القائد أوجلان: تحرير المرأة والوعي اساس لبناء مجتمع ديمقراطي

تحت عنوان "السلام والتكامل الديمقراطي"، أقام مركز الشؤون الكردية بالمملكة المتحدة مؤتمراً موسعاً لبحث مسارات السلام والتحول الديمقراطي؛ حيث حظي المؤتمر برسالة وجهها القائد عبد الله أوجلان، ركزت على القضايا المحورية، ودور المرأة في بناء المجتمع الديمقراطي.

مركز الأخبار ـ أكد القائد عبد الله أوجلان أن قضايا المرأة والأقليات والمجتمع المدني والإعلام ليست مسائل يمكن إرجاء حلها إلى وقت لاحق في عملية السلام، بل هي قضايا راهنة وجوهرية فيها، مشدداً على أن قضية المرأة هي المشكلة الأساسية التي تواجه أي مجتمع ديمقراطي.

استضافت قاعة "هاميلتون هاوس" في العاصمة البريطانية مؤتمراً نظمه مركز الشؤون الكردية تحت عنوان "السلام والتكامل الديمقراطي"، وشهدت الفعالية التي ركزت على آليات عملية السلام وبناء المجتمع الديمقراطي، توجيه رسالة من القائد عبد الله أوجلان، استعرض فيها رؤيته للقضايا المطروحة، وجاء في نصها ما يلي:

"أيها المشاركون الأعزاء، لقد فتحت دعوتي للسلام والمجتمع الديمقراطي التي أطلقتها في السابع والعشرين من شباط/فبراير 2025، الباب أمام عهد جديد، وقد استجابت لهذه الدعوة حركة حزب العمال الكردستاني، والسياسة الديمقراطية، والأحزاب الممثلة في الجمعية الوطنية الكبرى التركية، والمجتمع التركي عموماً، والآن حان الوقت للمضي قدماً عبر هذا الباب المفتوح، إن القضايا التي تتناولونها في هذا المؤتمر هي تحديداً قضايا هذه المرحلة الانتقالية، إن مناقشة كيفية تحويل الانفتاح السياسي إلى سلام دائم، بالاستناد إلى التجارب الدولية ووجهات النظر الكردية هي الاستجابة العملية لهذه الدعوة.

لا يتحقق السلام باتفاق واحد أو قانون واحد، إن إسكات الأسلحة مجرد بداية أما ما يبقى فهو بناء مجتمع ديمقراطي، ويتطلب الانتقال من الصراع المسلح إلى سلام مستدام تحولاً سياسياً وقانونياً ومؤسسياً واجتماعياً طويل الأمد، والهدف الرئيسي من هذا التحول هو إرساء مجتمع ديمقراطي، في رأيي الثورة ليست تبادلاً للسلطة بل هي تحولٌ قائم على البناء، إن 'الحرية' التي تُنتزع بالعنف سرعان ما تنقلب ضد القيم التي ناضلت من أجلها، فبدون سلام مشرف لا تدوم الديمقراطية ولا الحرية، فلا الديمقراطية ولا السلام الاجتماعي يمكن أن يتجذرا في ظل السلاح.

إن العلاقة الممتدة لألف عام بين الكرد والأتراك، والكرد والفرس، والكرد والعرب، ليست علاقة تنافر متبادل بل هي حوارٌ قائمٌ على الدعم المتبادل رغم تقلباته، واليوم يُمكن تجديد هذه العلاقة من خلال التكامل الديمقراطي، دون استيعاب أو فصل، فالحلول الانفصالية لا تتوافق مع واقع هذه المنطقة الجغرافية التي تتعايش فيها الشعوب والثقافات والمعتقدات، أما قانون الأخوة، فيستند إلى أسس تاريخية واجتماعية.

لا يمكن حل العلاقة بين الكرد والأتراك والفرس والعرب وغيرهم من الشعوب في هذه الأراضي برسم الحدود، يعيش ملايين الكرد في عواصم دول المنطقة، فعلى سبيل المثال لا يتوافق تقسيمٌ مثل 'الكرد في الشمال والأتراك في الجنوب' مع التاريخ المشترك ولا مع التقارب الاجتماعي.

أن الاندماج هو نقيض الاستيعاب: فالاستيعاب يُضعف العداء ويُؤججه، بينما الاندماج يُوحد ويُرسخ السلام والأخوة، وهذا الاندماج هو المشاركة الطوعية لمجتمع ديمقراطي في جمهورية ديمقراطية ضمن إطار الحقوق الجماعية، مع الحفاظ على وجود ذلك المجتمع.

نشأ حزب العمال الكردستاني الذي أسسته كحركة نضال من أجل البقاء في ظل ظروف عصره، وقد أثبت وجود الكرد وكسر حلقة الإنكار، وفي عالم عام 2025، بات الشعب الكردي حقيقة تاريخية لا جدال فيها، لذا فقد أُنجزت المهمة التاريخية لحركتنا، وكأي كيان ثوري لا بد لها من التحول إلى شكل جديد بعد إتمام مهمتها؛ فالانحلال ليس نهايةً ولا استسلاماً، بل هو انتقال إلى مرحلة جديدة من التاريخ، والتشبث بالشكل القديم سيعود بالخسارة على الجميع، ولا سيما الكرد.

لا ينبغي تمجيد الأسلحة بعد الآن بل يجب بناء المجتمع، لقد حلت السياسة الديمقراطية محل استراتيجية حرب التحرير الوطني، أسلحتنا الأقوى هي الكلمة والقانون والمجتمع المنظم، لا يمكن تحقيق سياسة ديمقراطية كاملة إلا على أساس سليم لا يقتصر على إسكات الأسلحة فحسب، بل يقضي على العنف وخطر الحرب معاً، ستصبح تركيا التي يشارك فيها الكرد بوعي ديمقراطي جمهورية ديمقراطية حقيقية، فالهدف في تركيا والشرق الأوسط ليس الانقسام، بل بناء ديمقراطية حقيقية معاً. إن مخرج الأزمة في الشرق الأوسط لا يكمن في السعي وراء دول قومية جديدة تمزق الحدود، بل في إحياء الأرضية المشتركة بين الشعوب؛ أي في المفاوضات التكاملية وبناء الشبكات الديمقراطية المحلية.

أصدقائي الأعزاء؛ لا يمكن للانفتاح السياسي أن يتحول إلى سلام دائم بقرار من طرف واحد فقط، فالتكامل يستلزم خطوات متبادلة، وتنازلات واعترافاً بمعاناة كل طرف، ولا يمكن لعملية غير مدعومة باتفاقيات قانونية أن تتجاوز فترة قصيرة من وقف إطلاق النار، أما السلام الدائم فيتطلب نشر السياسة الديمقراطية في الحياة اليومية، الأحياء، المدن، المؤسسات وفي الوقت نفسه إعادة تشكيل عالمنا العاطفي وعقليتنا للتكيف مع الظروف الجديدة.

بدون القانون، لا يمكن للوجود أن يكتسب مكانة؛ ويبقى النضال الديمقراطي بلا أساس، والضمانة الضرورية هي الاعتراف بمجتمع ديمقراطي وحرية تطور اللغة والثقافة، وتوسيع نطاق قوانين الحكم المحلي، وتكامل المواطنة الدستورية مع المواطنة الحرة، ولا يمكن بناء الثقة دون إعادة هيكلة القانون الأحادي المركزي للدولة القومية من خلال إصلاحات دستورية وقانونية، وإذا لم تتحول الجمهورية إلى الديمقراطية، فلن يتحقق الاندماج الديمقراطي.

ينبغي أن تشمل عودة من شاركوا في الكفاح المسلح إلى الحياة السياسية والمدنية إتاحة الفرصة لهم لتولي المسؤولية ضمن إطار العمل السياسي الديمقراطي، وبمجرد اكتمال هذه العملية سيصبح هؤلاء الأفراد فاعلين في النقاش الديمقراطي والقانون والحياة المدنية، ويعني الاندماج الديمقراطي أن يصبحوا جزءاً من المجتمع وأن يكونوا فاعلين عمليين في عصر اللاعنف والسلم، ولا تقتصر أشكال المشاركة التي ستُسهم في الانتقال من سياسات الصراع إلى السياسات الديمقراطية على السياسة التمثيلية والانتخابات فحسب، بل تشمل أيضاً شبكات الديمقراطية المحلية، ومجالس الأحياء والمدن، والتعاونيات، الأحزاب السياسية، المجتمع المدني، الحكومات المحلية، والتي تُعدّ بمثابة شرايين هذا الانتقال، وتشمل السياسات الديمقراطية جميع أشكال التنظيم والعمل الرامية إلى تسييس المجتمع.

ينبغي أن تعالج الترتيبات الدستورية والمؤسسية التنوع السياسي والإقليمي واللغوي والثقافي، لا من خلال مشروع أمة متجانسة، بل من خلال فهم ديمقراطي للأمة، فالأمة الديمقراطية نموذج سياسي تتشارك فيه الهويات المختلفة حقوق المساواة والحرية والإخاء، وتُعدّ الاختلافات في اللغة والمعتقد والثقافة والمنطقة مصدراً للثراء، وقد أدى فرض التجانس إلى أزمات في هذه المنطقة، لذا فإن الاعتراف بالتنوع هو الأساس الدستوري للحل، بما أن الوجود يتجسد في اللغة والثقافة، فإن الاعتراف بالوجود يتطلب إزالة العقبات التي تعترض التعليم والتنمية الثقافية.

في الحلول المستدامة، لا تقتصر الحكومات المحلية والإقليمية على كونها كيانات مركزية لتقاسم الأعباء، بل هي إدارات ديمقراطية محلية تُنظّم الحياة المجتمعية، ويعمل التنظيم المجتمعي الديمقراطي تحت مظلة الدولة القومية نفسها، من خلال المشاركة المباشرة للمجتمع، ولا يكمن جوهر الحل في السلطة المركزية، بل في القانون والتنظيم الديمقراطيين الراسخين على المستوى المحلي، ويُساهم إنشاء مجالس في كل مجال من مجالات التعليم والصحة والثقافة والاقتصاد والسياسة في إحياء أسس المجتمع الديمقراطي.

لا تُعد قضايا المرأة والأقليات والمجتمع المدني والإعلام قضايا تُحل 'لاحقاً'، بل هي الجهات الفاعلة الحالية في عملية السلام، تُشكل قضية المرأة مشكلة جوهرية تواجه أي مجتمع ديمقراطي، ويُعد تحرير المرأة والوعي البيئي أساس بناء مجتمع ديمقراطي، يجب أن تكون الهويات والمعتقدات والفئات الاجتماعية المختلفة محور العمل الجماعي، فبدون مشاركتها الفعالة، لن يترسخ الإصلاح القانوني ولن تتحقق المصالحة الاجتماعية.

أصدقائي الأعزاء؛ ندائي إلى شعب تركيا وإلى هذا المؤتمر هو: ليس الهدف هو الانقسام، بل بناء ديمقراطية حقيقية معاً لم تعد القضية الكردية مشكلة شعب واحد فحسب، بل هي قضية مستقبلية مشتركة لتركيا والشرق الأوسط، المطلوب منكم هو تجسيد هذا التحول والتراكم النظري من خلال تطبيقه على أرض الواقع، وربط الخبرات الدولية بالأسس التاريخية للأخوة في هذه المنطقة، في شرق أوسط لا تزال فيه القضية الكردية عالقة، يستحيل بناء مستقبل أكثر سلاماً وأماناً واستدامة للجميع، الطريق يمر عبر خطوات متبادلة وضمانات قانونية، وتنظيم ديمقراطي يتغلغل في كل جوانب المجتمع، على أعتاب عهد جديد، ليس المهم إسقاط الدولة، بل بناء مجتمع حر. لا تستهدف هذه العملية أي فئة بعينها أو فئة محددة حصراً، بل هي بمثابة مد يد العون ودعوة للتعاون لكل من يدعم الحل والسلام والقيم الديمقراطية".