الفيضانات المميتة... كارثة طبيعية أم أزمة إدارية في أفغانستان؟
مع كل موسم لهطول الأمطار، تعود أفغانستان إلى حدادها؛ لكن السؤال يبقى: هل الطبيعة هي التي تقتل أم الإهمال وعدم الكفاءة في الإدارة؟
بهاران لهيب
أفغانستان ـ مع بداية العام الجديد، شهدت معظم ولايات أفغانستان هطول أمطار متواصلة، وقد تسببت هذه الأمطار مرة أخرى في وفاة العشرات في العديد من الولايات، من بينهم نساء وأطفال.
مع التغيرات المناخية في العالم، تتعرض الدول الفقيرة والمحرومة من الإمكانات لأضرار أكبر. ففي الشتاء الماضي، أدى تلوث الهواء، الذي يُعد استخدام مواد وقود غير مطابقة للمعايير أحد أسبابه الرئيسية، إلى وفاة مئات الأشخاص في المدن الكبرى بأفغانستان. والطريقة الوحيدة التي تساهم في الحد من هذا التلوث في أفغانستان هي تساقط الثلوج والأمطار. وفي الوقت نفسه، فإن غياب هطول الثلوج والأمطار يؤدي إلى نقص المياه وتفاقم الجفاف في البلاد.
إن الأمطار التي هطلت خلال الأسابيع القليلة الماضية منذ بداية العام، أدت إلى ارتفاع منسوب المياه في العديد من الولايات، ولا سيما كابول التي يعيش فيها أكبر عدد من سكان أفغانستان. كما أعلنت حركة طالبان أن مستوى المياه في عدد من السدود في مناطق مختلفة من كابول قد ارتفع.
في الشتاء الماضي، لم تتساقط الثلوج في كابول وبعض الولايات إلا مرة أو مرتين وبكمية قليلة، وهو ما لم يكن كافياً لتعويض نقص المياه. كما أن حركة طالبان لم تتخذ إجراءات فعالة للسيطرة على هذه المياه أو تخزينها. وبالتالي، يبقى الشعب الأفغاني، وخاصة النساء والأطفال، الضحية الأساسية مرة أخرى.
تتعدد أسباب الفيضانات في أفغانستان. أحد هذه الأسباب هو الطبيعة الجبلية للبلاد، إذ تشكل الجبال ثلاثة أرباع مساحتها، بينما لا تتجاوز الأراضي المنبسطة 20 إلى 25 بالمئة. ولهذا يعيش الكثير من الناس في المناطق الجبلية، حتى في العاصمة كابول.
كما أن المنازل المبنية في مختلف أنحاء أفغانستان ليست مطابقة للمعايير، خصوصاً تلك المشيدة في قلب الجبال الشاهقة، حيث لا تُراعى أي معايير هندسية. وتقع الكثير من هذه المنازل في مسارات السيول، مما يؤدي إلى تدميرها.

البناء غير المعياري… عامل خفي يفاقم الكوارث
ومن الأسباب الأخرى فأنه خلال السنوات العشرين الماضية، بُنيت منازل بمواد أفضل نسبياً في بعض الولايات، لكن لم يُؤخذ في الاعتبار ما إذا كانت هذه المباني مطابقة للمعايير من حيث الموقع أو القدرة على مقاومة الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية.
في الماضي، كان هناك قانون بين المنازل السكنية يمنع بناء أكثر من ثلاثة طوابق. لكن خلال العشرين عاماً الماضية، شيدت عمارات تضم طوابق عديدة ووحدات سكنية كثيرة. كما أن المواد المستخدمة في بناء هذه المباني كانت رديئة للغاية. وقد قال بعض الخبراء إنه إذا بلغت شدة الزلزال في كابول وبعض الولايات الأخرى ثماني درجات على مقياس ريختر، فإن هذه المدن ستتحول إلى أنقاض وكارثة دامية. ومع ذلك، لم يُولَ أي اهتمام لعمليات البناء غير المعيارية، واستمر هذا النهج حتى اليوم.
وفي القرى والمناطق الريفية النائية في أفغانستان، لم يُعاد بناء سوى عدد قليل من المنازل باستخدام مواد أكثر مقاومة. ونظراً لارتفاع تكلفة مواد البناء، لا يستطيع الناس تشييد منازل مطابقة للمعايير، فيعيشون في بيوت ورثوها عن الأجيال السابقة. وغالباً ما تكون هذه المنازل مبنية من الطين والخشب، مما يجعلها شديدة الهشاشة أمام السيول؛ إذ يفقد الناس خلال تدفق المياه ليس فقط منازلهم وممتلكاتهم، بل أحبتهم أيضاً.
وإلى جانب الطبيعة الجبلية التي تزيد من احتمالات حدوث السيول، تشهد مناطق كثيرة من البلاد زلازل متكررة، كما تؤدي الأمطار إلى حدوث انهيارات أرضية. وكما ذُكر سابقاً، فإن المنازل في العديد من المناطق، حتى في المدن الكبرى، بُنيت بطريقة غير معيارية. وبعض هذه المنازل يقع على تلال ترابية، مما يزيد من خطر الانهيارات الأرضية.

ثروات هائلة وكوارث متصاعدة
وعلى الرغم من أن أفغانستان تُعد واحدة من أفقر دول العالم، فإن جبالها الشاهقة، إلى جانب ما تسببه من مخاطر كالزلازل والانهيارات والسيول، تحتوي أيضاً على معادن ثمينة. وفي ظل وجود حكومة وطنية وديمقراطية، يمكن القول إن أفغانستان تمتلك القدرة على أن تصبح واحدة من أغنى دول العالم.
على مدى أكثر من أربعة عقود، قامت جميع الحكومات التي حكمت أفغانستان، إلى جانب الحروب والقتل والدمار، بنهب موارد البلاد ومعادنها بطرق مختلفة. ولم يكن مستوى هذا النهب خلال السنوات الأربع من حكم طالبان أقل من غيره.
وبحسب التقارير، فقد شهدت معظم ولايات أفغانستان خلال الأسابيع الأخيرة هطول أمطار وثلوج بشكل متواصل، ما أدى مرة أخرى إلى تدفق السيول. ونتيجة لذلك، وكما يحدث دائماً، تكبد أفقر سكان المناطق أكبر الخسائر البشرية والمادية. وتشير التقارير إلى وفاة نحو 51 شخصاً من السكان المحليين، بينهم نساء وأطفال، وإصابة 116 آخرين. كما فقد عدد من السكان حياتهم بسبب انهيار أسقف المنازل غير المعيارية.
وبشكل عام، فإن ما يواجهه الشعب الأفغاني اليوم ليس مجرد نتيجة للكوارث الطبيعية، بل هو حصيلة مباشرة للفقر، غياب الإدارة الفعالة، البناء غير المعياري، وإهمال الحكومات المتعاقبة خلال العقود الماضية. وإذا لم تُتخذ إجراءات جدية للسيطرة على المياه، وإدارة الموارد الطبيعية، وإنشاء بنى تحتية مقاومة، فإن دائرة الخسائر والضحايا ستستمر، وسيبقى المتضرر الأكبر، كما هو الحال دائماً، الناس العاديون، وخاصة النساء والأطفال.