الرعاية الذاتية... شكلاً آخر من النضال في إيران
بعد استمرار القمع في إيران، تهدد موجة من اليأس والغضب المكبوت الصحة النفسية للمجتمع؛ وهو وضع، بحسب طبيب نفسي سريري، قد يزيد من خطر اليأس ويضاعف الحاجة إلى الرعاية الذاتية وتعزيز شبكات الدعم.
أورمية ـ في بيئةٍ يهدف فيها نظام القمع إلى بثّ شعورٍ بالعجز وانهيار آفاق الأمل، يتجاوز الاهتمام بالذات النطاق الفردي ليصبح مسؤوليةً جماعية، ما يجعله جزءاً لا يتجزأ من النضال ضد الظلم.
بعد المجازر الجماعية التي وقعت شتاء عام 2025 واستمرار القمع، ساد المجتمع الإيراني ضغوطٌ أمنية واقتصادية، وحزن جماعي، ما أثّر سلباً على الصحة النفسية للأفراد. فقد شعر بعضهم في ظل هذه الظروف بالعجز واليأس والضياع.
حول سبب ازدياد خطر الشعور باليأس العميق خلال فترات القمع السياسي، تقول إيلين. م الأخصائية النفسية "في مثل هذه الفترات، لا يواجه المرء مشكلة شخصية فحسب، بل يواجه أيضاً جواً من التهديد المزمن. عندما تكون إمكانية التعبير بحرية عن الغضب أو الاحتجاج أو حتى الحداد محدودة، تتراكم المشاعر المكبوتة داخل الشخص. في إيران، يؤدي هذا الوضع، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والشعور بالعجز، إلى شعور عميق باليأس. يُعد اليأس والغضب المكبوتان من أهم عوامل الخطر المؤدية إلى ظهور أفكار أخرى".
"العنف القائم هو أصل الصدمات الحالية"
وعن الفئات الأكثر عرضة للخطر وأسبابه، قالت "الشباب الذين لا يرون رؤية واضحة للمستقبل، والأشخاص الذين مروا بتجارب مماثلة من الصدمات، والذين يعانون من آثار عنف حديث، مثل عائلات الضحايا والسجناء السياسيين، والأشخاص الذين يفتقرون إلى شبكة دعم قوية، وغيرهم، هم الأكثر عرضة للخطر. يمكن القول إن العنف القائم هو أصل الصدمات الحالية، وأحياناً يكون هذا العنف عميقاً لدرجة أننا كثيراً ما نسمع من عملائنا أنهم يشعرون بالذنب لمجرد كونهم على قيد الحياة. من جهة أخرى، البشر كائنات تحتاج إلى توقع الأحداث، وقد أصبحت هذه النزعة للتوقع موضع تساؤل من جميع النواحي، والوضع غامض بالنسبة للكثيرين".
وأشارت إلى أهم استراتيجيات الرعاية الذاتية "لا يمكن لعلم النفس أن يكون وصفةً لتحسين كل موقف. في مثل هذه المواقف، يقع على عاتق كلٍّ منا واجب تعزيز الرعاية الذاتية ومجموعات الدعم. وتتمثل الاستراتيجية الأهم في إنشاء "شبكات دعم صغيرة" بين الأصدقاء الموثوق بهم. إن الاتفاقات غير المكتوبة على مراقبة الحالة النفسية لبعضنا البعض يومياً، والاستماع دون إصدار أحكام على الغضب المكبوت، ووضع بروتوكولات اتصال للطوارئ في لحظات الأفكار السوداوية، تُشكل حاجزاً قوياً ضد العزلة التي تؤدي إلى اليأس، لأن الأفكار اليائسة العميقة تُسبب ضيق الأفق، كما لو أن الشخص لن يتمكن أبداً من الخروج من هذا النفق، ولكن هناك دائماً مخرج. كما أن إدارة "الصدمة الثانوية" من خلال تجنب المشاهدة المتكررة للصور العنيفة أمرٌ ضروري لمنع إرهاق الجهاز العصبي والحفاظ على القوة النفسية، وبالطبع، هذا لا يعني تجنب الأخبار تماماً".
وفي النهاية، يجب التذكير بأنّ البقاء على قيد الحياة، والاهتمام بالصحة النفسية، وتقوية الروابط الإنسانية في مثل هذه الظروف، هو بحد ذاته أعظم أشكال الاحتجاج؛ لأنّ الهدف النهائي لأي قمع هو القضاء الجسدي أو النفسي على المحتجين، والبقاء في ساحة الحياة سيؤدي إلى فشل هذه الاستراتيجية.