الشرق الأوسط أمام مشروعين "السلام والمجتمع الديمقراطي" و"الاتفاق الإبراهيمي"

الشرق الأوسط أمام مشروعين الأول للقائد عبد الله أوجلان، والثاني لإسرائيل، فما هما هذين المشروعين وكيف تكون تداعيات تطبيقهما على المنطقة وشعوبها؟

تحليل ـ الصحفية سناء العلي

يبحث مشروع السلام والمجتمع الديمقراطي الذي أعلن عنه القائد عبد الله أوجلان في أسس السلطوية، انطلاقاً من أن معرفة جوهر المشكلة هو الطريق الأسهل إلى حلها، بينما لا يهتم الاتفاق الإبراهيمي الذي تروج له "إسرائيل" لا بجوهر القضية ولا حتى بمصالح شعوب المنطقة، ما يهمها فقط قيام "دولة إسرائيل الكبرى"، وذلك بقلب الوسط المعادي إلى صديق.

الشرق الأوسط أمام مشروعين لا ثالث لهما حتى الآن وهذا ليس توقع، وإنما واقع يجب التعامل معه، فإسرائيل تضغط لتنفيذ التطبيع بأسرع ما يمكن ومهما كانت الأساليب المستخدمة، ولتحقيق هذه الغاية ليست لديها مشكلة في إسقاط أنظمة، وتعيين أخرى بديلة عنها من أجل القبول بشروطها، والتطبيع السهل مع هذه السلطات يكون على حساب الشعوب، وخاصةً الشعوب الأصيلة والتي تسمى ظلماً بالأقليات، والدفع باتجاه ارتكاب مجازر بحقها لضمان اصطفافها معها وتسهيل التقسيم.

 

من يقدم التنازلات يفقد الشرعية

منذ النكبة سنة 1948 وقيام دولة إسرائيل، وحتى سنوات قليلة كانت إسرائيل كدولة محتلة هي العدو المشترك لكل شعوب المنطقة، لقد تبنى العرب والمسلمين في العالم، ومسيحيي الشرق الأوسط قضية فلسطين ربما أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، فأصبحت قبلة المقاومة.

ولم تستطع الأنظمة العربية على سطوتها وسلطويتها تغيير خطابها المعادي تجاه إسرائيل علناً، رغم الاتفاقيات السرية فـ "التطبيع خيانة، ويفقد الأنظمة شرعيتها"، لكن أول من تجرأ على كسر هذه القاعدة هو أنور السادات رئيس مصر، بتوقيعه اتفاقية كامب ديفيد سنة 1978 التي شكلت صدمة للشارع العربي، وأدت إلى مقتله عام 1981.

ورغم أن السادات فقد حياته لقبوله بالتطبيع إلا أن مبادرته للسلام مع إسرائيل شجعت منظمة التحرير الفلسطينية نفسها للتوقع هي الأخرى اتفاقية أوسلو 1993، التي أثارت هي الأخرى غضب عربي فلسطيني وسميت بـ "اتفاقية العار"، لمستوى التنازلات المقدمة من الجانب الفلسطيني باعترافها بإسرائيل على مساحة 78 بالمئة من البلاد، أي تم الاعتراف بحدود 1967، وليس حدود حرب الـ 1948.

 

تحقيق الهدف بدأ باستبدال الأنظمة

مشاهد القتل في فلسطين وانتهاكات القوات الإسرائيلية منذ النكبة (1948)، وحتى الأشهر الأخيرة من العام 2010، خاصةً في الانتفاضات الشعبية الفلسطينية أثارت الرأي العام العربي والإسلامي والإنساني، لكنها لم تغير من حقيقة الوجود الإسرائيلي.

للجانب الإسرائيلي عنجهية يعرفها من تابع سياساته لذلك مل هذا الكره العربي الإسلامي، ولعب بذكاء لتحويل هذا الغضب العربي والإسلامي تجاه إسرائيل إلى الشعوب نفسها بأن خططت إسرائيل مع أمريكا لمشروع "الشرق الأوسط الجديد"، الذي  نقل الصراع من عربي ـ إسرائيلي إلى صراع عربي ـ عربي، أو صراع سلطة ـ شعب، صراع القمع ـ الحرية، من خلال سرقة الثورات وتطبيق "مشروع الشرق الأوسط الجديد".

"الشرق الأوسط الجديد" مشروع سياسي استراتيجي يقوم على إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، وتعديل الحدود وذلك بقلب الأنظمة، فيتم أيضاً تغيير التحالفات ومراكز النفوذ بما يتماشى مع مصلحة إسرائيل وأمريكا وبريطانيا وبقية القوى الدولية، لتكون "إسرائيل"، متفوقة ليس فقط عسكرياً بل سياسياً واقتصادياً في المنطقة، بعد أن ينتهي رفضها إقليماً لتصبح فاعل محوري في النظام الإقليمي الجديد، وأسهل طريقة هي اتباع سياسة "فرق تسد"، وبذلك تُقسم البلاد إلى دويلات بعد إشعال حرب طائفية باستغلال التنوع الكبير في النسيج المجتمعي للمنطقة.

أُعلن عن المشروع على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس عام 2006، لكن بدأ تنفيذه قبل ذلك بكثير، في الحقيقة منذ عام 1998 تغيرت الخطط جميعها لدى القوى المهيمنة التي دفعت بالدولة التركية لاعتقال القائد عبد الله أوجلان بعد الضغط على النظام السوري لإخراطه من البلاد، تمهيداً لاعتقاله في خريف العام 1999، وبذلك إزالة خطر مشروعه على مشروع "إسرائيل الكبرى".

ما تلا اعتقال القائد أوجلان من أحداث كبرى يؤكد أن الخطة بدأت بالتنفيذ، تفجير برجي التجارة العالميين في نيويورك وما حدث بعدها من تغييرات في كل المنطقة، غزو العراق ومحاصرة النظام السوري السابق، واحتلال أفغانستان قبل ذلك بشكل مباشر من قبل القوات الأمريكية بدعوة محاربة طالبان، الذي دعمت وجوده أمريكا نفسها لمحاربة السوفييت، كذلك تم الدفع باتجاه تقسيم السودان على أساس عرقي، ويتم العمل اليوم لتقسيم الجزء الشمالي أيضاً، وكل بلدان المنطقة بحسب الخطط المسربة عبر ويكيليكس وغيرها ستواجه التقسيم.

لا يخفي مسؤولون في أمريكا والموساد دورهم عبر العديد من التصريحات، وكذلك التسريبات بين الحين والآخر، وبحسبها فإن عراب التغيير أمريكا، التي تقع تحت ضغط القوى اليهودية الاقتصادية، واللاعب الخفي هي "إسرائيل"، والأداة حتى الآن كما تشهد المنطقة "الإسلام السياسي"، بذراعيه الأصولي والإخواني، لقد تحالف الغرب وإسرائيل مع الإسلام السياسي لأنه الأكثر تنظيماً وقدرة على تنفيذ المخطط بقليل من الدعم، مستفيداً من البيئة الحاضنة لهذا الفكر الذي يريد أسلمة الجميع حتى لو تطلب ذلك إبادتهم، انطلاقاً من جسد المرأة وتغطيته باعتباره "سبب كل المصائب التي حلت بالأمة" وهو ما يفتح ملف التعليم على مصراعيه لأن المناهج تدرس أسس الأصولية للأطفال بقبول كل أنظمة المنطقة، ودعم حلقات تعليم القرآن في الجوامع المدفوعة من قطر.

يحقق الإسلام السياسي كل ما تعجز عنه القوى المهيمنة في المنطقة، وهذا ما أدركته هذه القوى في وقت مبكر فبدأ تحالف "الرجل القوي والكاهن والشاب"، بشكل جديد في عصرنا ولكن هذه المرة ليس فقط ضد المرأة، وإنما لتفتيت أي قضية للشعوب، ما يبرر التمويل الغير محدود لهذه الجماعات منذ اليوم الأول للثورات، وإدخال السلاح والأسلحة المحرمة دولياً للجماعات الجهادية، ودعم قنوات إعلامية عربية لشن خطاب طائفي وتحريضي، هذا الدعم ليس فقط لإسقاط الأنظمة وإنما أيضاً تشويه الثورة وإيصالها إلى نقطة اللاعودة.

لا تدعم القوى الغربية وتركيا وإسرائيل الحركات اليسارية للعداء بطبيعة الحال بين "الاشتراكية والرأسمالية"، ولكنها أيضاً لا تدعم العلمانية الليبرالية أو النسائية بقدر ما تدعم جماعات الإسلام السياسي، فهناك ثروات يجب الاستفادة منها والحركات الوطنية لن تسمح بسرقة مال الشعب بعد نجاح الثورة، ومن اعتقل رئيساً من سريره من أجل النفط لن يترك هذه الثروة تضيع منه في بلاد يبيع الحاكم فيها الوطن من أجل كرسي الرئاسة، وهذا ما حدث في ليبيا فقد كانت الحركات الليبرالية هي من نجح في الانتخابات لكن تم إلغاء النتائج لتدخل الجماعات الدينية في صراع مستمر حتى اليوم لتجعل ليبيا قاب قوسين أو أدنى من التقسيم.

 

سوريا... قصة موت مُعلن

دفع نظام أحمد الشرع "الجولاني" الدفعة الأولى من ثمن السلطة، وهي إزالة الجولان من الخريطة السورية، وبدأ بتسليم الدفعة الثانية من الأراضي السورية لتركيا، ولا أحد يعرف حجم التنازلات التي قدمتها الحكومة المؤقتة للعب دور في هذه المرحلة لأن بقاء سلطة جهادية في سوريا لسنوات أخرى لا يمكن أن يكون مناسباً لمحيطها، فعندما تنتهي التنازلات ربما سنشهد انقلاباً مفاجئاً في القصر الجمهوري.

مخطط تقسيم سوريا كاملةً بدأ يتبلور في السادس من كانون الثاني/يناير 2026 عندما بدأت الهجمات على المناطق الكردية في مدينة حلب ثم مناطق شمال وشرق سوريا، وهذه هي الدفعة الثالثة وربما ليست الأخيرة، فكل ما يحدث من مجازر بحق المكونات السورية مدفوع لكي ترفع الأخيرة صوتها طلباً للاستقلال كما حدث في السويداء، وعندما ينشغل الشعب بالمجازر والغلاء وارتفاع الأسعار لن يعود مرتبط بالأرض كثيراً، سينسى الجولان ومن باعها كما نسي الكثيرون لواء اسكندرون، وحلب لن يجرأ الإعلام على ذكر اسمها كمدينة سورية بعد اليوم.

 

بلاد تنهشها الطائفية

لبنان مثل سوريا يتميز بتنوعه الطائفي والديني، الذي أثر على حياة الأسرة نواة المجتمع، ولم تعالج إشكاليات القوانين التي تتغير بتغير طائفة الشخص بدلاً من اتباع نظام مدني، رسخ نظام المحاصصة الطائفي تقسيم السلطة على أساس الانتماء المذهبي وليس الكفاءة، ما جعل الشارع اللبناني ساخط على نظامه، وبنفس الوقت يواجه سياسة التذويب، فجزأ منه (ذا الغالبية السُنية) سيعود إلى سوريا بموجب دعاية ملاحقة فلول النظام السابق، فالهجمات على حدود الجار اللبناني لم تهدأ منذ تبديل النظام السوري في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، ليفي أحمد الشرع "الجولاني"، بحسب بعض التسريبات الإعلامية، بتعهده لأمريكا بمحاربة حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق وبذلك تشتعل الحرب السُنية ـ الشيعية بشكل مُعلن. هذا الحال مشابه لما يعيشه العراق، ولا داعي للإطالة، وهناك مخطط لتوطين أهالي غزة في الأردن.

بعد حرب 7أكتوبر، بدأ التغيير الشامل وفق تقرير إسرائيلي سُرب عن عمد بعد حرب 2006، يؤكد أن ما تشهده الساحتان الفلسطينية واللبنانية ما هو إلا خطة عسكرية سياسية شاملة وضعت بالتعاون مع أمريكا، ومشاركة عربية وموافقة أوروبية، من بنودها تقسيم لبنان وإشعال الحروب في المنطقة.

 

مشروع الأمة الديمقراطية

أما مشروع الأمة الديمقراطية الذي أسس لمقترح "السلام والمجتمع الديمقراطي"، للفيلسوف الكردي عبد الله أوجلان، والذي بسببه ما يزال معتقلاً منذ أكثر من 26 عاماً في جزيرة إمرالي بتركيا، يقوم بشكل عام على العيش المشترك بين جميع الطوائف والقوميات والمكونات والإثنيات في وطن واحد بعيداً عن عقدة الحدود والجغرافيا.

لقد وجد أن التقسيم أو إيجاد وطن لكل مكون ليس منطقياً، وليس قابلاً للتحقيق جراء التداخل بين المكونات في المدينة الواحدة والحي الواحد، وعلاقات الزواج والقربى وغيرها مما يربط الجميع ببعضهم، وباعتبار أن التنوع هو أصل الحياة فلا معنى لانغلاق كل قومية أو طائفة أو مكون على نفسه، كذلك يقوم المشروع على المساواة الحقيقية والكاملة بين الجنسين باعتبار أن المرأة إنسان أولاً وأخيراً وليست تابع للرجل أو جنس آخر كما تقول الفيلسوفة الفرنسية سيمون دي بوفوار، هذه المساواة لا تشمل الحقوق فقط وإنما الواجبات، حيث يعتمد المشروع على مبدأ الحماية الذاتية لهذه الشعوب أي الاستقلال عن الوصاية الخارجية، وممارسة السياسة باعتبارها فن لإدارة المجتمع، وليس كما تُعرف في كتب السياسة على أنها "فن إدارة الكذب والخداع".

وتبني الاقتصاد المجتمعي التعاوني لا ربحي، لتلبية احتياجات المجتمع، والتخلص من عبودية الاستيراد ومناهضة الاحتكار، ودعا الفيلسوف عبد الله أوجلان إلى اللاسلطوية واعتبر أن البيئة قاعدة أساسية من قواعد المجتمع الديمقراطي وقارب بين مفهوم المرأة ومفهوم الطبيعة؛ وإعادة التفكير بهاتين القضيتين بذهنية ثائرة ونسف الرؤى التقليدية لهما، هذا المشروع ينقذ تركيا من مخطط التقسيم الذي يسعى إليه المشروع الغربي.

 

لماذا يتم عرقلة مشروع الأمة الديمقراطية في كل مرة؟

رغم كل هذه الإيجابيات التي يحملها المشروع للمجتمع والدولة إلا أن هناك تحديات عديدة تؤدي في كل مرة لتقويضه. مشروع الأمة الديمقراطية وما تمخض عنه من مقترح "السلام والمجتمع الديمقراطي"، في الفترة الأخيرة لبدأ الحوار الجدي مع الدولة التركية فيما يخص القضية الكردية يقع تحت ضغط التحدي الأول المتمثل بعدم وجود غطاء سياسي له، ويعتمد بالكامل على الدعم الشعبي ودعم بعض المثقفين والحقوقيين حول العالم.

ولكن في هذا التوقيت الحرج من تاريخ المنطقة لا يمكن حتى الاتكال على الدعم الشعبي لعدة أسباب أبرزها تراجع الوعي المجتمعي كنتيجة الأزمات المتلاحقة، على رأسها انحدار مستوى التعليم والأزمات الاقتصادية التي تدفع الناس للبحث عن اللقمة بدلاً من القضية، والنزوح وانعدام الأمان، وكمثال واضح ما حدث في إقليم شمال وشرق سوريا فعندما بدأ هذا المشروع قاب قوسين أو أدنى من التحقيق انهار في أجزاء واسعة، وانحسر في المناطق الكردية لأن ليس جميع مكونات المنطقة آمنت به ودفع نحو هذا الاتجاه الإعلام العربي بقوة، وترافق هذا التراجع بارتفاع صوت الخطاب القومي العربي ضد الوجود الكردي.

 

السؤال الأخلاقي

هنا يُطرح السؤال ما بين مشروع السلام والمجتمع الديمقراطي والاتفاق الابراهيمي، ماذا ستختار شعوب المنطقة، إن كانت تمتلك حق الاختيار أم أن الاجندات الخارجية مجهزة للتطبيق بعيداً عن الإرادة الحرة.

هنا يجب القول بأن المعرفة مهمة لاختيار المشروع الأفضل، وتكون هذه المعرفة بالتعمق في كلا المشروعين، وأن تطرح السؤال الأهم إذا طبق مشروع السلام والمجتمع الديمقراطي، ماذا سيكسب أو سيخسر الشعب؟، وكذلك ما هي تداعيات الاتفاق الإبراهيمي على الشعوب؟، ونترك الجواب لكم ولكن.