المدارس في إيران... من بيئة تعليمية إلى تهديدات أمنية
في الوقت الذي تُقمع فيه الاحتجاجات، امتد الضغط على الطلاب إلى المدارس، وأصبحت الفصول الدراسية أداةً لتهديد المراهقين وتحديد هويتهم وقمعهم.
نسيم أحمدي
كرماشان ـ خلال الاحتجاجات التي عمّت إيران في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025، كان من أكثر الحقائق مرارةً وصدمةً الانتشار الواسع للأطفال والمراهقين الذين وردت أسماؤهم بين القتلى. استُهدف أطفال، كثير منهم لم يبلغ الثامنة عشرة بعد، بالرصاص لمجرد وجودهم في الشارع، أو هتافهم مطالبين بالحرية، أو حتى مرورهم بموقع الاحتجاج. تُظهر هذه الحقيقة أن النظام الإيراني لا يتردد في التضحية بأصغر أفراد المجتمع وأكثرهم عُزلةً للحفاظ على سلطته.
بحسب التقارير والإحصاءات المتاحة، فقد مئات الأطفال أرواحهم في الاحتجاجات الأخيرة برصاص مباشر من القوات الإيرانية؛ من بينهم أطفال دون سن الخامسة، حاول النظام ربط وفاتهم بمتظاهرين آخرين ومحو آثار قتلهم المباشر، لكن هذا العنف الذي تفرضه الجمهورية الإسلامية لا يقتصر على الشوارع، بل لا يزال حاضراً بأشكال مختلفة، حتى بعد مرور أكثر من شهر على الاحتجاجات.
فقد تحولت المدارس، التي من المفترض أن تكون من أكثر الأماكن أماناً للأطفال، إلى بؤر للضغط والترهيب. وتشير تقارير عديدة إلى أن قوات الأمن والإداريين الموالين للنظام حاولوا تحديد هوية المتظاهرين المراهقين وقمعهم باستدعاء الطلاب، وإجراء استجوابات غير قانونية، والتهديد بفصلهم، بل وإجبارهم على الاعتراف. في الواقع، تحولت المقاعد التي كان من المفترض أن تكون أماكن للتعلم والصداقة إلى كراسي تعذيب تحت وطأة الاختناق والخوف.
تفتيشات مهينة بذريعة الصحة
تروي (ف. ي)، وهي طالبة في مدرسة تقع في مدينة كرماشان، ما حدث معهم خلال فترة الاحتجاجات "بعد جمع هواتف جميع الطلاب وفحصها، أخبرنا مدير المدرسة ونائب مدير التعليم بوصول تعميم جديد من وزارة التربية والتعليم، يقضي بتحديد الطلاب المعرضين للإصابة بالملاريا. وبذريعة مماثلة، جمعوا الطلاب في فصل دراسي، وأعلنوا أنه يجب علينا الوقوف بملابسنا الداخلية فقط لفحص أجسادنا. لكننا سرعان ما أدركنا أن الهدف الحقيقي كان شيئاً آخر".
وأضافت "لم يكونوا يبحثون عن لدغات الملاريا، بل كانوا يبحثون عن آثار رصاص، وطلقات نارية، وأي علامات إصابة على أجسادنا. بعد التفتيش، فصلوا بعض الطلاب الذين كانت آثار الرصاص ظاهرة على أجسادهم، ورفعوا دعوى قضائية ضدهم، وقالوا إنه يجب التحقيق في حالتهم".
مع ذلك، فإن الضغط على الطلاب لمشاركتهم المحتملة في الاحتجاجات لا ينتهي بالتفتيش الجسدي أو فحص هواتفهم المحمولة؛ فقد حاول هؤلاء الأشخاص في المدارس أيضاً الضغط على عائلات الطلاب. تقول نازانين. ج وهي والدة إحدى الطلاب "يحق لنا نحن أولياء الأمور التدخل مباشرةً في شؤون المدرسة. عندما علمتُ أنا وعدد من الأمهات الأخريات بهذا التفتيش الجسدي وللهواتف المحمولة، توجهنا فوراً إلى المدرسة وأعربنا عن استيائنا وغضبنا. إلا أن مسؤولي المدرسة هددونا بأنه لا يحق لنا التدخل في أمورٍ تُمليها جهاتٌ عليا، وأن تفتيش هواتف الطلاب أو فحصهم جسدياً هو أمر يصب في مصلحتهم، وأننا أدرى من أولياء الأمور بالمشاكل التي قد يواجهها هؤلاء الطلاب، وأنه في حال عدم رضا أحدٍ عن هذا الإجراء، فلن يُرسل ابنه إلى المدرسة. كما هددونا أيضاً بأنه إذا أردنا نقل أبنائنا إلى مدرسة أخرى، فلن يُسلمونا ملفاتهم".
تشجيع الإبلاغ وسد الفجوة بين الطلاب
وأكد طلاب آخرون في مدارس مختلفة في كرماشان أنهم مروا بتجارب مماثلة، وفي الأسابيع الأخيرة، تكررت عمليات التفتيش الجسدي غير المعتادة عدة مرات في المدارس.
قالت مارال. ب التي تدرس شقيقتها في الصف التاسع "أخبرتني أختي أنهم أجبروا جميع الطلاب على الخضوع لفحوصات طبية بحجة الفحص الصحي. بعد ذلك، ألقى مسؤول التعبئة في المدرسة خطاباً مطولاً عن الجمهورية الإسلامية وضرورة استمرارها، وحث الطلاب على النأي بأنفسهم عن المتظاهرين. قال إن مثيري الشغب أشرار، ويجب ألا يقعوا في فخهم. بل إنه شدد على أنه إذا شارك أي فرد من أفراد أسرهم في الاحتجاجات، فعليهم إبلاغ المدرسة حتى تتمكن الحكومة، بحسب قوله، من مساعدتهم في الوقت المناسب ومنعهم من الوقوع في فخ الشيطان أكثر. إضافة إلى ذلك، شُجع الطلاب على إبلاغ مدير المدرسة إذا أيد أي من أصدقائهم المتظاهرين. في الواقع، لقد حرضوا الجميع ضد بعضهم البعض".
إن الضغط وفرض جو خانق على الطلاب في كرماشان هو بلا شك نمط تكرر في مدارس أخرى أيضاً. حاول النظام تطبيع الفحوصات الطبية وتحديد هوية الطلاب باستخدام مسميات مثل "زيارات صحية" أو "الفحوصات الصحية"، وهو إجراء استُهدف بوضوح في دوامة القمع التي تنتهجها الجمهورية الإسلامية، بعد أكثر من شهر على بدء قتل المتظاهرين في إيران.
في الواقع، بالإضافة إلى عمليات القتل والاعتقالات واسعة النطاق، ووفاة المتظاهرين تحت التعذيب، يعمل النظام على تحديد هوية كل من قد يُشعل الاحتجاجات مجدداً في المستقبل.
رواية ناشطة أطفال عن تصاعد الضغط:
تقول كوباري. ب وهي ناشطة في حقوق الطفل في كرماشان "لأول مرة منذ عام 1979، انضم الطلاب إلى صفوف المعارضة للجمهورية الإسلامية على نطاق واسع، فقتلت الحكومة عشرات الأطفال رداً على هذا التواجد. ومع ذلك، لم يتراجع الطلاب، وحوّلوا العديد من المدارس إلى ساحات نضال. وخلعت الطالبات في المدارس حجابهن كعلامة على الاحتجاج".
وأضافت "تظاهر الطلاب وهتفوا بشعارات مثل "الموت للديكتاتور". في الانتفاضة الأخيرة، فشلت عمليات القمع السابقة في بث الخوف والرعب الدائمين، وانضم الطلاب هذه المرة إلى الاحتجاجات بحضورٍ أكثر بروزاً. وقد دفع هذا الحكومة إلى إدراك أن معارضتها قد ترسخت في الأجيال الجديدة؛ ولذلك، كثّفت ضغوطها على هذه الفئة بشكلٍ ملحوظ. في الثورة الأخيرة، بلغ عدد الطلاب الذين قُتلوا المئات. لكن الحكومة لم تكتفِ بقتلهم في الشوارع، بل سعت، من خلال تخطيطٍ ممنهج، إلى إدخال عملية تحديد الهوية إلى المدارس. عمليات التفتيش الجسدي القسري، وتفتيش الممتلكات الشخصية، والتهديدات الموجهة للطلاب، والتحريض على التجسس على الأصدقاء وحتى أفراد العائلة، كلها جزء من هذه السياسة. تكشف هذه الإجراءات عن الجانب المظلم من وجود الجمهورية الإسلامية؛ حكومة تضطهد حتى الأطفال منذ الصغر، خشية أن يصبحوا معارضين لها في المستقبل".
لا يُعدّ هذا المستوى من التدخل الأمني والضغط على المدارس انتهاكاً صارخاً لحقوق الأطفال فحسب، بل إنه أفرغ المدرسة من وظيفتها الأساسية، ألا وهي التعليم، وحولها إلى مكان للتعذيب. فالمدرسة، التي كان من المفترض أن تكون بيئة آمنة للنمو والتعلم وتكوين الهوية، أصبحت بيئة أمنية يسودها الخوف في ظل حكم الجمهورية الإسلامية. في ظل هذه الظروف والجو المتوتر، لم يكتفِ النظام باستهداف وجود الأطفال، بل أخذ مستقبل هذا الجيل رهينةً بالتدخل في أفكارهم.