الحرب تمتد إلى الرموز التاريخية وتدمير الذاكرة
لم تقتصر الحرب بين إيران وإسرائيل وأمريكا على إلحاق الأذى بأرواح المدنيين والبنية التحتية، بل وضعت أيضاً التراث الثقافي والآثار التاريخية في العديد من البلدان أمام خطر تدمير خطير، ما جعل الذاكرة التاريخية لإيران مهددة بالتآكل.
برشنك دولتياري
مركز الأخبار ـ في الأسبوع الرابع من الحرب بين إيران وإسرائيل وأمريكا، تجاوز نطاق العنف حدود الخسائر البشرية والبنى الاقتصادية، ليمتد إلى أحد أعمق مستويات الحياة الاجتماعية، أي التراث الثقافي والذاكرة التاريخية.
تشير التقارير الواردة في اليوم الثالث عشر من الحرب إلى تضرر أو تدمير 10 مواقع تاريخية في مناطق مختلفة من إيران وشرق كردستان من مجمعات بارزة في طهران إلى مراكز حضارية في أصفهان ومواقع تاريخية في غرب البلاد.
ولا يمكن تفسير هذه الأضرار بوصفها مجرد "خسائر جانبية" ضمن منطق الحرب، بل إن اتساعها وتوزعها وطبيعة الأهداف تشير إلى أن الفضاءات التاريخية بما في ذلك القصور والساحات والأنسجة الحضرية، قد تعرضت بشكل مباشر أو غير مباشر للأذى، وبهذا المعنى، تتحول الحرب الجارية تدريجياً إلى حرب ضد "الرموز المادية للتاريخ" أيضاً.
خريطة تدمير الفضاءات الرمزية
تشير البيانات الميدانية إلى تركّز الدمار في نقاط تحمل دلالات تاريخية ورمزية، ففي طهران، تضررت مجمعات مثل قصر كلستان، وسعدآباد، وساحة بهارستان، وأجزاء من السوق التاريخي، نتيجة موجات الانفجار أو الضربات المباشرة.
إن تدمير العناصر الزخرفية مثل النوافذ الخشبية المزخرفة (الأرسي)، وأعمال المرايا، والهياكل التاريخية، لا يمثل خسارة معمارية فحسب، بل يشكل أيضاً ضربة للتراث الفني متعدد الطبقات لهذه الفضاءات.
وفي أصفهان، باعتبارها واحدة من أهم المراكز التاريخية في إيران، فإن الأضرار التي لحقت بالمجمعات الصفوية بما في ذلك ساحة نقش جهان، وقصر جهلستون، وعالي قابو، والمسجد الجامع العباسي، تشير إلى امتداد الدمار إلى مواقع مسجلة عالمياً، هذه الأضرار ناجمة في الغالب عن موجات الانفجار، غير أن آثارها على استقرار الهياكل والزخارف التاريخية ستكون عميقة وطويلة الأمد.
وفي خرم آباد أيضاً، يظهر الهجوم على محيط مجمع فلك الأفلاك وتدمير المباني المرتبطة به أن حتى المناطق التي تحمل علامات حماية دولية للتراث الثقافي لم تسلم من هذا المسار.
ومن الناحية التاريخية، غالباً ما ارتبط تدمير التراث الثقافي بلحظات الانهيار السياسي أو التحولات العنيفة في السلطة، ومن الأمثلة البارزة على ذلك تدمير أصفهان إثر هجوم محمود الهوتكي في أوائل القرن الثامن عشر، وهو حدث لم يؤدِ فقط إلى سقوط نظام سياسي، بل تسبب أيضاً في أضرار واسعة للعمارة.
ما يحدث اليوم، رغم اختلاف السياق، يحمل أوجه تشابه مع تلك التجربة التاريخية من حيث النتائج: إضعاف استمرارية العمارة، والإضرار بالأنسجة التاريخية، وإحداث قطيعة في الذاكرة الحضرية. غير أن الفارق يكمن في أن هذا التدمير يحدث اليوم في إطار حروب حديثة وبأدوات متطورة، مما يزيد من نطاق تأثيرها وشدته.

أزمة القانون الدولي والفجوة بين الالتزام والواقع
يقوم نظام القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك اتفاقية لاهاي لعام 1954، على مبدأ أساسي يتمثل في حماية التراث الثقافي بوصفه جزءاً من التراث المشترك للبشرية، وفي هذا الإطار، تُلزم الدول والأطراف المتنازعة بالامتناع عن استهداف المباني التاريخية والمتاحف والفضاءات الرمزية، والاعتراف بحصانة هذه المواقع من خلال آليات مثل "الدرع الأزرق".
غير أن ما يحدث في ميادين الحرب لا يعكس تطبيق هذه الالتزامات، بل يكشف حدودها البنيوية، فالفجوة بين "القانون" و"القوة" تتجلى هنا بوضوح، حيث تُهمَّش القواعد القانونية عملياً أمام منطق البقاء والتفوق العسكري والأهداف الاستراتيجية.
وتشير تقارير عديدة إلى تدمير مواقع محمية أو حتى إساءة استخدام العلامات الوقائية بما في ذلك توظيف الرموز الدولية بشكل أداتي لتغطية أهداف مزدوجة أو لأغراض الحرب النفسية، وهو ما يدل على أن هذه الآليات ليست رادعة فحسب، بل قد تتحول أحياناً إلى أدوات ضمن الحرب نفسها.
ومن منظور تاريخي، غالباً ما يكون تدمير التراث الثقافي جزءاً من "سياسة التدمير"، فمن محو الرموز الحضرية في الحروب الحديثة إلى الاستهداف المتعمد للآثار في النزاعات المعاصرة، تعمل هذه العمليات على إعادة تشكيل الفضاء والذاكرة، وضمن هذا السياق، فإن إزالة المباني لا تعني فقط خسارة مادية، بل تعني أيضاً محو علامات الهوية والتاريخ، بل وحتى شرعية مجتمع بأكمله.
ما يتكشف من هذا الوضع ليس مجرد فشل لاتفاقية بعينها، بل أزمة أعمق في النظام القانوني العالمي؛ نظام لا تزال فيه "القوة" تتقدم على "القانون"، وما لم تُنشأ آليات تنفيذ مستقلة وغير مسيّسة لحماية التراث الثقافي، فإن هذه الالتزامات ستظل أقرب إلى بيانات أخلاقية منها إلى أدوات حماية فعلية، في مواجهة منطق الحرب، بلا تأثير يُذكر.

من توثيق الدمار إلى التآكل الصامت للهوية
في سياق الحرب، لا يكون خط الدفاع الأول عن التراث الثقافي هو الحماية المادية، بل "التوثيق الدقيق للدمار"، إن التوثيق المنهجي للخسائر عبر الصور، والخرائط، والروايات الميدانية يُعد الأداة الأخيرة المتبقية لتحويل الخراب إلى "دليل"، دليل يمكن أن يشكّل لاحقاً أساساً للمساءلة القانونية ضمن أطر مثل اتفاقية لاهاي لعام 1954، ومع ذلك، فإن هذه العملية نفسها تخضع لضغوط الواقع الحربي؛ فمحدودية الوصول، وانعدام الأمن المستمر، وخطر ضياع الأدلة قبل تسجيلها، تجعل من التوثيق مهمة محفوفة بالمخاطر وغير مستقرة، بعد أن كانت مجرد إجراء تقني.
وبالتوازي مع جهود التوثيق، تُتخذ إجراءات مثل نقل القطع الثمينة إلى مخازن آمنة، وإنشاء ملاجئ مؤقتة، وتقليل تعرض الآثار للمخاطر المباشرة، إلا أن هذه التدابير، بدل أن تعكس "استراتيجية حماية مستدامة"، تبدو أقرب إلى استجابات طارئة، فالحرب تُقصّر أفق التخطيط، وتضع المؤسسات المعنية في حالة من "التعليق الدائم"، حيث تُتخذ القرارات ليس وفق معايير مهنية طويلة الأمد، بل بناءً على ضرورات البقاء وتقليل الخسائر في اللحظة الراهنة.
ما لا يظهر بوضوح هو عملية "التآكل الثقافي" البطيئة ولكن المستمرة، فحتى في غياب التدمير الكامل، فإن تعطّل وظائف الفضاءات التاريخية، وانقطاع الصلة اليومية للناس بها، وتعليق الأنشطة الثقافية، كلها عوامل تُفرغ هذه الأماكن تدريجياً من معناها، وبهذا المعنى، لا يكون الدمار حدثاً مفاجئاً فحسب، بل عملية زاحفة تتغذى على استمرار انعدام الأمن وعدم الاستقرار.
وبعبارة أخرى، تتحول حماية التراث الثقافي في زمن الحرب إلى ساحة تنافس سياسي وإعادة تعريف تاريخي، فكل ما يتم توثيقه أو محوه سيصبح في المستقبل جزءاً من السردية الرسمية أو غير الرسمية للتاريخ، ومن هذا المنظور، فإن التوثيق لا يعني فقط تسجيل الماضي، بل التدخل في المستقبل أيضاً، أي تحديد ما سيتم تذكره وما سيُدفع نحو النسيان.
ضمن هذا الإطار، فإن العجز عن الحماية لا يقتصر على فقدان الآثار، بل يؤدي إلى إضعاف "الاستمرارية التاريخية"، وهو انقطاع قد يضع إعادة بناء الهوية الجماعية في مرحلة ما بعد الحرب أمام أزمة حقيقية.
ما يحدث اليوم هو انتقال من "الحماية الفاعلة" إلى "إدارة الدمار"؛ حالة لم يعد الهدف فيها منع التخريب بالكامل، بل توثيقه وتقليصه وتأجيله، وإذا لم يُكبح هذا المسار، فإن نتائجه ستتجاوز الدمار المادي، لتشمل تشكّل ذاكرة جريحة ومجزأة، ستُضطر الأجيال القادمة إلى إعادة بناء ماضيها وهويتها على أساسها.
