المتحف الوطني الأفغاني ذاكرة حضارية منهوبة

المتحف الوطني الأفغاني، يُعد من أهم رموز الهوية الحضارية للبلاد، لكنه تعرض خلال الحروب الأهلية وحكم طالبان لنهب وتدمير واسع أفقده جزءاً كبيراً من كنوزه، إلا أنه بقي شاهداً على الألم والمقاومة والأمل، فيما يُحرم النساء الأفغانيات من دخوله.

بهاران لهيب

كابول ـ يُعرف المتحف الوطني الأفغاني بأنه أحد أبرز المؤسسات الثقافية والتاريخية في البلاد، وقد اضطلع بدور محوري في صون الهوية الحضارية لأفغانستان، يضم كنوزاً أثرية تعكس تاريخاً يمتد لآلاف السنين، من حضارات باختر والكوشانيين واليونان والساسانيين وصولاً إلى البوذية والإسلام.

 

 

تأسس المتحف عام 1907 في عهد الملك أمان الله خان، حيث كانت الآثار تُعرض بدايةً في قصر باغ بالا، قبل أن تُنقل إلى المبنى الحالي في دار الأمان بكابول، وقد كان الهدف من إنشائه جمع وحفظ وعرض المكتشفات الأثرية من مختلف أنحاء البلاد، وخلال الفترة ما بين 1941 و1961، أصبح المتحف من أهم المتاحف في المنطقة، إذ أُجريت حفريات واسعة على يد علماء آثار محليين وأجانب، أُضيفت نتيجتها قطع أثرية ثمينة مثل التماثيل والعملات والأواني الفخارية والحلي والمخطوطات، ومن أبرز مقتنياته آثار "طلا تبه"، التماثيل البوذية، العملات اليونانية الباختريّة، ومكتشفات "آي خانم".

لكن مع اندلاع الحروب الأهلية عام 1991، دخل المتحف مرحلة مظلمة من تاريخه، فقد تحولت كابول إلى ساحة قتال، وتعرض مبنى المتحف للقصف مراراً، فيما نُهبت آلاف القطع الأثرية أو بيعت في أسواق التهريب الدولية، بعض الجماعات المسلحة، من دون أي إدراك لقيمة هذه الكنوز، حطمت واجهات العرض واستخدمت الآثار كمصدر لتمويل الحرب، مما ألحق ضرراً بالغاً لا يُعوض بالتراث الثقافي الأفغاني.

كما دُمّرت أجزاء من المبنى، وضاعت العديد من القطع تحت الأنقاض أو أُتلفت، فيما فُقدت السجلات والأرشيفات العلمية بالكامل، ليُسجل المتحف واحدة من أكثر الصفحات مأساوية في تاريخ الثقافة الأفغانية.

 

 

بعد استيلاء حركة طالبان على السلطة عام ١٩٩٧، كان يُرجى أن يُجنَّب المتحف الوطني المزيد من الخراب، غير أن الحقبة الأولى لحكمها كانت كارثية عليه، فقد تعاملت مع الآثار الفنية والتاريخية بمنظور متشدد، فوصفتها بـ "الأصنام" واعتبرتها "حراماً"، ورأت أن الاحتفاظ بها يتعارض مع عقيدتها.

وفي عامي ١٩٩٠ و٢٠٠٠، أصدرت طالبان أوامر بتدمير واسع للتماثيل والآثار غير الإسلامية، فحطمت عمداً عشرات القطع الأثرية داخل المتحف، فيما أُقصي موظفوه أو تعرضوا لتهديدات خطيرة، واضطر كثير من الخبراء إلى مغادرة البلاد، فتوقفت الأنشطة العلمية تماماً، وبالتزامن مع تفجير تماثيل بوذا في باميان، كان المتحف الوطني الأفغاني أيضاً ضحية لتلك الجريمة، إذ جرى محو جزء من الذاكرة التاريخية للبلاد عن قصد.

ومع سقوط النظام الأول لطالبان عام ١٩٩٠، بدأت جهود لإحياء المتحف، حيث تعاونت الحكومة الجديدة مع مؤسسات دولية لإعادة بناء المبنى واسترجاع بعض الآثار المنهوبة، ورغم أن بعض القطع عادت بفضل جهود اليونيسكو ودول أجنبية، فإن جزءاً كبيراً من كنوز المتحف فُقد إلى الأبد.

اليوم، يقف المتحف الوطني الأفغاني شاهداً على الألم والمقاومة والأمل؛ مؤسسة تسعى رغم الدمار إلى أن تظل حافظة لتاريخ وحضارة البلاد، وتُظهر قصته أن الحرب والتطرف لا يقتلان البشر فحسب، بل يمحوان أيضاً ذاكرة الشعوب الثقافية والتاريخية، إن حماية هذا المتحف هي في جوهرها حماية للهوية الوطنية للشعب الأفغاني؛ هوية قاومت النهب والتدمير، وما تزال بحاجة إلى وعي ودعم أجيال الحاضر والمستقبل.

وكما هو الحال في معظم المواقع التاريخية المغلقة أمام النساء الأفغانيات، كان المتحف أيضاً ضمن هذه القائمة، المفارقة أن النساء غير الأفغانيات يُسمح لهن بالدخول إليه بصفتهن سائحات وزائرات، بينما يحرم النساء الأفغانيات من هذا الحق الطبيعي.