المرأة الكردية في نوروز... نضال متجدد وإرادة لا تُقهر

مقال بقلم الصحفية التونسية حذامي محجوب

يحتل عيد نوروز مكانة راسخة في الوجدان الكردي، فهو ليس مجرد احتفال برأس السنة، بل هو رمز للحرية والانتصار، وإرث نضالي متجذر في تاريخ هذا الشعب، في 21 آذار من كل عام، يحيي الكرد ذكرى كفاحهم ضد الظلم، مستلهمين من أسطورة كاوا الحداد الذي أشعل شرارة الثورة ضد الطاغية ضحاك. ومنذ ذلك الحين، أصبح نوروز عيداً للتحرر والتجدد، لكن ملحمة النضال الكردي لم تكن حكراً على الرجال، فقد حفرت المرأة الكردية اسمها في سجل المقاومة بدمائها وصمودها، تقود وتقاتل وتنتصر، مجسدةً روح الحرية التي يمثلها هذا العيد.

لم تكن المرأة الكردية يوماً مجرد داعم في مسيرة التحرر، بل كانت في قلب المعركة، تحمل السلاح، تواجه الطغيان، وتقود الحراك السياسي والاجتماعي. في ظل الأنظمة التي حاولت طمس هوية الكرد، كانت النساء أول من واجه القمع، سواء في المعتقلات أو ساحات القتال أو عبر الحراك المدني. وما يميز المرأة الكردية أنها لم تنفصل عن قضايا شعبها، بل جعلت نضالها ضد التهميش والتمييز جزءاً لا يتجزأ من المعركة الكبرى من أجل الحرية. وفي تجربة سياسية فريدة، تبنّت الأحزاب والمؤسسات الكردية مبدأ التشاركية في السلطة، حيث تتساوى المرأة مع الرجل في قيادة الأحزاب والبلديات والمناصب السياسية والإدارية، ليصبح ذلك نموذجاً يُحتذى في المجتمعات الباحثة عن العدالة والمساواة.

نوروز بالنسبة للمرأة الكردية ليس مجرد عيد، بل هو تجديد للعهد مع المقاومة، وإحياء لذكرى المناضلات اللواتي سقطن دفاعاً عن الأرض والكرامة. فمنذ عقود، برزت النساء الكرديات كمقاتلات في الخطوط الأمامية، وناشطات في الحركات الحقوقية، ومتحدثات باسم قضيتهن أمام العالم، متخذات من نوروز منصة لإعلان استمرار النضال، لم يكن انتزاع هذا الدور سهلاً، فقد واجهت المرأة الكردية اضطهاداً مزدوجاً، قومياً وذكورياً، لكن إصرارها جعلها قوة لا يمكن كسرها. لم تكتفِ بالمطالبة بحقوقها، بل انتزعتها بالنضال والصمود، وباتت نموذجاً للمرأة الحرة التي تصنع التاريخ ولا تنتظر اعتراف أحد.

يأتي نوروز هذا العام في ظل تطورات سياسية فارقة، أبرزها ما يوصف بـ "نداء الحرية" للقائد عبد الله أوجلان، حيث يُنظر إليه كمحطة جديدة للنضال، يحتفل به الشعب الكردي بأمل الانتصار، مستلهماً دعوات السلام وبناء مجتمع ديمقراطي. واليوم، لم تعد المرأة الكردية مجرد رمز للمقاومة، بل أصبحت قوة محورية في المشهد السياسي والاجتماعي، تقود، وتواجه، وتفرض نفسها على الخارطة السياسية دون تردد.

برغم الاعتراف الرسمي بعيد نوروز في بعض الدول، تبقى القضية الكردية في قلب التحديات السياسية، فالمناطق الكردية لا تزال تعاني الاحتلال والنزوح وغياب الاعتراف الكامل بالحقوق. وفي قلب هذه المعركة، تخوض المرأة الكردية نضالاً مزدوجاً، من أجل حرية شعبها، ومن أجل كسر القيود التي تحاول حصرها في دور تابع. لكنها أثبتت أن التحرر الحقيقي لا يتحقق إلا بتكافؤ الأدوار، وأن أي نضال من أجل الحرية يجب أن يكون شاملاً، لا يستثني المرأة ولا يهمشها.

نوروز ليس مجرد احتفال، بل رسالة تحدٍّ وتجديد للعهد. في هذا العيد، يجدد الشعب الكردي تمسكه بحقه في الحياة الحرة الكريمة، وتجسد المرأة الكردية هذا المعنى بكل تفاصيله. لم تعد تنتظر الاعتراف بها، بل فرضت نفسها في ساحة النضال بقوة التضحيات والإنجازات. نوروز هو ضوء الأمل الذي لا يخبو، والنار التي لا تنطفئ، والعهد الذي لا يُكسر. ومن خلاله، ترسم المرأة الكردية ملامح المستقبل الذي تطمح إليه، مستندة إلى إرث طويل من الصمود والكفاح، وإيمان راسخ بأن الحرية تُنتزع ولا تُوهب.