الشعب في بوليفيا ينتفض... تمرّد اجتماعي ضد التحوّل النيوليبرالي

تشير مئات الاعتقالات، وعشرات الحواجز، والاحتجاجات المنتشرة في عموم البلاد إلى تعمّق أزمة الشرعية في بوليفيا. فالحركات الشعبية لا تكتفي بالمطالبة باستقالة رودريغو باز، بل تطرح أيضاً تساؤلات حول المسار السياسي والاقتصادي الذي ينبغي أن تسلكه البلاد.

كريسلين باربوسا

مركز الأخبار ـ بعد مرور ستة أشهر فقط على تولّي حكومة رودريغو باز السلطة، تواجه بوليفيا واحدة من أعمق الأزمات السياسية والاقتصادية في السنوات الأخيرة. فقد أدّت إزالة دعم الوقود، وسياسات التقشف، والإجراءات التي يُقال إنها تستهدف أراضي الشعوب الأصلية، إلى خروج تحالف اجتماعي واسع إلى الشوارع، يضم الفلاحين والعمال والشعوب الأصلية والمنظمات النسائية. الحواجز المنتشرة في أنحاء البلاد والاحتجاجات المتصاعدة لا تعكس مجرد معارضة للحكومة، بل تكشف أيضاً عن صراع بين مشاريع سياسية مختلفة حول مستقبل بوليفيا.

وفي شوارع لاباز، تختصر كلمات امرأة فلاحية جوهر الأزمة الحالية بقولها "إذا كان الشعب هو من انتخبه، فالشعب هو من سيعزله"، هذه الكلمات لا تمثل مجرد رد فعل فردي، بل يعكس شعوراً مشتركاً لدى طيف واسع من الحركات الاجتماعية، من الفلاحين إلى النقابات العمالية، ومن المجتمعات الأصلية إلى لجان الأحياء.

إن ما يحدث اليوم في بوليفيا هو نتيجة طبيعية لبُنى الدولة والحكومة التي لا تعترف بإرادة الشعب. ويمكن وصف الوضع الراهن بأنه صراع بين "إرادة الشعب" و"استبداد الدولة".

 

من الوعود الانتخابية إلى البرنامج النيوليبرالي 

وصل رودريغو باز إلى السلطة في انتخابات 2025 بفضل التحالف الذي شكّله مع الشرطي السابق إدمان لارا. وخلال حملته الانتخابية، قدّم باز نفسه كشخصية منفتحة على الحوار مع الفلاحين، والمجتمعات الأصلية، والمعلمين، وشرائح العمال، ووعد بالحفاظ على الطابع المتعدد القوميات للدولة البوليفية واتباع سياسات شعبية.

لكن السياسات التي اتُّبعت بعد تولّيه المنصب كشفت عن تناقض حاد مع خطاب الحملة الانتخابية. فقد فعّلت الحكومة، بذريعة مواجهة الأزمة الاقتصادية، إجراءات تقشفية، واتخذت قرارات تتيح استغلال الموارد الطبيعية بوتيرة أسرع.

وبينما أُلقي عبء هذه السياسات مباشرة على كاهل العمال والفلاحين والفئات الفقيرة، جاء في الوقت نفسه إلغاء ضريبة الثروة الكبرى، وزيادة الرواتب التقاعدية مدى الحياة لكبار المسؤولين السابقين، وإقرار تعديلات تعزز امتيازات النخب داخل الدولة، وهو ما شكّل القشة التي قصمت ظهر البعير.

وهكذا أصبح التناقض بين خطاب الحكومة حول الأزمة الاقتصادية وممارساتها أكثر وضوحاً. فبينما يُحمَّل الشعب تكلفة الأزمة، تُحمى دوائر رأس المال والنخب الاقتصادية، الأمر الذي جعل إدارة باز تُرى بشكل متزايد على أنها "ممثلة للتحول النيوليبرالي".

 

ردّ فعل الشعوب الأصلية والحركات الفلاحية

كان أحد أهم العوامل التي عمّقت الأزمة هو ملف الموارد الطبيعية وسياسات الأراضي. فقد تعرّض القانون رقم 1720 لانتقادات شديدة من قبل المجتمعات الأصلية، والمنظمات البيئية، والحركات الفلاحية. إذ أثارت المخاوف من أن هذا التشريع سيفتح الباب أمام أنشطة تعدين جديدة ويعزّز نفوذ الشركات في المناطق التي تعيش فيها الشعوب الأصلية، مما أعاد إلى الواجهة نضالات الأراضي المستمرة منذ سنوات طويلة.

وانطلقت المسيرات في منطقتي Beni وPando قبل أن تنتشر سريعاً إلى مناطق أخرى من البلاد. أما المسيرات الطويلة المتجهة نحو لاباز، فلم تكن مجرد اعتراض على قانون معيّن، بل كانت رفضاً عاماً للاتجاه السياسي الذي تتبعه الحكومة. وخلال هذه المرحلة، توحّدت المنظمات الفلاحية وممثلو الشعوب الأصلية والحركات البيئية حول مطلب واحد "استقالة رودريغو باز".

ولا تستند الاحتجاجات فقط إلى الأزمات الاقتصادية، بل أيضاً إلى الشعور بأن نموذج الدولة المتعددة القوميات يتعرض للتآكل، وأن المكاسب التاريخية للشعوب الأصلية باتت مهددة.

 

عودة الشوارع إلى مركز السياسة 

أحد الجوانب اللافتة في احتجاجات بوليفيا هو اتساع قاعدتها الاجتماعية. فالاتحادات والتنظيمات مثل اتحاد نقابات العمال والفلاحين في بوليفيا (CSUTCB)، والمركز العمالي البوليفي (COB)، واتحاد توباك كاتاري، ومنظمة النساء "بارتولينا سيسا" إضافة إلى لجان الأحياء في "إل ألتو"، كلها تشارك في الاحتجاجات. وهذا يعكس أن الحركة تجمع فئات اجتماعية مختلفة حول محور مشترك من عدم الرضا.

وعند النظر إلى التاريخ القريب لبوليفيا، كما في أزمتي عام 2003 و2019, يتضح أن الشوارع عادت لتكون أحد المجالات الحاسمة في عملية اتخاذ القرار السياسي. لذلك، فإن ما يحدث اليوم لا يُعد مجرد احتجاج ضد الحكومة، بل يُنظر إليه أيضاً كجزء من نقاش أوسع حول مفهوم الديمقراطية.

ومن منظور المتظاهرين، لا تُختزل إرادة الشعب في الانتخابات وحدها؛ بل يؤكدون أن حق الشعب في التدخل في الحكم ومساءلة السلطة يستمر بعد الانتخابات أيضاً. هذا التصور ينسجم مع الطابع التاريخي للحركات الاجتماعية في بوليفيا، كما يشبه تجارب دولية أخرى تقوم على الديمقراطية القاعدية.

 

الأزمة الاقتصادية تُشعل الاحتجاجات في عموم البلاد

يبدو أن الأزمة الاقتصادية تلعب دوراً حاسماً في تصاعد حالة السخط السياسي. فبحسب الصحافة البوليفية وبيانات المؤسسات الرسمية، أغلق المتظاهرون الطرق في 59 نقطة موزعة على تسع مناطق إدارية في البلاد. وتُظهر الخرائط التي نشرتها إدارة الطرق البوليفية أن العديد من خطوط النقل الحيوية تعطّلت بسبب الاحتجاجات.

وفي محاولة لإعادة فتح الطرق، أطلقت الحكومة عمليات تحت اسم "الممر الإنساني ذو الراية البيضاء"، لكن هذه المبادرات أدت بدورها إلى مواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن. ففي حين اتهم وزير الأشغال العامة ماوريسيو زامورا المحتجين بمهاجمة القوافل بالديناميت والحجارة، يتهم المتظاهرون الحكومة باستخدام أساليب قمعية. وتكشف هذه الاتهامات المتبادلة أن الأزمة لم تعد سياسية فقط، بل اكتسبت أيضاً بعداً أمنياً متزايداً.

 

عنف الدولة... الاعتقالات ونقاش حالة الطوارئ 

مع تفاقم الأزمة، بدأت ردود فعل الدولة الأمنية تزداد قوة. فقد أُفيد بأن عدداً كبيراً من الأشخاص أُصيبوا خلال التظاهرات، وأن بعض المتظاهرين تعرّضوا لإصابات خطيرة، فيما تم اعتقال المئات حتى الآن.

وتزعم حكومة رودريغو باز أن مجموعات مقرّبة من إيفو موراليس تقف وراء الاحتجاجات، بينما تؤكد الأطراف المعارضة أن الحكومة تحاول تجريم السخط الشعبي بدلاً من معالجته.

أما إعلان رودريغو باز عن إمكانية استخدام صلاحيات حالة الطوارئ التي يمنحها له الدستور، فقد زاد من حدّة التوتر. إذ يُنظر إلى الجدل حول حالة الطوارئ باعتباره مؤشراً على تضييق مسارات الحل السياسي، وتقدّم السياسات الأمنية على أي مقاربة ديمقراطية.

 

دعوة إيفو موراليس ونقاش الحكومة الانتقالية 

يرى الرئيس البوليفي السابق إيفو موراليس أنه في ظل الأزمة الحالية، فإن الحكومة إمّا ستصعّد من القمع، أو ستتجه إلى تشكيل حكومة انتقالية تُجري انتخابات خلال 90 يوماً. وقد أعادت دعوته هذه النقاش حول الانتخابات المبكرة وإعادة هيكلة المشهد السياسي إلى الواجهة. وتشير هذه التصريحات إلى أن الأزمة لم تعد اقتصادية واجتماعية فحسب، بل تحوّلت أيضاً إلى أزمة سياسية تتعلق بشرعية الحكومة وقدرتها على إدارة البلاد.

لقد تجاوزت الأزمة في بوليفيا حدودها الوطنية. فتصريحات الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو التي انتقد فيها الحكومة البوليفية، وما تبعها من توتر دبلوماسي، أظهرت أن الأزمة اكتسبت بعداً إقليمياً. وفي المقابل، يحظى رودريغو باز بدعم من الحكومات اليمينية في أمريكا اللاتينية ومن دوائر قريبة من الولايات المتحدة. ويكشف هذا المشهد أن ما يجري في بوليفيا ليس مجرد صراع داخلي، بل هو أيضاً واجهة جديدة للتنافس بين مشاريع سياسية مختلفة في المنطقة.

 

النتيجة: الصراع في بوليفيا ليس مجرد احتجاج ضد الحكومة

ما يحدث اليوم في بوليفيا لا يمكن اختزاله في مطلب استقالة رودريغو باز. فجوهر الأزمة يرتبط بـ "النموذج الاقتصادي"، وكيفية استغلال الموارد الطبيعية، وحقوق الشعوب الأصلية، وبنية الدولة متعددة القوميات، ومعنى الديمقراطية ذاته.

إن الاحتجاجات التي تجاوزت ثلاثة أسابيع، ووجود 59 نقطة قطع طرق، ومئات الاعتقالات، وتصاعد الغضب الشعبي، كلها مؤشرات على أن المشكلة التي تواجهها الحكومة ليست مسألة أمنية مؤقتة. فالسؤال الحقيقي المطروح في بوليفيا اليوم هو: أي مسار سياسي واقتصادي ستسلكه البلاد؟

ولهذا فإن الاحتجاجات في الشوارع لا تعبّر فقط عن رغبة في تغيير الحكومة، بل تنبع من صراع بين مشاريع اجتماعية وسياسية مختلفة حول مستقبل الدولة.