اللغة روح المجتمع

.

مقال بقلم غولبري بيلن

تُعدّ اللغة إحدى الركائز الأساسية للمجتمعات والشعوب، كما أنها عنصر أساسي في الهوية والثقافة الوطنية فاللغة ليست مجرد أداة للكلام والتواصل، بل هي كيان حيّ لشعب ما، وتُظهر هذه الحقيقة في الوقت نفسه أن العلاقة بين اللغة والإنسان تتجاوز بكثير مجرد علاقة عادية تقوم على التواصل.

يتعرّف الإنسان إلى العالم ويفسّره ويعبّر عن وجوده من خلال لغته الأم، واللغة بالنسبة إلى المجتمع أشبه بالشيفرة الأساسية للحياة، فالمجتمع الذي يتحدث بلغته، ويفكر بها، وينتج إبداعاته من خلالها، يؤكد في الوقت ذاته وجوده التاريخي والاجتماعي، وكما هو معروف، فإن فقدان اللغة يعني فقدان أحد أهم أسس الهوية.

 

كيان حيّ وشيفرة أساسية للحياة

اللغة هي الحامل الأساسي لثقافة الشعوب وتقاليدها وذاكرتها، فجميع الأعمال الأدبية، والحكايات، والأغاني، والملاحم، والقيم الأخلاقية تنتقل عبر اللغة من جيل إلى آخر، وتعمل اللغة كمكتبة حية تحتفظ في داخلها بماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها، ومن هنا، فإن حماية اللغة تعني حماية هذا الإرث الثقافي الغني.

يُتحدث في العالم بنحو سبعة آلاف لغة، إلا أن سياسات الاستيعاب القسري، والضغوط، والحظر المستمر، تدفع العديد من اللغات نحو الاندثار، واختفاء لغة ما لا يعني فقدان الكلمات فحسب، بل يعني أيضاً محو جزء من ذاكرة البشرية.

 

تاريخ عريق وتنوع ثقافي

اللغة الكردية في حقيقتها لغة عريقة جداً، وتنتمي إلى عائلة اللغات الهندو أوروبية، وتمتلك ثراءً كبيراً على مستوى اللهجات والقواعد والمفردات، وقد تطورت على مدى آلاف السنين في أرض بلاد الرافدين.

وهذا الثراء دليل على تنوع ثقافي وتاريخي واجتماعي فريد، فكل لغة هي نافذة ترى العالم بطريقة مختلفة، وتحمل منظومتها الخاصة في التفكير، وعلاقتها بالطبيعة، وتجربتها المتراكمة على مدى آلاف السنين.

يخوض الشعب الكردي منذ سنوات طويلة نضالاً دؤوباً من أجل الاعتراف بلغته الأم، لأن الاعتراف بلغة المجتمع والشعوب والأمم يعني بصورة مباشرة الاعتراف بوجودها وثقافتها وهويتها.

وفي تاريخ البشرية، لطالما اعتُبرت اللغة ركناً أساسياً في حماية ثقافة المجتمعات وتاريخها، وبالنسبة إلى الشعب الكردي أيضاً، فاللغة ليست مجرد أداة للكلام أو التواصل؛ إنها ذاكرة الشعب، وتاريخ مقاومته، ولون حياته ذاته، والنضال الذي يخوضه هذا الشعب منذ سنوات على هذه الأرض هو، في جوهره، نضال من أجل حماية كرامة الإنسان.

 

العلاقة الثلاثية بين اللغة والثقافة وتطور الوعي

هناك علاقة قوية وعميقة ومتبادلة بين اللغة والثقافة وتطور الوعي، وهذه الأبعاد الثلاثة ليست مجرد جوانب منفصلة من المجتمع والحياة الإنسانية، بل على العكس، هي ثلاثة أعمدة أساسية تبني منظومة الحياة والذاكرة الإنسانية، ولا يستطيع أحدها أن يعمل أو يتطور بمعزل عن الآخرين.

الثقافة هي حصيلة القيم والتقاليد والتاريخ وأسلوب الحياة الذي جمعه مجتمع ما حوله، واللغة هي الحارس والناقل الأكبر لهذه الثقافة، فكل ثقافة تمنح أفرادها، من خلال لغتها، فهماً خاصاً للعالم.

والكلمات التي تُستخدم في لغة ما للتعبير عن التجارب الثقافية تكشف الطريقة التي ينظر بها ذلك المجتمع إلى الكون والعالم من حوله، ولذلك فإن تغير الثقافة يؤثر بصورة مباشرة في اللغة، كما أن تغير اللغة يغيّر بدوره طابع الثقافة.

 

تطور الوعي وعلاقته باللغة والثقافة

يرتبط تطور الوعي ارتباطاً مباشراً باللغة والثقافة، ومن المعروف في علم النفس وعلوم الأعصاب أن الأطفال، من خلال اللغة، يقيمون علاقاتهم مع محيطهم ويتعلمون مفاهيم جديدة، فاللغة تطوّر الدماغ، والدماغ المتطور بدوره يجعل اللغة أكثر ثراءً.

وباختصار، فإن اللغة والثقافة والوعي هي ثلاثة جوانب لوحدة واحدة، فاللغة أداة للتعبير عن الثقافة، والثقافة تمنح اللغة محتواها، أما الوعي فهو الذي يجمع بينهما ويطوّرهما. ومن ثم، فإن حماية لغة ما وتطويرها يعنيان في الوقت نفسه حماية الثقافة وتنمية الوعي الإنساني.

فاللغة ليست مجرد أداة للتواصل والتفاعل، بل هي في حد ذاتها المجال الذي تتشكل فيه الأفكار، ومن خلال الكلمات والقواعد والنظام اللغوي، يبني الإنسان عالمه الداخلي، وكلما ازداد معجم اللغة وثراؤها، أصبحت أفكار الإنسان أوسع وأعمق.

 

سياسات الاستيعاب القسري والحق العالمي في اللغة الأم

من خلال سياسات الإنكار والاستيعاب القسري التي تُمارس على اللغة الكردية منذ قرون، يتمثل الهدف في إبعاد الشعب عن جذوره ومصادره الثقافية، أي جعله بلا جذور.

وفي مواجهة هذه السياسات، ظل الشعب الكردي يرد دائماً من خلال جهود حماية اللغة، وفتح مجالات التعليم، والعمل في المجال الأدبي، وكل خطوة اتُّخذت من أجل اللغة الأم أصبحت حاجزاً في وجه محاولات محوها.

اللغة الأم هي أكثر حقوق الإنسان عالمية ومشروعية، فالمطالبة بالاعتراف الرسمي باللغة الكردية ليست مجرد مطلب سياسي، بل هي في الوقت نفسه حق أساسي من حقوق الإنسان، وما لم يتم الاعتراف بلغة المجتمع في المجالات الرسمية والتعليم والحياة العامة، فلا يمكن الحديث عن المساواة والحرية، لذلك، فإن حماية اللغة الكردية وتطويرها مسؤولية أخلاقية ووطنية تقع على عاتق الجميع.

 

استمرارية نظام التعليم وردود الفعل في روج آفا

إن ردود الفعل في روج آفا على تقليص تدريس اللغة الكردية إلى ثلاث ساعات تتجاوز بكثير حدود هذه المسألة فبالنسبة إلى الكرد، لا يتعلق الأمر فقط بحماية حق التعليم باللغة الأم، وإنما أيضاً بضمان استمرار نظام التعليم الكردي الذي جرى بناؤه خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.

وقد بُني التعليم باللغة الأم في روج آفا في ظل أصعب ظروف الحرب والحصار، بجهود آلاف المقاتلين والمعلمين والمثقفين والعاملين في المجال الثقافي، وخلال السنوات الخمس عشرة الماضية، لم يتحول هذا النظام إلى مجرد أداة للتعلم فحسب، بل أصبح في الوقت ذاته ركناً أساسياً في حماية الثقافة والتاريخ والوعي المجتمعي.

ولهذا السبب، فإن تقليص ساعات الدراسة وحصرها في "ثلاث ساعات" لا يُنظر إليه على أنه مجرد تغيير في المنهاج الدراسي؛ بل تعتبره قطاعات من المجتمع والمعنيين بهذا الشأن محاولة لإضعاف مضمون هذا النظام المستقل وإفراغه من محتواه.

فاللغة الأم ليست مجرد أداة للتواصل، إنها روح المجتمع وهويته وذاكرته الجماعية، وفي جغرافيا تعرضت فيها لغة الشعب الكردي وثقافته، على مدى قرون، لسياسات الإنكار والمحو والاستيعاب، تحقق الحق في التعليم باللغة الأم بعد تضحيات جسيمة.

ولهذا، يُنظر إلى أي تقييد أو تدخل في هذا الحق باعتباره هجوماً مباشراً على وجود الشعب الذي يعيش في هذه المنطقة ومستقبله، وهذا ما يضع ردود الفعل التي تظهر في إطار أوسع بكثير، يتمثل في الدفاع عن الكرامة والوجود.

وتُظهر ردود الفعل التي ظهرت في المنطقة ضد هذا القرار أن المجتمع يتمسك بجهوده وعرقه ومنجزاته، فقد دفع شعب روج آفا على مدى سنوات، ثمناً باهظاً لكي يتعلم أطفاله بلغتهم، ويفكروا بها ويتطوروا من خلالها؛ ولذلك فهو لا يسمح بخنق هذه المكتسبات الاستراتيجية من خلال قرارات تقليصية أو قيود من هذا النوع.

إن القضية التي يجري الحديث عنها اليوم ليست بأي شكل من الأشكال قضية تقنية، ولا تتعلق بعدد ساعات الدروس. إنها نضال من أجل حماية الحرية والهوية ومستقبل التعليم باللغة الأم.

وما لم يتم إدراك هذه الحقيقة واحترام الجهد الذي بُذل على مدى خمسة عشر عاماً، فإن ردود الفعل المجتمعية الرامية إلى حماية هذا المكتسب ستستمر أيضاً.

 

الخط الرئيسي للهوية الوطنية

في روج آفا لم تكن قضية اللغة في أي وقت مجرد مسألة بسيطة تتعلق بالتواصل، أو قضية تقنية مرتبطة بالتربية والتعليم، فاللغة هنا هي في الوقت ذاته الخط الرئيسي والأهم لحماية الهوية والوجود الوطني لذلك، فإن القضية في روج آفا ليست قضية اللغة فحسب، بل هي قضية الهوية أيضاً فشعب بلا لغة هو شعب بلا هوية، وفقدان الهوية يعني الاندثار، وتوضح هذه المقولة بأشد صورة العلاقة بين وجود شعب ووجود لغته.

تتكون الهوية الوطنية من القيم الثقافية والتاريخية والاجتماعية واللغوية إلا أن اللغة من بين جميع هذه القيم، تشكل الركيزة الأساسية، فاللغة ليست مجرد كلمات وقواعد؛ إنها المجال الذي تتشكل فيه الذاكرة الاجتماعية، والفهم، وطريقة رؤية العالم.

وعندما تُحظر لغة شعب ما أو يجري استيعابها قسراً، فإن الهدف المباشر من ذلك هو قطع ذاكرته التاريخية وصلته بجذوره، ولهذا فإن حماية اللغة لا تعني حماية كلمة أو مجموعة من الكلمات فحسب، بل تعني حماية التاريخ بأكمله وكرامة الإنسان.

على مر التاريخ، فُرضت على الشعب الكردي سياسات قاسية من الإنكار والاستيعاب القسري، وتدرك الأنظمة الحاكمة جيداً أن الطريق الأسهل للقضاء على شعب ما هو حظر لغته الأم، وقد واجه الشعب الكردي في روج آفا هذه الحقيقة المؤلمة لسنوات طويلة.

ولهذا، فإن كل خطوة باتجاه التعلم والكتابة والتعليم باللغة الكردية ليست مجرد عمل ثقافي، بل هي في الوقت ذاته فعل مقاومة سياسية وكرامة، وإن فقدان اللغة، أي فقدان القدرة على استخدامها، يؤدي في نهاية المطاف إلى الاندثار داخل الثقافات المهيمنة.

واليوم، تمثل الجهود الرامية إلى تطوير اللغة الكردية في روج آفا، في مجالات التعليم والصحافة والأدب والحياة اليومية، رداً كبيراً على سياسات الحرمان والتهميش كما أن حق التحدث والتعليم باللغة الأم هو حق عالمي تعترف به القوانين الدولية أيضاً.

إن الأشخاص الذين يقرؤون ويفكرون ويقاومون بلغتهم يمتلكون وعياً وطنياً وإنسانياً قوياً وهذا الوعي يتيح لهم اتخاذ موقف في مواجهة الاستيعاب القسري.

في روج آفا، اللغة والوجود هما وجهان للنضال نفسه فالشعب الذي يتحدث بلغته ويكتب بها ويناضل من خلالها يثبت أن له وجوداً وإرادة على أرضه، والنضال من أجل اللغة هو نضال من أجل البقاء والاستمرار والوقوف على قدمين؛ لأن فقدان اللغة هو الاندثار بعينه.

 

دور النساء في حماية اللغة والدعوة إلى التمسك بها

يجب ألا يُخاض النضال من أجل اللغة بدافع المشاعر المؤقتة فحسب، بل ينبغي أن يكون منظماً ومنهجياً ومخططاً له ومتواصلاً، حتى يؤدي إلى نتائج دائمة.

تُعد النساء الركيزة الأساسية في حماية اللغة والثقافة والقيم الاجتماعية ونقلها، ولذلك فإن ريادة النساء في هذا المجال تُحدث تأثيراً كبيراً وقادراً على إحداث تغيير في المجتمع بأسره.

اللغة هي روح المجتمع، وإذا لم يتم التمسك بها ولم تُتخذ المواقف اللازمة لحمايتها، فإن ذلك سيؤدي في نهاية المطاف إلى فقدان الهوية والوجود.