النزوح القسري أداة ضغط لكسر إرادة الشعوب

قصف مكثف وتصعيد عسكري مستمر وتهجير قسري تحت النار، دفع آلاف العائلات، بينهم نساء وأطفال وكبار السن، إلى النزوح مجدداً من منازلهم وأحيائهم، تاركين خلفهم بيوتهم وممتلكاتهم وسط برد قارس وجوع وخوف مستمر.

أسماء محمد

قامشلو ـ واقع الحرب السورية يعكس فشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين، ويؤكد أن التهجير لم يعد نتيجة جانبية للحرب، بل أداة ضغط وعقاب جماعي تستهدف المكوّنات الأصلية، وعلى رأسها الشعب الكردي، لكسر إرادته وتفريغ مناطقه من سكانها.

في مشهد يتكرر منذ سنوات دون أن يجد طريقه إلى المحاسبة أو الإيقاف، تشهد مناطق إقليم شمال وشرق سوريا موجة نزوح قسري جديدة، طالت أهالي أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، إضافة إلى مدينة الطبقة والرقة، في ظل ظروف إنسانية وأمنية بالغة القسوة.

هذا النزوح لا يأتي بمعزل عن سياق طويل من الانتهاكات الممنهجة، بل يشكل حلقة جديدة في سلسلة التهجير القسري الذي تسببت به سياسات الحكومة المؤقتة ومرتزقة الاحتلال التركي، عبر القصف والتصعيد العسكري وخلق حالة دائمة من الخوف وانعدام الاستقرار.

وتزداد مأساوية المشهد مع دخول أهالي عفرين عامهم التاسع في النزوح المستمر، حيث لم تتوقف معاناتهم منذ احتلال مدينتهم، واضطرارهم للتنقل القسري بين الشهباء وحلب وأحيائها، ثم الطبقة والرقة، وصولاً إلى مدن إقليم شمال وشرق سوريا، في رحلة نزوح مفتوحة بلا أفق للعودة.

 

النزوح تحول إلى واقع دائم

تقول النازحة شيرين حسين من مدينة عفرين والتي تعيش اليوم بمدينة قامشلو في إقليم شمال وشرق سوريا، إن معاناة النزوح التي يعيشها أهالي المدينة تحوّلت إلى واقع دائم منذ قرابة تسع سنوات، مؤكدةً أن النزوح لم يكن محطة مؤقتة، بل مساراً قسرياً طويلاً تنقّل فيه الأهالي من مكان إلى آخر دون أي ضمانات للأمان أو الاستقرار.

وبينت أن رحلتهم بدأت بالنزوح من عفرين إلى الشهباء، قبل أن يُجبروا لاحقاً على الانتقال إلى مدينة حلب والعيش في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، لتتواصل موجات النزوح باتجاه الطبقة والرقة، وصولاً إلى مدينة قامشلو، نتيجة استمرار الانتهاكات والتصعيد العسكري، وغياب أي خطوات فعلية لوقف الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.

هذا التنقل القسري المتكرر كما توضح يعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى إبعاد الأهالي عن أرضهم بشكل تدريجي "الاحتلال ومرتزقته لعبوا الدور الأساسي في تعميق هذه المأساة، من خلال القصف، والاعتقالات، والخطف، وبث الرعب بين السكان، ما دفع آلاف العائلات إلى ترك منازلها بحثاً عن مكان أكثر أماناً".

 

جرائم جسيمة بحق المدنيين

وأوضحت شيرين حسين أن الانتهاكات لم تقتصر على القصف والتهجير، بل شملت جرائم جسيمة بحق المدنيين، حيث تعرض آلاف الأهالي للقتل والخطف، فيما كانت النساء الهدف الأبرز لسياسات الترهيب، من خلال الاعتداءات الجنسية والاغتصاب، في محاولة لكسر النسيج الاجتماعي وضرب دور المرأة في المجتمع.

وأضافت "الاحتلال ومرتزقته ارتكبوا جرائم مروعة بحق الأطفال، وصلت إلى حد قتلهم أمام أعين ذويهم، فقط لانتمائهم القومي أو الديني، ما خلف صدمة نفسية عميقة لدى الأهالي، وآثاراً طويلة الأمد ما زالت حاضرة في ذاكرة النساء والأطفال على حد سواء"، مشيرةً إلى أن النزوح القسري فاقم من حجم المعاناة الإنسانية، خاصة في ظل وجود أعداد كبيرة من الأطفال، وكبار السن من النساء والرجال، لافتةً إلى أن كثيراً من العائلات نزحت في ظروف مناخية قاسية، وسط البرد والأمطار خلال فصل الشتاء، دون توفر أدنى مقومات الحماية أو الدعم، ما جعل الحياة اليومية مليئة بالتحديات والمخاطر.

الخوف والذعر أصبحا جزءاً من حياة الأهالي، كما تقول حيث اضطروا لترك منازلهم وممتلكاتهم خلفهم، دون معرفة إن كانوا سيتمكنون من العودة يوماً ما، فالنزوح لم يسلبهم بيوتهم فقط، بل سلبهم الشعور بالأمان والاستقرار.

وناشدت المجتمع الدولي، والمنظمات الحقوقية والإنسانية، للخروج عن صمتها، وتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه ما يجري، داعيةً إلى الوقوف إلى جانب أهالي عفرين، وجميع المدنيين الذين يُجبرون على النزوح في مختلف مناطق سوريا، بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية.

 

توحيد الصف الكردي

وشددت شيرين حسين على أهمية توحيد الصف الكردي في مواجهة هذه التحديات، معتبرةً أن المرحلة الراهنة تتطلب موقفاً موحداً للدفاع عن الوجود، وحماية إقليم شمال وشرق سوريا من مخاطر التصعيد المستمر، الذي يهدد السلم الأهلي ويعمّق الأزمات الإنسانية "النساء كن ولا تزلن الضحية الأكبر لهذه الانتهاكات، حيث تعرض عدد كبير منهن للاختطاف والاغتصاب، في حين لا يزال مصير آلاف المفقودين مجهولاً حتى اليوم، وسط غياب أي معلومات عن أماكن وجودهم أو مصيرهم".

وتطرقت إلى الاتفاقات التي أُبرمت لوقف الهجمات، ومنها الاتفاق الذي جرى في دير حافر، مؤكدةً أن هذه التفاهمات لم تُحترم، حيث تم خرقها بشكل متكرر من قبل جهاديي هيئة تحرير الشام، وشهدت المناطق عمليات غدر وتقدم عسكري، إضافة إلى قطع الطرق والجسور، ما منع الأهالي من الخروج الآمن، وعرّض حياتهم لمخاطر كبيرة.

مأساة أهالي عفرين دخلت عامها التاسع، لتتكرر اليوم في مناطق أخرى مثل رأس العين/سري كانيه، بالألم ذاته والنزوح نفسه، وعلى ذلك وجهت شيرين حسين نداء إلى جميع الدول والقوى الفاعلة، من أجل توحيد الجهود ووضع حد للتصعيد العسكري، ووقف سياسة التهجير القسري التي تهدد مستقبل شعوب المنطقة.

 

مشهد إنساني مؤلم يعكس حجم المأساة

النازحة أمينة حسن من مدينة عفرين إلى حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، ثم اتجهت بعد الهجمات الأخيرة إلى مدينة قامشلو أوضحت الصعوبات القاسية التي واجهتها العائلات خلال خروجها القسري، نتيجة الانتهاكات المتواصلة التي تعرّض لها المدنيون في ظل التصعيد العسكري الذي شنته الحكومة المؤقتة وجهادييها ومرتزقة الاحتلال التركي.

وقالت إن الأهالي خرجوا من منازلهم في ظروف بالغة الخطورة، ولا يزالون حتى اليوم غير قادرين على استيعاب كيفية نجاتهم من تلك الهجمات، في ظل القصف المكثف الذي طال الأحياء السكنية، وتم فيه استخدام الأسلحة الثقيلة والقذائف، ما بثّ حالة من الخوف والهلع بين المدنيين.

والعائلات أُجبرت على النزوح بشكل مفاجئ، دون أن تتمكن من أخذ أي من مقتنياتها الأساسية، كما تبين أمينة حسن حيث تركوا منازلهم وأراضيهم خلفهم، وخرجوا في أجواء شديدة البرودة وظروف مناخية قاسية، برفقة أطفال ونساء وكبار في السن ومرضى، في مشهد إنساني مؤلم يعكس حجم المأساة التي يعيشها السكان.

واوضحت أن حالة الرعب التي رافقت الهجمات، والخوف على حياة الأطفال وكبار السن، تركت أثراً نفسياً بالغاً لدى الأهالي، مشيرةً إلى أن هذا النزوح القسري شكل عبئاً ثقيلاً وهمّاً كبيراً على العائلات، التي وجدت نفسها فجأة بلا مأوى ولا حماية، وتحت تهديد مباشر للقصف المستمر.

وبينت أن "الهجمات لم تتوقف عند حدود التهجير، بل أسفرت عن سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين، نتيجة القصف العشوائي واستخدام الأسلحة الثقيلة"، مؤكدةً أن هذه الجرائم تأتي امتداداً لمعاناة مستمرة منذ تسع سنوات، حيث يعيش الأهالي حالة نزوح متكرر بسبب الانتهاكات ذاتها، دون أي تحرك جاد من الجهات المعنية لوضع حد لها "الاحتلال التركي استهدف الأهالي على مدار السنوات الماضية بالقذائف والطيران، فيما تشهد المرحلة الحالية تصعيداً غير مسبوق يستهدف بشكل مباشر حيي الشيخ مقصود والأشرفية، ما يعيد إنتاج مشهد الحرب والتهجير القسري من جديد".

وأينما توجهت العائلات كما تقول أمينة حسن وجدت نفسها مجدداً أمام واقع النزوح "الأهالي لم ينعموا بالأمان في أي منطقة، بل واجهوا الخوف والجوع والبرد في كل محطة نزوح، نتيجة استمرار الهجمات والتصعيد العسكري. النزوح المستمر أدى إلى قطع الطرقات بين الأهالي، وتشتت العائلات، حيث بقي عدد كبير من ذويهم داخل المناطق المحاصرة، دون توفر أي معلومات عن أوضاعهم أو مصيرهم، ما زاد من القلق والمعاناة النفسية للنازحين.

وأختمت أمينة حسن حديثها بمناشدة المجتمع الدولي والدول المعنية للتحرك العاجل والفوري، من أجل إنقاذ المدنيين المتبقين تحت الحصار، ووقف الهجمات التي تستهدف الأحياء السكنية "صمت العالم إزاء ما يجري يفاقم الكارثة الإنسانية، ويضاعف من معاناة آلاف العائلات التي تعيش اليوم بلا مأوى ولا أمان".