العار والحرمان... السلاحان الصامتان اللذان يطاردان حياة النساء في المناطق النائية

بين الجدران الصامتة للبيوت والخوف من المجتمع، توجد قصة مليئة بالألم تواجهها آلاف النساء يومياً، لكنهن يلتزمن الصمت بسبب "العار"، هذا المفهوم الثقيل الذي يفرضه المجتمع على جسد المرأة ليس مجرد سلوك.

هيفي صلاح

السليمانية ـ إن صمت النساء يعود بجذوره إلى تلك التربية الخاطئة التي عرّفت جسد المرأة على أنه مجرد "رمز للأخلاق"، وليس نظاماً بيولوجياً يحتاج إلى الرعاية.

في مناطق مختلفة من المجتمعات الشرقية كثيراً ما تُعامل الأمراض الخاصة بالنساء كأنها "تابو"، ويُعد الحديث عنها داخل الأسرة نوعاً من كسر الهيبة والحياء، هذه الخلفية الثقافية دفعت الكثير من النساء إلى عدم الحديث عن آلامهن حتى مع أقرب الناس إليهن، ما خلق فجوة كبيرة في الوعي الصحي، تؤدي سنوياً إلى تأخر اكتشاف مئات حالات السرطان والأمراض المزمنة.

اليوم في العالم الطبي، أثبت العلم أن الوقت هو العامل الأساسي في إنقاذ الإنسان، وبالنسبة للمرأة في المجتمع الكردي يصبح الوقت أكبر عدو لها، فالكثير من الأطباء الذين يتعاملون يومياً مع المرضى يشيرون إلى أن معظم النساء لا تراجعن الطبيب إلا عندما يصل المرض إلى مرحلة خطيرة وخارجة عن السيطرة، وهذا لا يرتبط فقط بنقص المراكز الصحية، بل أيضاً بالخوف النفسي الذي يجعل المرأة تشعر أن الفحص الطبي لأعضائها الخاصة هو نوع من الخجل والفضيحة.

 

صمت العار حرم النساء من حق العلاج

إن غياب الوعي جعل "الصمت" الخيار الأول لدى الكثيرات، في الوقت الذي يؤدي فيه هذا الصمت إلى تجاهل الأعراض المبكرة مثل الكتل، أو التغيرات الهرمونية، أو الآلام غير الطبيعية، والمأساة هنا أن المجتمع غالباً ما يمدح المرأة التي "تصبر ولا تشتكي"، لكن عندما يكون هذا الصبر نفسه سبباً في فقدان صحتها، لا يملك المجتمع أي وسيلة لحمايتها.

إن كسر هذا المفهوم يتطلب ثورة ثقافية وفكرية يُعاد فيها إخراج جسد المرأة من إطار "العار"، والتعامل معه كجسد إنسان يملك الحق في الحياة والرعاية الصحية، والطريق الوحيد للنجاة من هذا الموت الصامت هو تغيير المعادلة: يجب أن يحل الوعي محل العار، وأن يصبح الحديث عن الألم علامة قوة لا عيب.

 

في المناطق النائية يتضاعف الأمر

في الوقت الذي يعمل فيه العار كحاجز نفسي، تتضاعف المأساة في القرى والمناطق البعيدة، ففي تلك الأماكن حيث بُعد الطرق وقلة المراكز الصحية المتطورة، تصبح أسباب الصمت أكبر، فالنساء في القرى لا تواجهن فقط ثقافة "العيب"، بل يقفن أيضاً أمام واقع يتمثل في غياب الأطباء المتخصصين، وغالباً ما يؤدي عدم وجود طبيبات في تلك المناطق إلى لجوء النساء لإخفاء آلامهن أكثر، لأنهن لا تستطعن أو تشعرن بالخجل من الحديث عن مشاكلهن الخاصة مع طبيب.

ومع ذلك، لا يمكن تحميل صمت النساء وخجلهن وحدهما مسؤولية تدهور صحتهن، في حين لم تُوفر لهن بيئة مناسبة وآمنة للعلاج، إن حماية حياة النساء تتطلب خطوة مزدوجة؛ فمن جهة يجب كسر تلك القيود والمحظورات الثقافية التي تمنع الحديث، ومن جهة أخرى يقع على عاتق الجهات المعنية ووزارة الصحة تحقيق العدالة في توزيع الأطباء المتخصصين والفرق الطبية المتنقلة، خاصة في المناطق النائية التي تعيش فيها النساء بين صمت العار وبُعد المسافات.

إن هذا ليس مجرد تقرير، بل جرس إنذار يدعو إلى إدراك أن صحة المرأة هي صحة المجتمع، فإذا لم نُسقط اليوم جدار العار وإهمال الخدمات الصحية، فسندفع غداً ثمناً إنسانياً أكبر لا يمكن تعويضه، لقد حان الوقت لوضع حد للصمت، لأن لا عار أشد فتكاً من الموت.

وقالت جرو عمر المحامية التي تعمل في منظمة "أَدُوي"، إنه "إذا تحدثت عن منطقتي في كرميان والقرى البعيدة نسبياً في إقليم كردستان، فهي مناطق لا تصلها الخدمات الأساسية ولا الرعاية الصحية التخصصية"، لافتةً إلى أن هناك أماكن يوجد فيها مستشفى عبارة عن مبنى، لكنه يفتقر إلى وجود طبيب مختص، وإذا وُجد الطبيب فإنه يحضر مرة واحدة في الشهر، أو يوماً واحداً في الأسبوع، وهو ما لا يلبي الحاجة.

وأضافت أن المادة 31 من الدستور العراقي، في فقرتيها الأولى والثانية، خصصت نصوصاً تتعلق بالصحة، حيث تنص بعض موادها أن على الحكومة والدولة توفير المستشفيات والمستلزمات الطبية، وقد ورد في الدستور أن الحقوق الصحية يجب أن تُنفذ، وأنه في حال كان المريض محروماً من العلاج بسبب بُعده عن المدينة أو لعدم وجود مركز صحي في منطقته، فإن وزارة الصحة بوصفها ممثلة للحكومة تتحمل المسؤولية، ويجب تقديم شكوى ورفع القضية إلى القضاء عبر محكمة التحقيق المختصة، لأن الدستور ينص على أن الحكومة ملزمة بتوفير الخدمات الصحية لجميع المناطق دون تمييز.

 

"حتى الآن هناك نساء لا تعرفن حقوقهن"

وعن مستوى وعي النساء قالت "بحسب تجربتي في العمل مع المنظمة وزيارتنا لمعظم القرى وجلوسنا مع النساء وإجراء الحوارات معهن، يمكنني القول إن هناك حتى الآن نساء لا تعرفن حقوقهن المشروعة، فالشخص الذي لا يعرف حقوقه سيكون وعيه ضعيفاً أيضاً بشأن جسده والأمراض التي قد تصيبه".

وترى أنه غالباً ما يبدأ هذا الشعور بالخجل داخل الأسرة نفسها، حيث تخجل النساء من الحديث عن الأمراض الخاصة بهن، كما تشعرن بالحرج حتى داخل المؤسسات الصحية أمام الجنس الآخر، ويزداد هذا الأمر وضوحاً لدى النساء اللواتي تعشن خارج المدن، حيث تكون العادات والتقاليد الاجتماعية أكثر سيطرة؛ بمعنى أنه إذا لم يكن الطبيب امرأة، فإن الكثير منهن لا تستطعن مراجعته أو إخباره عن أمراضهن.

وأشارت أيضاً إلى أن منظمات المجتمع المدني يمكنها أن تلعب دوراً مهماً في رفع مستوى الوعي داخل المجتمع "نزور القرى يومياً، ونجتمع مع النساء لإجراء الحوارات، كما نقيم الندوات وننشر التوعية، ونوضح لهن المعلومات المتعلقة بالقوانين وحقوق النساء وواجباتهن".

وأضافت "نفذنا أيضاً مشروعاً خاصاً بالصحة، تضمن توفير أطباء مختصين بشكل تطوعي، حيث تعاونّا معهم لزيارة القرى، ويمكنني القول إن هناك أكثر من عشر قرى في أطراف منطقة كرميان لا يوجد فيها أي مركز صحي".

كما أكدت أن منظمات حقوق الإنسان يجب أن تقوم بدور الرقابة على القوانين الموجودة في العراق وإقليم كردستان، وخاصة تلك المتعلقة بالنساء، سواء من خلال جمع البيانات أو عبر الضغط على برلمان كردستان من أجل مراجعة القوانين وتعديلها، أو العمل على تنفيذ المواد القانونية التي من شأنها أن تحقق الفائدة والمصلحة للنساء، ولا سيما النساء في القرى.

وأوضحت محدثتنا أنه عندما يُربّى الطفل، سواء كان ولداً أو بنتاً، داخل الأسرة تربية سليمة، يمكن تعليمه ألا يخجل وأن يكون واعياً بحقوقه "هناك قرى بعيدة زرناها ولم نشعر بأنها معزولة، بسبب انفتاح العائلات فيها وطبيعة تربيتهم، وهذا يدل على أن تربية الأسرة تلعب دوراً كبيراً في نشر الوعي داخل المجتمع، خصوصاً عندما نتحدث عن وعي النساء، فعندما تكون المرأة واعية، يصبح المجتمع واعياً، وتصبح العائلات أكثر وعياً".

وأشارت إلى أن هذه المشكلة ليست موجودة فقط في القرى، بل إنها موجودة كذلك في الأقضية والنواحي وحتى في المدن، وهي في كثير من الأحيان تعود إلى طبيعة التربية داخل الأسرة، حيث ما تزال بعض العادات والتقاليد مسيطرة.

 

"الأمراض الخاصة بالنساء أصبحت سبباً لمشكلات أسرية لهن"

وتحدث جرو عمر عن أكثر الأمراض شيوعاً بين النساء بالقول أن الأمراض التي تواجهها النساء بشكل أكبر، هي في الغالب أمراض الجهاز التناسلي، مثل الالتهابات النسائية، والتهابات المسالك البولية، ووجود كتل في الثدي "خلال تنفيذ مشروع إرسال الأطباء المختصين إلى المناطق النائية في كرميان، قالت نساء وشابات خلال الندوات أنهن تعانين من مشكلات والتهابات في الرحم، لكنهن لا تعرفن سببها، لأنهن تشعرن بالخجل من الحديث عنها في المنزل أو إخبار عائلاتهن كي يأخذوهن إلى الطبيب".

وذكرت إحدى الحالات أنها أخبرت أهلها في البيت بأن أنفها يؤلمها، فقط لكي تتمكن لاحقاً من زيارة طبيبة مختصة بالنساء، وفي بعض الحالات يتسبب إخبار العائلات بالأمراض النسائية بمشاكل خاصة بالنسبة لغير المتزوجات.

والدستور العراقي ودستور إقليم كردستان كما توضح يتضمنان نصوصاً تتعلق بحقوق المرضى، ومنها قانون حقوق وواجبات المريض رقم (4) لسنة 2020، وهو أحدث وأبرز قانون في المجال الصحي صدر عن برلمان إقليم كردستان، ويحتوي على العديد من المواد المهمة التي تتحدث عن حقوق المرضى وواجباتهم.

وترى أن تنفيذ هذا القانون يقع على عاتق الجهات المسؤولة، ويمكن كذلك إضافة بعض البنود التي تصب في مصلحة المرضى وإعادة صياغة القانون من جديد "في بعض المناطق توجد مراكز صحية، لكن الأطباء المتخصصين لا يزورونها، كما أن هناك قانوناً آخر يتعلق بتدرج الأطباء وتوزيعهم، وينص على أنه يجب على كل طبيب أن يعمل لفترة معينة في القرى والمناطق النائية لتقديم الخدمات الصحية، لكن هذا القانون لا يُطبق في الواقع، وقد تكون هناك عدة أسباب وراء عدم تطبيقه".

 

"رسالتي إلى النساء: لا تلتزمن الصمت"

وفي ختام حديثها وجّهت جرو عمر رسالة إلى النساء قالت فيها "رسالتي إلى النساء هي ألا يلتزمن الصمت، بل أن تطالبن بحقوقهن، فالقوانين لم تُكتب لكي تبقى مجرد كلمات على الورق، بل كُتبت لكي تُطبَّق وتعيد الحقوق إلى أصحابها، الحق في الصحة بحسب قوانين العراق وإقليم كردستان هو حق أساسي مكفول للمريض ويجب تنفيذه. لذلك، إذا لم نصمت وطالبنا بحقوقنا، فإن ذلك سيساهم في توفير الحقوق الصحية ومعالجة أوجه القصور الموجودة في القطاع الصحي. إن صمت النساء، إلى جانب ضعف الوعي، يؤدي إلى آثار نفسية واجتماعية كبيرة عليهن، ولهذا فإن كسر الصمت والمطالبة بالحقوق يعد خطوة أساسية لحماية صحة النساء وضمان حصولهن على الرعاية التي تستحقينها".