الرأسمالية تفصل المرأة عن جوهرها وتاريخها الحقيقي

إن حداثة الرأسمالية تسعى من خلال السيطرة على جسد المرأة وروحها إلى استهداف المجتمع بأسره. هذا النظام، بعقلية أبوية، يحوِّل المرأة من "إنسانة حرة ذات إرادة" إلى "كائن مُسيَّر صامت ومُقيَّد".

هيفي صلاح

السليمانية ـ في الوقت الذي يواصل فيه نظام الحداثة الرأسمالية الترويج لشعارات الحرية المطلقة وحقوق المرأة، يقوم في الواقع بتحويل جسد المرأة وروحها إلى أعمق ساحة للتجارة والربح، ومن خلال عقلية أبوية خفّض كرامة المرأة الإنسانية إلى مستوى سلعة معروضة.

هذا النظام، القائم على ما يُسمى بـ "العبودية الحديثة"، قد صاغ صورة مصطنعة وزائفة لجمال وهوية المرأة، لكي يتمكن عبر صناعات مثل عرض الأزياء والإعلانات ووسائل الإعلام من استخدام جسد المرأة كأداة بلا إرادة لبيع السلع.

ومن هذا المنظور، لم يعد الجمال قيمة طبيعية وأصيلة، بل تحوّل إلى معيار كيميائي وجراحي يُجبر المرأة على البقاء دائماً ضمن قالب محدد من الجاذبية، فقط لكي تمتلك قيمة في سوق الرأسمال.

إن عملية تحويل المرأة إلى سلعة ليست مجرد هجوم جسدي، بل هي حرب ناعمة ونفسية تهدف إلى قطع صلة المرأة بجوهرها وتاريخها الحقيقي، فعندما تُختزل المرأة في إطار الجسد والعرض، تُسلب منها قوة التفكير وإرادتها السياسية والاجتماعية، وتتحول إلى سلعة صامتة لا تُستخدم إلا لتمضية الوقت أو لتحقيق أرباح الشركات الكبرى.

وفي مواجهة هذه العقلية المظلمة، يطرح فكر القائد عبد الله أوجلان، إلى جانب فلسفة "Jin Jiyan Azadî"، رؤية مختلفة تماماً وثورية للمرأة، حيث لا تُعتبر المرأة سلعة، بل إنسانة حرة ورائدة في التغيير الديمقراطي.

إن الفرق بين المرأة المناضلة وتلك الصورة النمطية التي تفرضها الإعلانات هو الفرق بين "الحرية والعبودية"، لأن المرأة المناضلة تستمد هويتها من علم المرأة "جنلوجي" ومن النضال لحماية القيم الإنسانية، لا من رضا الرجل أو نظرة المستهلكين في السوق.

لقد صنع النظام الرأسمالي، عبر صناعات عرض الأزياء والإعلانات ووسائل الإعلام، صورة مصطنعة للمرأة تختزلها في جسد مُزيَّن فقط، وهذا شكل من "العبودية الحديثة" حيث تُجبر المرأة على إدخال نفسها ضمن قوالب الجمال التجارية من أجل نيل قبول المجتمع.

ولا تقتصر أضرار هذه العملية على الجانب النفسي للمرأة فحسب، بل تؤدي أيضاً إلى طمسها كإنسانة مفكرة وفيلسوفة، لتبقى فقط في صورة "أداة للاستخدام".

 

العودة إلى هوية "المرأة المناضلة" هي الطريق الوحيد لتحرير الإنسانية

إن نضال النساء اليوم في الجبال وفي قلب المدن ضد العقلية الاحتلالية هو في حقيقته ثورة ذهنية تهدف إلى كسر القيود التي فرضتها الرأسمالية حول عقل وجسد المرأة، فالمرأة الحرة هي تلك التي ترى جمالها في الحقيقة والحرية وقوة اتخاذ القرار، لا في تلك المعايير المصطنعة التي تسعى إلى اختزالها كأداة للإنجاب أو كقوة عمل رخيصة.

لذلك، فإن العودة إلى هوية "المرأة المناضلة" تمثل السبيل الوحيد لتحرير الإنسانية من قبضة الحداثة الرأسمالية، وبناء حياة جديدة تكون فيها كرامة الإنسان فوق كل المكاسب المادية، ويؤكد هذا التقرير أن كل خطوة نحو وعي المرأة تُعدّ شرخاً كبيراً في ذلك النظام التجاري الذي حوّل جسد المرأة إلى ساحة للحرب ومصدراً لأرباحه.

وبفعل هذا النظام، لم يعد "الجمال" يُنظر إليه كقيمة طبيعية وإنسانية، بل أصبح معياراً تجارياً يخدم مصالح الشركات فقط، وعندما يقول القائد أوجلان "المرأة هي أول مستعمَرة في التاريخ"، فإنه يشير إلى تلك العملية المستمرة التي تحاول فيها الرأسمالية فصل المرأة عن جوهرها الثوري.

فالإعلانات والأفلام وصناعة الأزياء ليست مجرد أدوات للبيع، بل هي قيود حديثة لتقييد عقل ونفس المرأة بتلك الصورة المصطنعة التي رسمها الرجل ورأس المال لها.

إن نضال المرأة من أجل الحرية لا يقتصر على المطالبة بالمساواة القانونية، بل هو ثورة فكرية ضد النظر إلى المرأة كـ "سلعة جنسية" أو "قوة عمل بلا قيمة"، فالعودة إلى "علم المرأة" وإلى الهوية الحقيقية للمرأة هي السبيل الوحيد لكسر هذا السوق الفوضوي الذي تُباع فيه الإنسانية.

لذلك، فإن النضال ضد الحداثة الرأسمالية هو قبل كل شيء؛ نضال من أجل استعادة كرامة وهوية المرأة الحقيقية، وتحرير جسدها وروحها من قبضة أسواق رأس المال المظلمة، ففي فكر القائد أوجلان، المرأة ليست سلعة، بل هي جوهر الحياة ومصدر التغيير الديمقراطي.

 

يُعرِّف القائد أوجلان الحداثة الرأسمالية بأنها "نظام قاتل للمرأة"

في تحليلاته العميقة، يصف القائد عبد الله أوجلان الحداثة الرأسمالية بأنها نظام "مُعادٍ للمرأة" أو "قاتل لها"، حيث يُحوَّل جسد المرأة إلى أكبر وأكثر السلع التجارية تأثيراً في تحريك عجلة الربح، ومن هذا المنطلق، يوجّه رسالة مفادها أن السيطرة على جسد المرأة عبر صناعات الأزياء والإعلانات والجنس ليست مجرد عملية اقتصادية، بل هي هجوم أيديولوجي يهدف إلى تحطيم الهوية الإنسانية للمرأة وتحويلها إلى "عبدة حديثة" ترتدي قيود النظام بإرادتها.

ويؤكد أن الرأسمالية، تحت اسم الحرية، فصلت المرأة عن جوهر الحياة، وحوّلتها إلى أداة مُزيَّنة خلف واجهات المحال لجذب انتباه الزبائن، وفي ذلك أدنى درجات الإهانة للكرامة الإنسانية، حين يُختزل الجسد إلى تابع لسلعة بلا روح، وكحلٍّ لذلك، يقترح أن على النساء إعادة اكتشاف تاريخهن وجوهرهن من خلال علم المرأة "الجنولوجيا"، وفهم أن الجمال الحقيقي يكمن في الحرية والإرادة، لا في المعايير المصطنعة التي تفرضها شركات التجميل والجراحة.

ويرى أن المرأة التي تمتلك وعياً سياسياً وتنظيماً مستقلاً هي وحدها القادرة على التحرر من هذا السوق الرأسمالي المظلم، وأن تصبح فاعلة وصاحبة قرار.

كما يوضح أن تحرير المرأة من "التشييء" لا يتحقق بمجرد تغيير القوانين، بل يتطلب ثورة فكرية تُحرّر فيها المرأة جسدها من هيمنة العقلية الأبوية، وتعتمد أسس العيش المشترك الحر والحياة المجتمعية، بحيث لا يُنظر إلى الإنسان كسلعة تُباع وتُشترى، وتعود كرامة المرأة إلى مركز الحياة والمجتمع.

 

التعامل مع النساء كسلع

تحدثت ريزان نور الدين، الكاتبة والمترجمة من مدينة السليمانية بإقليم كردستان لوكالتنا حول هذا الموضوع، وبدأت بقصة تعود إلى ما قبل الرأسمالية "في كتاب للدكتور سروَر عبد الرحمن بعنوان "الفتيات الإيزيديات كجواري"، يُذكر أن أحد الهجمات التي تعرّض لها الإيزيديون كانت على يد أمير رواندز، وذلك قبل نحو 1800 عام، وقد تم تقدير أنه في ذلك الوقت تم أخذ حوالي 1000 امرأة كهدية إلى الأمراء وخانات تلك الحقبة، وهدفي من ذكر هذا المثال هو الإشارة إلى أنه عبر فترات مختلفة من التاريخ، وحتى قبل تدوين التاريخ، فإن كل سلطة وكل حكومة كانت تشن هجمات، وخلال الحروب المختلفة، كانت النساء في النهاية يتحولن إلى سلع ويُقدَّمن كهدايا ويتعرضن للاضطهاد، هذا من الناحية التاريخية".

وبينت أنه "قبل أن نصل إلى عصر الرأسمالية وتراكم رأس المال والآليات التي يستخدمها، نجد أن النظام الرأسمالي، بمختلف أبعاده السياسية والثقافية والاقتصادية، قد تغلغل في كل مكان، ليُقنعنا بطرق متعددة بأنه رغم أننا نعيش في عالم حديث، وأن النساء تسعين باستمرار للتقدم والحصول على مجالات مهمة في حياتهن، إلا أن هذا النظام، عبر آلياته المختلفة، يواصل القول إن المرأة يجب أن تكون فقط تلك السلعة التي يعرّفها هو".

وتظهر الرأسمالية بوضوح في مجالين أساسيين كما تبين هما الإعلام والسينما، حيث تلعب دوراً كبيراً في عرض المرأة كسلعة "على سبيل المثال، في الإعلانات يتم الترويج باستخدام امرأة تُعرَّف على أنها "جميلة" وفق معايير الرأسمالية، لأن رأس المال قد أعاد تعريف مفهوم الجمال لدى الجميع، فمثلاً، يُحدَّد جمال المرأة بأن تكون ذات بشرة ناعمة، وقامة طويلة، وأنف صغير، ولهذه الأسباب، كثيراً ما نصبح دون وعي أدوات بيد الرأسمالية، فمن جهة، تسعى النساء لتأمين لقمة العيش، ومن جهة أخرى، تُعاد الأموال التي يكسبنها إلى جيوب النظام الرأسمالي، عبر محاولات تغيير أجسادهن، مثل تصغير البطن أو الخضوع لعمليات تجميل قاسية وكبيرة، والتي تترك لاحقاً آثاراً سلبية على حياتهن، كل ذلك من أجل الظهور بالشكل الذي يريده النظام الرأسمالي".

وفي النهاية، فإن هذه المعايير الجمالية "تُبنى وفق رغبات وشهوات الرجال، فالرأسمالية انطلاقاً من عالم أبوي تفرضه علينا، تجدّد نفسها باستمرار عبر العصور، وتحوّل النساء إلى سلع تتوافق مع رغبات الرجال، كما أن عدداً كبيراً من الناس يشاهدون يومياً المسلسلات والأفلام، وقد قام مجال السينما بالتأثير على أذواقنا وتشكيلها، وخلق مفهوم للجمال وفق معايير محددة، وبناءً على هذه المعايير تم تحويل النساء إلى سلع، وهذا له تأثير كبير على المجتمع، وخاصة على الفتيات الشابات".

 

"على السينما والإعلام رفع وعي المجتمع"

ولفتت إلى إن معالجة هذه القضية لا يمكن أن تتم في يوم أو يومين، فالعالم الرأسمالي هو "عملية طويلة الأمد"، وقد جرى العمل عليها باستمرار، وكذلك فإن "مواجهته تتطلب جهداً طويلاً ومتواصلاً"، مؤكدةً أن النساء لم تقفن مكتوفات الأيدي ولم تكنّ غير مباليات، بل سعين باستمرار لإيجاد حلول مناسبة، كما أن النساء اللواتي تدافعن عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة، تواصلن جهودهن في توعية الأفراد.

وأشارت إلى أن وسائل الإعلام بدورها تمتلك تأثيراً كبيراً في رفع وعي الأفراد والمجتمع، ولذلك يجب أن تعمل السينما ووسائل الإعلام على تطوير مستوى الوعي المجتمعي ودفعه نحو الأفضل "الدراسات والأبحاث التي تُجرى في هذا المجال يمكن أن تكون ذات فائدة كبيرة وتسهم في إحداث تغيير حقيقي، وفتياتنا الشابات تمتلكن قدرات ومواهب مميزة وجميلة".

ودعتْهن ريزان نور الدين إلى تسخير التكنولوجيا لخدمة طموحاتهن ومشاريعهن، والعمل على تطوير أنفسهن ومحيطهن، سواء في المجال الاقتصادي أو العلمي أو الثقافي أو في مختلف جوانب الحياة.