظي، بل عبر سلوكياتنا وتصرفاتنا أمام أطفالنا. فنحن نعلم أن الأطفال يكتسبون هذه القيم عن طريق التقليد، والملاحظة، وهذا يضع مسؤولية كبيرة على عاتق الوالدين ليكونوا على دراية تامة بكل فعل وتصرف يصدر منهم أمام أطفالهم، وذلك من خلال توزيع الأدوار داخل الأسرة بين الذكور والإناث دون تمييز قائم على الجنس".

 

مراعاة التناقضات والتساؤلات لدى الأطفال

ونوهت إلى نقطة جوهرية قد تبرز في الفترات القادمة "من الأهمية بمكان مراعاة التناقضات والتساؤلات التي قد تطرأ لدى الأطفال نتيجة التغييرات الأخيرة في المناهج التعليمية. إذ إن هذه التغييرات لا ترتبط بالمنهاج الدراسي وحده، بل تتأثر بعوامل أخرى؛ مثل مدى اهتمام المعلمين بأسئلة الطلاب واستماعهم لها، وكذلك الأسئلة التي سيوجهها الأطفال لآبائهم وأمهاتهم بدافع الفضول لمعرفة أسباب هذه التغييرات".

وأضافت "إن المجتمع، بما في ذلك المدرسة، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الثقافية، يساهم في تعزيز هذه القيم لدى الأطفال من خلال رفع الوعي وتنظيم الندوات التربوية لترسيخ القيم الأساسية في مجتمعنا، ويتحقق ذلك عبر فتح باب الحوار والمناقشة بين الأطفال والمحيطين بهم".

وأوضحت أن الانتماء يعتمد على شعور الفرد بأنه جزء من المجتمع، ولكن عندما يُفرض على المرأة دور محدود، فإن ذلك قد يضعف شعورها بالانتماء إلى المجتمع الذي تعيش فيه "تستمد الثقة بالنفس قوتها من مصدرين؛ يشمل الجانب النفسي تقييم الذات وإدراك نقاط القوة والضعف، أما المصدر الآخر فهو تقدير المحيطين بالمرأة واعتراف المجتمع بوجودها وكيانها. لكن عندما يحصر المجتمع المرأة في دور محدد ومعين، فإن ذلك قد يؤدي إلى انخفاض الثقة بالنفس لدى بعض الفتيات".

وفي الختام، تحدثت بتول عويرة عن سبل تحقيق الصحة النفسية والتعليم الأفضل "إذا أردنا خلق بيئة آمنة لأطفالنا ومساعدتهم على الوصول إلى مستوى تعليمي جيد وتحقيق صحة نفسية سليمة، فعلينا أن نفكر في تقديم المعلومات ونقلها بطريقة متوازنة ومتكاملة، مع مراعاة التنوع الثقافي الذي نعيش فيه، حتى يتمكن الطفل من قبول البيئة التي يعيش فيها بجميع اختلافات وتعددية مكوناتها".

 

"التغيير في المناهج سيخلق صراع داخل المجتمع"

من جهتها، أفادت سميرة الحسن، وهي أم لطالبين في المرحلة الابتدائية، بأن المناهج المعدلة الجديدة تعزز التمييز الجنسي "إن إلغاء صور الفتيات والنساء من المناهج وفرض الجلباب والحجاب، يكرس التمييز الجنسي. هذا التغيير في المناهج سيخلق تناقضاً وصراعاً داخل المجتمع وبين الطلاب، لأنه سيعزز الفكرة التي تفصل وتفرق بحِدة بين (هذه فتاة وهذا فتى). وسيحمل هذا التغيير نتائج سلبية وسيخلق جفاءً وتباعداً بين الفتيات والفتيان، كما ستنشأ مخاوف وتناقضات تجعل من الممنوع عليهم اللعب معاً أو التفاعل فيما بينهم".

 

 

وطالبت سميرة الحسن الجهات المعنية بالوقوف عند هذه التغييرات التي طرأت على المناهج "يجب أن تتغير المناهج بحيث تخلو من أي تمييز بين الجنسين، وأن يتساوى الطرفان، ويتابعا حقوقهما التعليمية معاً. هناك العديد من القوميات والأديان هنا، لكن المنهاج يركز على الدين الإسلامي فقط؛ ونحن لسنا ضد ذلك، ولكن من حق المكونات والأديان الأخرى أن تدرس دينها وثقافتها أيضاً، مثل الإيزيديين والمسيحيين".

وأشارت إلى أن العبء الدراسي قد زاد على كاهل الأطفال "عندما نراجع الواجبات المدرسية معاً، ألمس مدى الصعوبة والعقبات التي يواجهونها. فبسبب فرض المنهاج باللغة العربية هذا العام، تراجع مستوى أطفالنا التعليمي، لأنهم كانوا يتلقون كل شيء باللغة الكردية في السابق. لذلك، يجب فصل السياسة والفكر الديني المتزمت عن قطاع التعليم. من حق الأطفال الحصول على تعليم سليم وآمن ومحمٍ دون أي تدخلات سياسية، ويجب أن يدرس الطلاب بلغتهم الأم وثقافتهم دون إجبارهم على تعلم دين آخر بالقوة".