الصحفية نيلجون متّه: الشرق الأوسط يُعاد تشكيله على حساب الشعوب
أكدت الصحفية نيلجون متّه على أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى تنفيذ خطة "إسرائيل الكبرى"، ولذلك يلتزم الجميع الصمت أمام المجازر التي تستهدف الكرد والدروز والعلويين ومكونات أخرى في سوريا.
بنفش ستيرك
آمد ـ في الخامس والسادس من كانون الثاني/يناير، شن جهاديي هيئة تحرير الشام هجوماً على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في محاولة لارتكاب مجازر جماعية، غير أنّ الأهالي واجهوا هذه الاعتداءات بتكاتف ومقاومة لافتة.
في المقابل، التزمت القوى الدولية الصمت إزاء ما جرى، الأمر الذي أثار استياء الكرد، فيما عبرت أطراف متعددة عن رفضها لهذا الموقف، ومن بين الأصوات التي ارتفعت، الصحفية نيلجون متّه، وهي تركمانية وعلوية، تعمل منذ عام 1993 في عدد من الإذاعات والتلفزيونات ووكالات الأنباء كمقدمة ومحررة أخبار.
"الإمبريالية تدفع الشعوب إلى الاقتتال فيما بينها"
نيلحون متّه التي تابعت عن كثب التطورات في إقليم شمال وشرق سوريا، أشارت إلى أن المجازر التي طالت الكرد والعلويين والدروز ومكونات أخرى تكشف واقعاً بالغ القسوة "في سوريا تُرتكب مجازر بحق العلويين، تنفذها الجماعات السلفية وهيئة تحرير الشام، ولا تتوقف أبداً. نحن ندرك جميعاً أن الحروب والاقتتال في الشرق الأوسط تفتعل لخدمة مصالح أمريكا وإسرائيل، فيما تدفع الشعوب إلى الاقتتال فيما بينها، لهذا السبب، يبدو أن الدماء والدمار لن يغادرا هذه المنطقة".
واستحضرت نيلجون متّه أحداث ما سمي بـ "ربيع الشعوب"، مشيرة إلى أن هذه المرحلة امتدت إلى سوريا منذ عام 2011، وأوضحت أن لإسرائيل مشروعها الخاص الذي وصفته بـ "المشروع الإسرائيلي الكبير"، مؤكدة أن "الولايات المتحدة تتحرك في الشرق الأوسط بما يتوافق مع مصالح إسرائيل وعلى نطاق واسع".
ولفتت إلى أن الهجمات التي تشن على سوريا أو على دول عربية أخرى تأتي في إطار هذا المشروع "بعبارة أخرى، يعاد رسم ملامح الشرق الأوسط من جديد، حيث تُجزأ الدول العربية إلى كيانات أصغر، وهو ما يفسر استمرار النزاعات والحروب. واليوم، في قلب هذه الصراعات والمجازر، تكون النساء والأطفال هم الفئة الأكثر استهدافاً".
"أمريكا وإسرائيل قامتا بتنظيم هيئة تحرير الشام"
واسترجعت نيلجون متّه أحداث عام 2011، حين شنت هجمات على سوريا من قبل جماعات مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل "أي مأساة هذه؟ الدروز كانوا هدفاً، الإيزيديون كانوا هدفاً، والعلويون قتلوا. نحن نعلم أن آلاف النساء الإيزيديات تم تهجيرهن، وتعرضن للاغتصاب والاستعباد، وأن قرارات غير إنسانية فرضت عليهن. ولا شك أن النساء العلويات أيضاً واجهن التهجير. وما زال هذا المشهد مستمراً حتى اليوم".
وأوضحت أن تلك المرحلة استهدفت العلويين بشكل خاص بسبب قربهم من الأسد "الجماعات الإسلامية والجهادية بدعم من قوى دولية ارتكبت مجازر واسعة. قتل العديد فقط لأنهم كانوا علويين. واليوم، حين ننظر إلى الواقع، فإن إسقاط الأسد وصعود جهاديي هيئة تحرير الشام إلى السلطة، التي جرى تنظيمها بدعم أمريكي وإسرائيلي، أديا إلى فوضى عارمة. بدل أن يتحقق الاستقرار، تفاقمت الفوضى واشتدت المجازر، وبعبارة أخرى، عندما وصلت هيئة تحرير الشام إلى السلطة وسقط الأسد، كان المكون العلوي يدرك جيداً أنه سيرتكب مجازر بحقه".
"العلويون في سوريا يعيشون عزلة"
وبينت نيلجون متّه أن العلويين في سوريا ما زالوا يعيشون عزلة كبيرة، مؤكدة أن استهدافهم بدأ منذ سيطرة جهاديي هيئة تحرير الشام على السلطة، ومنذ احتلال إسرائيل لأجزاء من سوريا "اللاذقية، التي تضم عدداً كبيراً من العلويين، شهدت مجازر دامية".
وأضافت "في القرى والمدن، النساء اللواتي يذهبن إلى أعمالهن، والعلويون الذين يمارسون أعمالهم، يتعرضون للتهجير والقتل. الشباب، الرجال، الأطفال يقتلون فقط لأنهم علويون. هؤلاء يبادون بسبب عقيدتهم العلوية. ولا شك أن الكرد أيضاً كانوا هدفاً، فمنذ عام 2011، تعرض الكرد في تلك المنطقة لاستهداف كبير. في كوباني، خاض الكرد معارك عديدة، وكانت النساء أيضاً هدفاً مباشراً. لقد بُذلت مقاومة كبيرة، واليوم في روج آفا وبشكل خاص في كوباني نشأ نظام مختلف، وحياة أكثر غنى وتنوعاً".
"الجولاني الذي وُصف بالإرهابي أصبح في موقع القيادة"
وأكدت أن وزير الخارجية السورية وبقية الوزراء ينتمون جميعاً إلى جماعات جهادية "إنهم مجموعة تخوض الحرب بروح مرعبة وتقتل الناس، ومع ذلك أصبحوا وزراء في الحكومة. فالجولاني الذي كان مطلوباً في العالم كله كإرهابي، كقاتل سفاك للدماء، وضع في موقع القيادة".
وأشارت إلى أن إسرائيل وسوريا كانتا عدوين قديمين ولم تجمعهما أي علاقات مباشرة "لا شك أن تقارب الأسد مع إيران وحزب الله في لبنان أثار غضب إسرائيل، وسوريا رفضت تماماً تقديم أي تنازلات في هذا الملف، وعلى مدى خمسين عاماً، ومع انهيار الأسد، أصبحت إسرائيل موجودة في سوريا. فلدى إسرائيل خطط واضحة وهدف محدد، ألا وهو توسيع أراضيها وحدودها لتصبح إسرائيل الكبرى. وهذا أمر مؤكد، ولتحقيقه يجب أن تدمر البلاد وتجزأ".
وحول صمت التنظيمات النسائية في تركيا وغيرها "التنظيمات النسائية لم تخرج إلى الشوارع، ولم تصدر بيانات حول هذا الموضوع. حتى منظمات حقوق الإنسان لم تصدر تصريحات أو تنظم فعاليات مؤثرة".
وأكدت أنه من الضروري أن يرفع كل من الأمم المتحدة والبرلمان الأوروبي صوتهما بقوة إزاء هذه الانتهاكات، حيث تعرض آلاف الأشخاص للمجازر وقتلوا بوحشية، فيما ترتكب جرائم جسيمة ضد الإنسانية.
وأشارت إلى أن بعض النواب في البرلمان التركي، وخاصة النواب العلويين، طرحوا هذه المجازر داخل البرلمان، إلا أن الأصوات بقيت محدودة، والنائبات أيضاً لم يقمن بخطوات ملموسة، لافتةً إلى أن بعض النواب داخل حزب DEM تناولوا القضية، لكن دون تأثير واسع، متسائلة "هل يجب أن تكون النساء العلويات وحدهن من يرفعن أصواتهن؟ هذه ليست قضية فئة بعينها، بل قضية يجب أن تكون مسؤولية الجميع".
"لا يمكننا أن نبقى صامتين"
وأكدت أن ما يحدث في سوريا هو إبادة جماعية، مشددة على ضرورة رفع الأصوات ضدها، أياً كان مرتكبوها "علينا أن نظهر موقفاً جماعياً، لا يمكننا أن نبقى صامتين، كيف يمكن لضميرنا أن يبقى بلا ألم أمام هذه الفظائع؟".
وأوضحت نيلجون مته أن العلويين كانوا دائماً في الصفوف الأولى حين يقتل إنسان في أي مكان من العالم، سواء كان أرمنياً أو كردياً أو من أي جماعة أخرى فهم يشاركون في التظاهرات، ويصدرون بياناتهم، ويقدمون الدعم حيثما يرونه ضرورياً.
وشددت على أن المطلوب اليوم هو أن تتحرك جميع المكونات والأمم، وأن تظهر موقفاً واضحاً ضد الإبادات التي ترتكب، عبر تنظيم التظاهرات وإصدار البيانات وهو ما لم يحدث حتى الآن "ما الذي يراه العلويون إذن؟ يرون صمتاً مخزياً. قبل كل شيء، يجب أن تبنى حالة من اليقظة كي يكون هناك وعي وإدراك، هل لم يدرك الآخرون بعد حجم الفظاعة؟ هل لم ترَ الجرائم التي تُرتكب أمام أعين العالم؟ إنه عار كبير، وقد أصبحنا محبطين".
وترى أن أحد أسباب الصمت تجاه المجازر بحق العلويين هو الفهم الخاطئ القائل إنهم "أنصار الأسد"، مؤكدة أن هذا التصور مشوَّه، مشيرة إلى أن الأسد لم يمنح العلويين معاملة خاصة، بل إنهم في ظل نظامه لم يكونوا في وضع جيد، وحرموا من أبسط الحقوق "العلويون أيضاً بقوا بلا عمل، ولم يتلقوا أي امتيازات. هناك فهم خاطئ يظن البعض أن إظهار موقف سيفسر على أنه دعم للأسد. لكن هذا فخ كبير وخطأ جسيم".
"وكالتكم تقوم بدور مهم في نشر الوعي"
وأضافت "العلويين يريدون أن تُفهم مشاكلهم على حقيقتها، المثقفين في تركيا يتعاملون مع الأمر بالطريقة نفسها، في سوريا وفي بلدان أخرى يسود إحباط مشابه ينبغي تجاوزه، ربما تُحدث هذه التقارير الصحفية حالة من اليقظة. من الضروري أن تُنشر هذه التقارير، وبلا شك وكالتكم تقوم بدور مهم في هذا المجال، هذه الأخبار ستزيد من وعي المجتمع، وربما تفتح وعي الفئات الصامتة".
وانتقدت نيلجون متّه صمت الحركة النسوية في تركيا، مؤكدة أن بإمكانها أن ترفع صوتها، كما أن الحركات النسائية الأخرى قادرة على فعل ذلك أيضاً، وذكّرت بأن العلويين في سوريا علمانيون، داعيةً الجميع إلى عدم الخوف من الدفاع عنهم "يجب أن يكون هناك موقف واضح ضد الإبادة، وألا يُخشى الدفاع عن العلويين. هذا نداء للجميع. إن الاغتصاب والعنف ضد النساء في سوريا لا يمكن اختزالهما في كونهما جريمة حرب فقط، بل هما أيضاً جريمة ضد الإنسانية، لأنه هجوم مباشر على النساء",
وأضافت "النساء هن من يعدن بناء الحياة بعد انتهاء الحروب، وهن من يصنعن السلام ويجدّدن الأمل، لذلك يصبحن الهدف الأول في النزاعات، إذ يسعى الرجال إلى القضاء عليهن وكسرهن، لأنهم يعتقدون أنه بدون النساء لا يمكن أن تُبنى حياة جديدة أو عالم جديد، وعندما تُباد النساء أو يُقصين من المجتمع، تُباد الحياة نفسها، وينعكس ذلك على الأطفال الذين يصبحون بدورهم ضحايا الإبادة".
"يجب أن نرفع جميعاً أصواتنا ضد كل وحشية"
وحول ما إذا كان اتهام الأشخاص الذين يتحدثون عن مجازر العلويين، بأنهم يمارسون "سياسة الهوية" ومحاولة إسكاتهم، يعد إنكار للمجازر، قالت "من الجائر أن يوصم الذين يتحدثون عن مجازر العلويين بهذه الطريقة، فهذا اتهام شديد الظلم. فإذا تعرض العلويون للإبادة، فمن المؤكد أنهم سيتحركون ضدها، وسيقاومون تلك المجازر والإبادة الجماعية. وكذلك الحال بالنسبة للكرد، فإذا استهدفوا بالإبادة، سيخرجون لمواجهتها، ويوجهون نداءً إلى العالم، ويسعون لإيقاف هذه الجرائم والهجمات".
وتابعت "ما معنى أن يختزل الأمر في "سياسة الهوية"؟ إن مثل هذه التصريحات والمواقف سطحية وعديمة الحساسية، وتشكل انحرافاً خطيراً. لذلك ينبغي أن نرفع جميعاً أصواتنا ضد كل هوية زائفة وضد كل أشكال الوحشية. وإذا وقعت إبادة بحق الكرد، يجب أن يقف ضدها كل المجتمع، الأتراك وغيرهم. المطلوب موقف جماعي منظم لإيقاف هذه الهجمات الدموية.
وأكدت نيلجون متّه أن مطلب إسرائيل بتوسيع أراضيها يحمل نتائج مدمرة، مشددة على ضرورة وقف هذا النزيف، وأن العالم مطالب بإظهار موقف واضح وحاسم، مشيرةً إلى أن الرأسمالية المتوحشة تنتشر في كل مكان، وأن الإمبريالية الأمريكية تتحرك وفق مصالح إسرائيل، خصوصاً في الشرق الأوسط.
كما أوضحت أن حكومة حزب العدالة والتنمية عاجزة عن انتهاج سياسة خارجية سلمية، لافتة إلى أنها دعمت جهاديي هيئة تحرير الشام في سوريا بشكل نشط وتحالفت معها، أن الحزب في تركيا لا يتعامل بإنصاف مع العلويين، إذ يقصون من المجتمع وتهمل مطالبهم، بينما تلتزم الحكومة الصمت أمام جرائم جهاديي هيئة تحرير الشام التي تستهدف العلويين وتقتل النساء منهم وتهاجمهم في سوريا.
وعما يمكن فعله إزاء هذا الوضع، قالت "على البرلمان والأحزاب السياسية ولا سيما المعارضة، أن يمارسوا ضغطاً جدياً على حكومة حزب العدالة والتنمية في هذا الملف. يمكن لأعضاء البرلمان، وخاصة النائبات، أن ينظموا فعاليات مؤثرة، وأن يطلقن أنشطة لافتة للنظر. حتى داخل الحزب الحاكم نفسه هناك نائبات، وكذلك في حزب الحركة القومية (MHP)، يجب خلق حالة من اليقظة بينهن أيضاً".
الهجمات على مدينة حلب
وحول الهجمات التي شنت على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب من قبل جهاديي هيئة تحرير الشام ومرتزقة تركيا، والتي واجهت مقاومة كبيرة قالت "سوريا تحولت عملياً إلى جحيم ينهار. فخلال حرب مستمرة منذ 13 عاماً، فقد مئات الآلاف حياتهم، ويقال إن العدد بلغ نحو 600 ألف إنسان، معظمهم من النساء والأطفال. ملايين آخرين اضطروا إلى النزوح واللجوء، بدءاً من تركيا وصولاً إلى بلدان مختلفة، حيث عاشوا ظروفاً قاسية وعملوا بأجور زهيدة".
وأضافت "لماذا بدأ الهجوم على حلب؟ إنها مدينة ذات كثافة سكانية كردية كبيرة، وأحياؤها كردية. واليوم، يتعرض حيان منها لهجوم بأسلحة ثقيلة، حيث تشن قوات الحكومة المؤقتة هجمات هناك، والنتيجة مقتل المدنيين".
واستذكرت نيلجون متّه حادثة رمي مقاتلة كردية من أحد المباني من قبل جهاديي هيئة تحرير الشام، مؤكدة أن هذه الجريمة تركت ألماً عميقاً لدى الجميع "من الضروري أن يُظهر كل إنسان موقفاً واضحاً أمام هذه الانتهاكات. الناس يُقتلون بلا سبب. وأرى أن السبيل الوحيد لتحرير سوريا حقاً هو المفاوضات السلمية والحوار. الولايات المتحدة، إسرائيل، تركيا وقادة الدول الأوروبية عليهم أن يتحملوا هذه المسؤولية بجدية. فبدعمهم تم تأسيس حكومة مؤقتة في سوريا، وقيادة الحرب فُرضت من فوق. حين أرادوا فرض الأمر بالقوة، وُصفوا بالإرهابيين، ثم أصبحوا مسؤولين عن الحكومة المؤقتة. لذلك، لا بد أن يبدأ الحوار".
"يجب أن يتخذ الشعب السوري قراراته بنفسه"
وفي ختام تقييماتها، تطرقت الصحفية نيلجون متّه إلى اتفاق 10 آذار/مارس 2025، مشيرة إلى أنه لم يُنفَّذ حتى الآن "إذا واصلت الحكومة المؤقتة هجماتها وخوض الحرب، فلن يبقى لا اتفاق ولا سلام ولا أي شيء. من الواضح أن السلام في سوريا غير ممكن عبر النظام القائم والحكومة المؤقتة الحالية. ما يمكن أن يحرر سوريا حقاً هو نظام عادل وإدارة عادلة. فمع التنظيمات الدينية المتطرفة والأيديولوجيا الراديكالية، لا يمكن بناء سلام".
وأكدت أن "السبيل الوحيد لإنقاذ الشعب السوري هو الديمقراطية. هذه الحرب وهذا الصراع يجب أن ينتهيا، ويجب أن يتوقف نزيف الدم. على الشعب السوري أن يتخذ قراراته بنفسه".