الدار البيضاء تحتضن ختام ورشة عمل ناقشت الذكورية والصور النمطية في الإعلام
أكد المشاركون والمشاركات في ورشة عمل، على أن إشراك النساء والرجال معاً شرط أساسي لتحقيق تحول اجتماعي مستدام، مشددين على دور الإعلام وتأثيره المباشر على الوعي الجماعي.
حنان حارت
المغرب ـ شهدت العاصمة الاقتصادية للمغرب على مدى يومين تنظيم ورشة عمل موسعة حول دور الإعلام في تفكيك الصور النمطية الجندرية والذهنية الذكورية، وذلك بمبادرة من "جمعية التحدي للمساواة والمواطنة" بشراكة مع النقابة الوطنية للصحافة المغربية.
جمعت الورشة التي اختتمت أعمالها أمس الجمعة 13 شباط/فبراير، صحفيين وصحفيات وناشطين حقوقيين، في سياق نقاش متزايد حول مسؤولية الإعلام في إعادة إنتاج أو خلخلة التمثلات الاجتماعية المرتبطة بالنوع، وشدد المشاركون على أن الذكورية ليست مجرد مواقف فردية، بل نتاج تراكمات تاريخية وثقافية، تتقاسمها النساء والرجال على حد سواء نتيجة التنشئة الاجتماعية القائمة على تراتبية جندرية.
وأكد المشاركون أن التحولات المجتمعية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، رغم أهميتها لا تعني بالضرورة وعياً شاملاً لدى النساء بحقوقهن أو تحرراً كاملاً من الصور النمطية، كما لا تعني أن جميع الرجال مستفيدون أو مدافعون عن الامتيازات الذكورية.
وشدد المتدخلون على أن الورشة لا تستهدف الرجال كأفراد، بل تنتقد الذهنية الذكورية باعتبارها منظومة اجتماعية وثقافية مشتركة بين النساء والرجال، نتاج تنشئة اجتماعية قائمة على تراتبية جندرية تحط من كرامة النساء وتفرض في الوقت ذاته أدواراً نمطية مقيدة على الرجال.
وتناولت النقاشات عدداً من المفاهيم النظرية المرتبطة بالرجولة، مع التمييز بين "الرجولة" كوضعية اجتماعية و"الرجوليات" كأنماط متعددة داخل النظام الاجتماعي، ومن بين المفاهيم التي تم التطرق إليها "الرجولة المهيمنة" مشيرين إلى أنه التعبير الأكثر شرعية عن النظام الأبوي البطريكي، الذي يضمن مركزية الرجل ويعيد إنتاج تبعية النساء.
وكذلك مفهوم "الرجولة المتواطئة" حيث يساهم الأفراد في دعم قيم الهيمنة دون أن تكون لهم مصلحة مباشرة فيها، و"الرجولة المؤدية" التي تفرض كنموذج وحيد عبر تمجيد القوة البدنية وكبت العواطف وتطبيع العنف القائم على النوع الاجتماعي، و"الرجولة الإيجابية" التي تقوم على المساواة بين الجنسين، مناهضة العنف، وتقاسم الأدوار داخل الفضاءين الخاص والعام، مع التأكيد على أن إشراك الرجال في هذا النقاش يعد شرطاً أساسياً لأي تحول اجتماعي فعلي ومستدام.
الصور النمطية والأسرة والإعلام
وقد خصص اليوم الثاني من الورشة لمناقشة قضايا متعددة، أبرزها الفرق بين الرجولة الإيجابية والرجولة التقليدية المبنية على السيطرة والعنف الرمزي، إضافة إلى تأثير هذه التصورات على الرجال أنفسهم من حيث الضغط الاجتماعي والقوالب الجاهزة المرتبطة بصورة "الرجل المثالي".
كما ناقشت الورشة الصور النمطية داخل الأسرة والإعلام، خاصة تمثيل النساء كمسؤولات "طبيعيات" عن الأعمال المنزلية والرعاية، مقابل حصر الرجال في دور المعيل وكيفية انتقال هذا التقسيم من المجال الأسري إلى الخطاب الإعلامي.
الإعلام والعنف القائم على النوع
وسلطت النقاشات الضوء على العلاقة الوثيقة بين الصور النمطية والعنف ضد النساء، ودور التمثلات الجندرية في تغذية ممارسات مثل التحرش، التبرير، ولوم الضحية، وتم تحليل أمثلة من التغطيات الإخبارية اليومية لإبراز الكيفية التي قد يساهم بها الإعلام، بوعي أو دون وعي في تطبيع هذا العنف.
كما جرى التوقف عند مسؤولية الصحفيين والصحفيات في اختيار اللغة والزوايا والإطار، مع التأكيد على أهمية اعتماد لغة محايدة جندرياً وزوايا تغطية تبرز السياق بدل الاكتفاء بالحدث المعزول.
وتضمنت الورشة تمارين عملية شملت تفكيك مضامين إعلامية وإشهارية لرصد التمييز غير المرئي، وإعادة كتابة أخبار من منظور النوع الاجتماعي، إضافة إلى معالجة الحدث نفسه بزوايا اجتماعية وحقوقية واقتصادية وجندرية، الهدف من هذه التمارين كان التأكيد على أن الحياد الصحفي لا يعني غياب الزاوية، بل الوعي بها وتحمل مسؤولية اختيارها.
الإعلام فاعل مركزي
وعلى هامش ورشة العمل أكدت الأستاذة الجامعية والناشطة الحقوقية لطيفة البوحسيني، التي قامت بتأطير الورشة، أن الإعلام يعد فاعلاً مركزياً في عملية التنشئة الاجتماعية بحكم تأثيره المباشر في تشكيل الوعي الجماعي، لافتةً إلى أن الصحفيين والصحفيات يوجدون في موقع حاسم يمكنهم من تكريس الصور النمطية أو المساهمة في خلخلتها وبناء خطاب أكثر توازناً وإنصافاً.
وأضافت أن الورشة تستهدف بالدرجة الأولى مهنيي الإعلام بمختلف تخصصاتهم، انطلاقاً من الوعي بالدور المنوط بهم في مواكبة الاستراتيجيات الوطنية الرامية إلى ترسيخ قيم المساواة والمناصفة، وتعزيز فكرة المجتمع المتوازن القائم على المشاركة المتساوية للنساء والرجال.
وفي تقييمها للسياق العام، أشارت إلى أن المغرب عرف خلال العقود الأخيرة تحولات مهمة في مجالات التعليم، ولوج النساء إلى سوق الشغل، والحضور في الفضاء العام والمؤسسات التمثيلية، هذه المكتسبات ساهمت في خلخلة بعض البنى التقليدية، لكنها لم تلغِ الامتيازات الرمزية التي ما تزال قائمة وتقاوم التغيير.
وشددت على أن مواصلة العمل الثقافي والإعلامي أمر ضروري لتعزيز هذه التحولات، معتبرة أن الإعلام الواعي والمسؤول يشكل أداة أساسية في دعم مسار المساواة والإنصاف.