العنف ضد الفتيات في المدارس فشل تربوي أم إعلان إفلاس سياسي
مقال بقلم الناشطة الحقوقية والسياسية المغربية فطيمة فوزي
العنف ضد الفتيات في الوسط المدرسي ليس مجرد انحراف سلوكي عابر، بل هو في جوهره تعبير عن خلل بنيوي يتغذى من تمثلات ثقافية راسخة ومن اختلالات في ترتيب الأولويات داخل السياسات العمومية وفي هذا الإطار يصبح من الضروري التعامل مع الظاهرة باعتبارها سؤالاً سياسياً وأخلاقياً يمس معنى المدرسة نفسها هل هي فضاء للتحرر وإنتاج المواطنة أم مجرد مؤسسة لإعادة إنتاج علاقات القوة السائدة في المجتمع؟
إن الاقتصار على المقاربة الزجرية مهما كانت ضرورية في بعض الحالات يظل محدود الأثر ما لم يدمج ضمن رؤية وقائية تحويلية تعيد بناء المناخ المدرسي على أسس المساواة والكرامة وبالتالي فإن الانتقال من منطق العقوبة إلى منطق التحصين القيمي والبنيوي يقتضي إعادة النظر في طريقة تدبير الحياة المدرسية وفي مضمون الخطاب التربوي وفي طبيعة العلاقة بين المدرسة ومحيطها.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما يمكن تسميته بالعنف السيريالي ذلك العنف غير المرئي الذي يتخفى خلف المزاح اليومي والتعليقات العابرة والتنمر الرمزي والصور النمطية التي تقدم باعتبارها طبيعية أنه عنف يتسلل إلى الوعي دون ضجيج ويؤسس لقبول التمييز باعتباره قدراً، هذا النوع من العنف لا يواجه بالقوانين فقط بل بتفكيك البنيات الذهنية التي تسمح بوجوده ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة عميقة للمناهج والكتب المدرسية بما يضمن حضوراً منصفاً لصورة الفتاة والمرأة بعيداً عن القوالب الجاهزة التي تختزل أدوارها في نطاق ضيق.
وفي هذا الإطار، أيضاً يصبح من اللازم إرساء آليات مؤسساتية فعالة تتجاوز الطابع الشكلي من ذلك، كأحداث مرصد مدرسي محلي وجهوي لتتبع العنف القائم على النوع يشرك الأطر التربوية والفاعلين النقابيين وممثلي الأسر والتلاميذ ويعتمد تقارير دورية معلنة تكرس مبدأ الشفافية والمساءلة كما ينبغي تمكين خلايا الانصات من موارد بشرية متخصصة في الدعم النفسي والاجتماعي حتى لا تتحول إلى مجرد واجهات إدارية بلا أثر فعلي.
وبالتالي فإن القضاء على العنف السيريالي يمر أيضاً عبر تمكين التلميذات من فضاءات حقيقية للتعبير والمشاركة ليس بوصفهن موضوع حماية فقط، بل فاعلات في صياغة الحلول فالمجالس التلاميذية إذا فعلت بشكل ديمقراطي يمكن أن تتحول إلى مختبر يومي للتربية على المساواة وإلى فضاء لتعلم التفاوض والاختلاف دون عنف كما أن إدماج برامج التربية الرقمية النقدية من شأنه أن يحاصر أشكال العنف الإلكتروني والابتزاز الرمزي الذي يتفاقم في الفضاء الافتراضي.
وفي هذا السياق يظل البعد النقابي محورياً لأن الدفاع عن كرامة الفتيات داخل المدرسة لا ينفصل عن الدفاع عن المدرسة العمومية ذاتها فالاكتظاظ وغياب التأطير الكافي ونقص الأطر المتخصصة كلها عوامل تضعف القدرة على الوقاية والتدخل، ومن ثم فإن الترافع من أجل تحسين شروط العمل التربوي هو في الآن نفسه ترافع من أجل بيئة مدرسية آمنة ومنصفة.
إن التحليل الفلسفي للظاهرة يقودنا إلى اعتبار العنف ضد الفتيات شكلاً من أشكال الهيمنة الرمزية التي تحدث عنها الفكر النقدي هيمنة تمارس أحياناً دون وعي، لكنها تنتج آثاراً عميقة على الثقة بالنفس وعلى مسار التمدرس وبالتالي فإن مقاومته تقتضي إعادة بناء الوعي الجماعي داخل المدرسة عبر نشر ثقافة الاعتراف والاحترام المتبادل وتكريس مبدأ أن الكرامة ليست امتيازاً بل حقاً أصيلاً.
وفي هذا الإطار، يصبح الرهان الحقيقي هو تحويل المدرسة إلى فضاء يعيد توزيع السلطة الرمزية بشكل عادل بحيث تشعر الفتاة بأن حضورها مشروع وصوتها مسموع وجسدها مصون، وأن أي إصلاح تعليمي لا يضع هذه القيم في صلب أولوياته يظل إصلاحاً تقنياً بلا روح لأن الجودة لا تقاس فقط بالمؤشرات الرقمية بل بمدى شعور المتعلمات بالأمان والاعتراف.
وبالتالي فإن مناهضة العنف ضد الفتيات ليست معركة هامشية، بل هي اختبار لمدى جدية المشروع المجتمعي في تبني المساواة كخيار استراتيجي أنها معركة وعي قبل أن تكون معركة إجراءات ومعركة عدالة قبل أن تكون مجرد تدبير إداري وحين تنتصر المدرسة لكرامة فتياتها فإنها تنتصر لفكرة المجتمع العادل الذي نطمح إليه.