النساء لسن مجرد ضحايا... السينما مساحة لإبراز القوة والهوية

على الرغم من أن الفرص المتاحة للنساء في بدايات السينما كانت محدودة، إلا أن النساء الكرديات، بإصرارهن، أصبحن اليوم، رغم التحديات الثقافية والمالية، صوتاً جريئاً.

هيفي صلاح

السليمانية ـ لم تعد النساء في الوقت الحاضر مجرد مشاركات عاديات في المجالات الفنية، بل يُنظر إليهن بوصفهن قوة رئيسية دافعة لتجديد اللغة والخطاب السينمائي.

تمكنت النساء من خلال رؤية مختلفة، من إعادة اكتشاف المعاني المرتبطة بالمفاهيم الإنسانية، ومن خلال تجاوز تلك العوائق الاجتماعية والسياسية التي كانت تقف أمامهن، وأثبتن أنهن قادرات على توجيه الفن السابع نحو أفق أكثر إنسانية وصدقاً.

ويُعدّ الفن السابع مصطلحاً يُستخدم للدلالة على السينما، ويعود تاريخ هذه التسمية إلى بدايات القرن العشرين، حين سعى النقاد والمفكرون إلى الاعتراف بالسينما بوصفها شكلاً فنياً مستقلاً ورفيعاً من الإبداع، يجمع في داخله مختلف الفنون الأخرى، ولِفهم سبب تسميته بالفن السابع، ينبغي معرفة قائمة الفنون الكلاسيكية التي سبقته، وهي: النحت، الرسم، العمارة، الموسيقى، الشعر والأدب، الرقص والمسرح.

وأصبحت السينما الفن السابع لأنها استطاعت أن تجمع تلك الفنون الستة التي سبقتها ضمن إطار واحد، فعلى سبيل المثال، في أي فيلم يمكن للمشاهد أن يستمع إلى الموسيقى، ويرى صوراً جميلة، ويشاهد في الوقت نفسه القصة والتمثيل وتصميم الأماكن والديكورات، حيث تتكامل جميعها لتشكّل لوحة حيّة.

وفي تاريخ صناعة الأفلام، كانت هناك دائماً محاولات لإيصال الأصوات المهمَّشة إلى مركز التأثير وصنع القرار داخل هذا المجال، ولم يكن هذا التغيير مقتصراً على تغيير الشخصيات فحسب، بل شمل أيضاً تغيير العقلية التي كانت تعتقد أن الإبداع يخص فئة محددة فقط، أما اليوم، فتُظهر النتائج أن الإبداع لا حدود له، وأن أي شخص يمكنه، من خلف الكاميرا، أن يصوّر العالم بطريقة مختلفة.

 

في بدايات السينما كانت الفرص المتاحة للنساء محدودة

في تاريخ السينما، كانت الفرص المتاحة للنساء في البداية محدودة جداً، وغالباً ما كان حضورهن يقتصر على إطار التمثيل فقط، لكن مع ظهور الحركات التجديدية وتكسّر القوالب التقليدية، اتجهت النساء إلى العمل خلف الكاميرا من أجل سرد القصص بالطريقة التي ترينها بأنفسهن، ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير في جنس المخرج، بل كان تغييراً في العقلية التي كانت ترى أن السينما ساحة خاصة بالرجال فقط.

ويظهر تأثير المخرجات على تطور الفن السينمائي في عدة مستويات مختلفة، فمن الناحية التقنية، يتبعن أسلوباً أكثر دقة وحساسية في استخدام الألوان والإضاءة وبناء الكادر، وهو أسلوب يعبّر غالباً عن العمق النفسي للشخصيات، وقد استطاعت هؤلاء الفنانات تغيير صورة المرأة في السينما من كائن ثانوي وضعيف إلى إنسان يمتلك القرار ويخوض النضال ويواجه تحديات كبرى.

 

المخرجات في كردستان أصبحن صوتاً جريئاً رغم التحديات

من حيث المضمون، تناولت المخرجات موضوعات كانت تُعدّ سابقاً من المحرمات أو كانت مهمّشة، فقد تحدثن عن حقوق الإنسان، والمساواة الجندرية، والآلام الخفية داخل الأسرة، وآثار الحروب، بطريقة تجعل المشاهد يشعر بصدقٍ استثنائي من خلال الفيلم.

ومن خلال السينما، استطاعت النساء إثبات قدراتهن في إدارة فرق إنتاج كبيرة والسيطرة على مواقع التصوير، كما تمكنّ من الفوز بجوائز عالمية كبرى مثل الأوسكار والسعفة الذهبية والأسد الذهبي.

واليوم أصبحت المخرجات في الشرق الأوسط، ولا سيما في كردستان، رغم كل التحديات، صوتاً جريئاً لنقل حقائق المجتمع إلى شاشة السينما، وهن يبرهنّ على أن الفيلم ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة قوية للتغيير الاجتماعي، ولإبراز تلك القوة الكامنة في أعماق النساء المبدعات التي تنتظر الفرصة لتتألق.

 

"النساء مستمرات في النضال"

وحول هذا الموضوع قالت المخرجة روزا حسن إن الفن يمتلك دوراً مختلفاً عن باقي الأنشطة، لأنه يجب أن يكون قائماً على معرفة عميقة بتاريخ النساء وتجاربهن الخاصة في مختلف أجزاء كردستان الأربعة وفي الوقت نفسه. فالمهم هو ما يُقدَّم على شكل صورة وما يُعرض أمام الجمهور.

وأوضحت أنه من الضروري أن يبقى التاريخ الغني والمشرّف لنضال النساء في إقليم كردستان حاضراً في أذهاننا، وأن ندرك أن النضال الذي تخوضه النساء اليوم ليس نضالاً جديداً؛ فالنساء عبر التاريخ كنّ في حالة كفاح وحروب ضد الاحتلال وبمختلف أشكاله.

وأشارت إلى أن النساء، إلى جانب ذلك أسسن منظمات المجتمع المدني وخضن نضالات متنوعة في مجالات عديدة، وتركْن بصمات واضحة، وترى أن مهمة الفنان هي إعادة إحياء هذه الأعمال مرة أخرى وتقديمها أمام الجمهور.

وأكدت أن تقديم صورة حقيقية للمرأة سيكون له تأثير حتمي على الأجيال القادمة، إذ سيجعلهم ينظرون إلى تلك التجارب ويستلهمون منها " من خلال الفن يجب إيصال مكانة المرأة إلى الجميع".

وبيّنت أن ثقافة المخرج وطريقة تفكيره تؤثران بشكل كبير في مضمون الأعمال الفنية، وهو ما ينعكس في أفلامهم، سواء في تقديم المرأة بوصفها ضحية أو بوصفها شخصية ناجحة وقادرة، مشيرةً إلى أنه عندما يكون المخرج أو كاتب السيناريو مثقفاً ويمتلك معرفة بتاريخ المرأة الكردية، ويدرك المكانة التي كانت تحتلها، فإنه لن ينتج مرة أخرى أعمالاً تُصوِّر النساء وكأنهن محصورات فقط داخل إطار المنزل، أو منشغلات بحياة روتينية لا تستطعن القيام فيها بأي شيء آخر.

وأضافت "عندما نتحدث عن الحياة المنزلية أو عن الأعمال داخل البيت، فليس المقصود التقليل من قدرات أي شخص، سواء كان امرأة أم رجلاً، فعندما يتحمل الإنسان مسؤولية داخل إطار الأسرة، يجب أن يؤديها على أكمل وجه، وهذه المسؤوليات يجب القيام بها كما ينبغي".

لكن مسألة توزيع هذه الأدوار بين المرأة والرجل كما تؤكد روزا حسن "تبقى مرتبطة بحياتهما واختياراتهما الخاصة، ولذلك فنحن لا نقلل أبداً من قيمة هذه الأدوار، مثل دور الأمومة أو مسؤوليات المنزل. إنما القضية الأساسية هي ألا تبقى المرأة محصورة فقط في تلك الأدوار التقليدية، فغالباً ما نرى المرأة محصورة في المطبخ، أو تُستخدم صورتها في الإعلانات الخاصة بمواد التنظيف، وكأن هذه هي أدوارها الوحيدة، بينما في الحقيقة للمرأة أدوار أهم وأكبر من ذلك بكثير، من بينها تغيير عقلية المجتمع وطريقة تفكيره، إضافة إلى دورها في تربية الأجيال القادمة".

وأكدت أن المجتمعات التي تمتلك نظرة سلبية أو تمييزية تجاه النساء يمكن تغيير هذه النظرة فيها من خلال النساء أنفسهن، عبر ما يقدمنه من أعمال ونضال، لأن الصورة اليوم أصبحت تمتلك تأثيراً أكبر من كثير من الوسائل الأخرى داخل المجتمع.

 

"النساء لسن مجرد ضحايا"

وقالت المخرجة روزا حسن إنه في الوقت الحالي توجد أكاديميات تعمل على إعداد وتأهيل المخرجات، وقد وصلن إلى مستوى جيد. ومع ذلك، فإن عددهن لم يصل بعد إلى المستوى الذي يطمح إليه المجتمع.

وأوضحت بالرغم من قلة العدد، فإن النساء الموجودات في هذا المجال تمتلكن أفكاراً ورؤى خاصة بهن، ومن المهم جداً أن يكون في المجتمع مثل هؤلاء النساء، كما يجب أن تكون أعمالهن الفنية بالمستوى الذي يلبّي توقعات الجمهور.

وأشارت إلى أنه من المهم بالنسبة لها تقديم الإنسان كما هو في واقعه، لأنه لا يمكن أن يكون الإنسان ناجحاً دائماً أو فاشلاً دائماً، لكن ما يجب التركيز عليه أكثر هو إبراز جوانب النجاح في تجارب النساء، حتى تترسخ في ذهن ووجدان المشاهد تلك الصورة التي تؤكد أن النساء لسن مجرد ضحايا، بل هن في الصفوف الأمامية في العمل والخدمة والنضال.