"الصمت البصري" معرض يفتح باب التأمل عبر الصورة والفراغ

قدّمت الفنانة الفوتوغرافية آمال دكار أحدث أعمالها في معرض "الصمت البصري" بالجزائر العاصمة، حيث عرضت صوراً كبيرة محدودة العدد برؤية فنية تقوم على التأمل والفراغ، مؤكدةً دور الصورة في خلق أثر إنساني يعيد قراءة حضور المرأة في الفن.

نجوى راهم

الجزائر ـ شددت الفنانة آمال دكار، خلال معرضها "الصمت البصري" على أهمية الصورة كخطاب تأملي يمنح المتلقي مساحة للقراءة الذاتية، مؤكدة أن الفن الفوتوغرافي قادر على إبراز حضور المرأة وتحولات رؤيتها داخل المجتمع.

في عالم التصوير الفوتوغرافي، لا تُقاس قوة الصورة بعدد اللقطات المعروضة، بل بقدرتها على خلق أثر بصري وإنساني لدى المتلقي، ومن هذا المنطلق اختارت الفنانة الفوتوغرافية آمال دكار أن تقدّم أعمالها ضمن رؤية فنية تقوم على "الصمت البصري"، حيث يصبح الفراغ جزءاً من الحكاية، وتتحول الصورة إلى مساحة للتأمل والقراءة الداخلية.

ويقدم رواق الفن "الزوار" بالجزائر العاصمة جزءاً من أعمالها ضمن معرض افتُتح في 9 أيار/مايو الجاري، ويستمر حتى الرابع من حزيران/يونيو المقبل، وهو ما أتاح للجمهور فرصة التعرف على تجربة بصرية مختلفة، تقوم على البعد الرمزي للصورة وعلى التفاعل الدقيق بين الضوء والظل، وبين الحضور والغياب.

ويمثل هذا المعرض امتداداً لتجربة سابقة للفنانة في مكتبة "علامات"، غير أنّ مشروعها الجديد "الصمت البصري" يبدو أكثر نضجاً من حيث الرؤية الفنية والطرح الجمالي. فقد اختارت عرض عدد محدود من الصور بأحجام كبيرة، في توجه مدروس يمنح كل عمل مساحته الخاصة للتأمل والقراءة.

وتعرض آمال دكار من خلال "الصمت البصري" مجموعة من الأعمال التي تعكس رؤيتها القائمة على منح كل صورة قيمتها الرمزية وعمقها الخاص، بعيداً عن العشوائية، وبما ينسجم مع أسلوبها الذي يزاوج بين الحساسية البصرية والبحث الجمالي.
 

"الفن يبدأ من المساحات الصامتة"

وأوضحت آمال دكار في لقاء لها مع وكالتنا، أن اختيارها لعرض عدد محدود من الصور لم يكن قراراً عشوائياً، بل نابعاً من قناعة فنية ترى أن الصورة لا ينبغي أن تُستهلك بسرعة داخل فضاء العرض، بل يجب أن تُمنح للمتلقي فرصة التوقف والتأمل والتفاعل الداخلي معها.

وتؤكد أن الصورة ليست مجرد لقطة ثابتة، بل خطاب بصري مفتوح يقرأه كل متلقٍ وفق إحساسه وتجربته الخاصة، بعيداً عن أي توجيه مباشر "إن المتلقي يجب أن يغادر المعرض وهو يحمل أثراً أو رسالة تركتها الصورة في داخله"، لافتةً إلى أن "الصمت البصري" مساحة رحبة للتأويل، وترى أن هذا التوجه أصبح ضرورياً في زمن تهيمن عليه الصورة السريعة والمحتوى الاستهلاكي.

وفي حديثها عن حضور المرأة في الساحة الفنية، لفتت إلى أن المبدعات بدأن يفرضن وجودهن تدريجياً، رغم محدودية عدد المصوّرات اللواتي يعرضن أعمالهن في الفضاءات الفنية. فبرأيها هذه الخطوات الأولى تمثل بداية مهمة نحو حضور نسوي أوسع في عالم التصوير الفوتوغرافي، معربة عن أملها في أن تشجع هذه التجارب نساء أخريات على تقديم أعمالهن ومشاركة رؤيتهن الفنية مع الجمهور.

أما عن اختيارها للأبيض والأسود، فتوضح أنه ليس مجرد خيار تقني، بل "اختيار جمالي وفلسفي" في آن واحد حيث يسمحان بالتركيز على الجوهر الإنساني والتفاصيل الشعورية. فهي تعتمد في أعمالها على لعبة الظل والنور، وعلى التباين بين العتمة والوضوح، كما يمنحان الصورة بعداً زمنياً وتأملياً يجعلها أكثر قدرة على ملامسة الذاكرة.

وتحضر المرأة التارقية في أعمال الفنانة كعنصر بصري محمّل بالرمزية، إذ تراها آمال دكار تجسيداً للهوية والذاكرة الجماعية ورمز للأصالة والقوة وتجذّر الهوية، فالأزياء التقليدية التي حافظت عليها المرأة التارقية عبر القرون تمثل نموذجاً فريداً للوفاء للانتماء الثقافي.

وتربط آمال دكار بين مسيرة نضال المرأة عبر التاريخ لإثبات حضورها، وبين واقع المرأة المعاصرة التي أصبحت أكثر تأثيراً وثقة وقدرة على فرض ذاتها. وترى أن الفن يلعب دوراً مهماً في إبراز هذا التحول، وفي إعادة تقديم صورة المرأة داخل المجتمع بطريقة أكثر وعياً وعمقاً.

ولا تتوقف تجربة آمال دكار عند الجانب الجمالي للصورة، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة طرح أسئلة الهوية والمرأة والذاكرة والإنسان، ضمن رؤية تجعل من الكاميرا وسيلة للتأمل والحوار، لا مجرد أداة للتوثيق. ومن خلال مشروعها "الصمت البصري"، تؤكد الفنانة أن الصورة قادرة على قول الكثير دون ضجيج، وأن الفن الحقيقي يبدأ أحياناً من تلك المساحات الصامتة التي تتيح للروح حرية الإحساس والتأويل.