الطائفية كسلاح والجهاديون واجهة للأجندة التركية والإسرائيلية
مقال بقلم الصحفية سناء العلي
دقت الحكومة السورية المؤقتة آخر أسفين في نعش الاتفاقيات مع الكرد، بعد هجوم جهادييها على الأحياء الكردية في مدينة حلب، وارتكابهم انتهاكات بحق المدنيين والمدافعين على الأحياء.
فرمي الأشخاص من على الشرفات بات مشهداً يترافق مع كل هجوم لجهاديي هيئة تحرير الشام على مكون سوري، يُبدع المجرمون كل مرة في ابتكار انتهاك جديد بحق الإنسانية.
لقد أعاد رمي جثمان المقاتلة الكردية التي كانت تدافع عن حييها لثلاثة أيام، ورفضت الاستسلام أمام الهجمات الوحشية، من على شرفة أحد الأبنية إلى الذاكرة القريبة مشهد رمي شبان دروز خلال الهجمات على مدينة السويداء في تموز/يوليو من العام الماضي.
قالوا الله أكبر وهللوا لـ "إنجازهم"، أصبحت "الله أكبر"، تترافق مع كل جريمة ومجزرة، لقد احتكروا الله لأنفسهم، وشوهوا الرسالة الدينية، ولم ينسوا كذلك إطلاق التعابير الطائفية، مع أن الشابة كردية وعلى الأغلب تكون مسلمة سُنية، وربما إيزيدية ولكن لا أحد يعرف حتى الآن، فبلغة الطائفية التي أصبحت منذ عام ونيف أمراً مفروضاً على السوريين.
الدولة التركية الشوفينية التي تتحكم بالقرار، والتي نقلت عداءها التاريخي مع الشعب الكردي إلى سوريا، وبدأت بمحاربتهم منذ اليوم الأول للثورة، مع التشويه المستمر لقضيتهم الوطنية باتهامهم بالانفصال والتبعية، وهذا ليس بغريب على سياسات الدولة التركية التي لطالما حملت خطاباً قومياً تركياً يعادي غير الأتراك سواء كانوا عرباً أم كرداً.
تعابير طائفية أطلقها الجهاديون في هجماتهم على الساحل السوري في آذار/مارس 2025، أعادوا نفس العبارات الطائفية في السويداء بتموز/يوليو من نفس العام، وبأوامر من تركيا هاجموا الكرد من الخاصرة الرخوة "الأحياء في حلب"، فوزير الخارجية السوري ليس أسعد الشيباني وإنما هاكان فيدان، والمسؤولين في الحكومة المؤقتة ليسوا أكثر من واجهة لتنفيذ سياسات خارجية إسرائيلية أمريكية وتركيا وخليجية.
الأجندة التركية والإسرائيلية أصبحت واضحة فكلا الدولتين تسعيان للتوسع، الأولى لتحقيق الحلم العثماني والثانية لتعلن عن إسرائيل الكبرى، فبينما يقتل الكرد في أحياء حلب تتوسع سيطرة القوات الإسرائيلية على الجنوب بنفس التوقيت، وبينما تتحدث الدولة السورية عن السيادة يتم اعتقال شبان الجنوب من قبل قوى جنود إسرائيل، وتُلغى الجولان من الخارطة كما حدث في لواء اسكندرون.
حاتم أبو شقرا قائد في الجيش بعد سنوات من قتله للسياسية الكردية هفرين خلف، والجولاني الذي أصبح بلعبة أمريكية تركية إسرائيلية رئيساً لسوريا اختطف راهبات معلولا، ووزير العدل مظهر الويس أعدم امرأتين وسط إدلب، ووزير الدفاع مرهف أبو قسرة في الحكومة المؤقتة قيادي سابق في داعش وسبى وقتل العشرات من النساء.
بينما تتم مهاجمة من حارب داعش يتم تنصيب داعش نفسه في الحكم، فأي خيانة قامت بها القوى الدولية لقوات سوريا الديمقراطية التي دفعت ثمن التحرير غالياً (15 ألف شهيد)، ليأتي داعش ويحكم البلاد، فلماذا كل تلك المعارك والتضحيات إذا كانت النهاية لهذه المسرحية هي شرعنة المجرم.
وما معنى الالتزام باتفاق العاشر من آذار الموقع بين قائد قوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي والرئيس المؤقت أحمد الشرع "الجولاني"، بعد الانقلاب على اتفاق نيسان مع مجلس حيي الشيخ مقصود والأشرفية، ألم يعد الحديث عن الاتفاق استفزازاً للشعب الكردي وشعوب إقليم شمال وشرق سوريا عموماً والتي سقت هذه الأرض بدماء آلاف الشبان والشابات من أجل حريتها، وقدمت كذلك فرص كثيرة في سبيل وحدة سوريا التي يبدوا أنها لن تتحقق بوجود هذه السلطة.
أكذوبة توحيد سوريا أصبحت مكشوفة
يقول أحمد الشرع "الجولاني"، الذي أسس منذ العام 2017 إمارة له في مدينة إدلب بعدما تم نقل جهادييه بالباصات الخضراء إليها من الغوطة الشرقية، أن هدفه توحيد سوريا متهماً كل الأطراف بالانفصال، ونسي هو نفسه إمارته.
واليوم بعد أن حقق الجولاني وجماعته مخطط القوى الدولية بأن شوهوا الثورة وسيطروا عليها بتصفية واستبعاد وتشويه الحراك المدني والنسائي أصبح مخطط التقسيم أقرب للتحقيق، فبعدما حدث اليوم من هجوم وحشي وقتل الكرد في أحياء حلب ربما سيطالب إقليم شمال وشرق سوريا بالانفصال، لأن لا عهود لحكومة الجهاد التي تقودها تركيا، مثلما طالب الدروز بالاستقلال ومحاولات الساحل حماية نفسه بمطالب الفيدرالية.
وهذه المطالب ليست إلا إعلاناً لفقدان الثقة بالحكومة المؤقتة التي استبدلت بها دول ذات مصالح بشار الأسد، وعندما تنتهي مهمة هذه الحكومة ويعود الحكم للشعب سيعود الدروز ليطالبوا بالوحدة وكذلك العلويين، وستحمي قوات سوريا الديمقراطية مشروعها حتى النهاية، لأن التخلي عن القضية بعد كل التضحيات وفي هذا التوقيت خيانة لدماء 15 ألف شاب وشابة أزاحوا السواد عن العالم، ولن يقبلوا أن يكون هذا السواد هو من يمتلك الشرعية الدولية.