الأمم المتحدة: التعذيب يستهدف النساء والفتيات بأنماط متعددة

طالبت وكالات الأمم المتحدة المناهضة للتعذيب الدولَ بتعزيز آليات الوقاية والمساءلة والإنصاف المراعية للنوع الاجتماعي، لضمان حماية النساء والفتيات من التعذيب وسوء المعاملة في مختلف السياقات.

مركز الأخبار ـ تواجه النساء والفتيات في العديد من السياقات أشكالاً من العنف القائم على النوع الاجتماعي، ما يجعل تعرضهن للتعذيب أكثر تعقيداً وارتباطاً بعوامل التمييز والوصم وعدم المساواة، الأمر الذي يتطلب   استجابات شاملة تراعي خصوصيتهن وتضمن حمايتهن وحقهن في العدالة.

أحيت آليات الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب أمس الجمعة 26 حزيران/يونيو، اليوم الدولي لمناهضة التعذيب مؤكدة تضامنها مع الضحايا، وفي بيان مشترك صادر عن المقرر الخاص المعني بالتعذيب، ولجنة مناهضة التعذيب، واللجنة الفرعية لمنع التعذيب، وصندوق الأمم المتحدة لضحايا التعذيب، شددت الهيئات الأممية على أن التعذيب ليس فعلاً محايداً من الناحية الجندرية"، في إشارة إلى أن أنماط التعذيب وتأثيراته تختلف باختلاف النوع الاجتماعي.

وأكد البيان أن النساء والفتيات يواجهن أشكالاً من التعذيب وسوء المعاملة في مراكز الاحتجاز والسجون ومناطق النزاع وطرق الهجرة والمؤسسات المغلقة، بما في ذلك العنف الجنسي والتفتيش العاري والإذلال والتدخل في الصحة الإنجابية والحرمان من الرعاية الصحية والتهديدات والوصم.

وأشار إلى أنه لا يمكن الاكتفاء بمجرد سن تشريعات تحظر التعذيب، بل إنها ملزمة أيضاً بإنشاء آليات ملموسة ومتاحة وآمنة لإجراء تحقيق فعال، ومنع الإفلات من العقاب، وإعادة تأهيل الضحايا، والوصول إلى العدالة.

وكشف بيان الأمم المتحدة لهذا العام أيضاً أن الحظر القانوني وحده لا يكفي للقضاء على التعذيب، ففي العديد من دول العالم لا يزال التعذيب قائماً في مراكز الشرطة والسجون ومراكز احتجاز المهاجرين ومناطق العمليات العسكرية، وفي قمع الاحتجاجات.

وتُظهر التقارير السنوية الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان، أن التعذيب وسوء المعاملة ممارسات تُستخدم بشكل متكرر ليس فقط من قبل الأنظمة الاستبدادية، بل أيضاً من قبل الأجهزة الأمنية للدول التي تُصنّف نفسها بأنها "ديمقراطية".

وتم تحديد ثلاثة عوامل تساهم في التراجع الملحوظ في مكافحة التعذيب في السنوات الأخيرة، أولًا صعود السياسات الأمنية فبذريعة "مكافحة الإرهاب" و"أمن الحدود" و"مكافحة الهجرة غير النظامية" و"مكافحة الجريمة" أو "الحفاظ على النظام العام"، تقوم الدول بنقل المؤسسات المغلقة ومراكز إنفاذ القانون إلى مواقع أقل خضوعًا للرقابة، وتُعدّ الوفيات والادعاءات بسوء المعاملة في مراكز احتجاز المهاجرين في الولايات المتحدة أمثلة حديثة على ذلك فقد دعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان مؤخراً إلى إجراء تحقيق مستقل في الوفيات التي تحدث أثناء احتجاز المهاجرين لدى إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، كما أفادت منظمة هيومن رايتس ووتش بوقوع 52 حالة وفاة في مراكز احتجاز المهاجرين لدى إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية خلال أول 500 يوم بعد عودة ترامب، وهو معدل وفيات بلغ أعلى مستوى له في العقد الماضي.

في أوروبا، تُنتقد عمليات صدّ اللاجئين وتفويض الاتحاد الأوروبي لمراقبة الحدود إلى دول ثالثة باعتبارها نهجاً أمنياً يهدف إلى ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان خارج الحدود، ويشير تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش، استناداً إلى بيانات عام 2025 إلى عشرات الآلاف من عمليات الصد في بولندا وبلغاريا وإلى حشد خفر السواحل الليبي المدعوم من الاتحاد الأوروبي لإيقاف أكثر من 27 ألف شخص قبل وصولهم إلى الحدود الأوروبية، كما تتضمن تقارير منظمة العفو الدولية العالمية مزاعم بسوء معاملة أسرى الحرب والمدنيين في الشرق الأوسط ومناطق النزاع، فضلاً عن حالات الاختفاء القسري والتعذيب وإعدام أسرى الحرب في الأراضي التي تحتلها روسيا في أوكرانيا، وفي آسيا تسلط هيومن رايتس ووتش الضوء على مثال سريلانكا حيث تتشابك قوانين "مكافحة الإرهاب" مع الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب.

ثانيًا، الإفلات من العقاب في معظم البلدان لا يتم التحقيق في حالات التعذيب على الإطلاق، أو أن مرتكبيها وهم موظفون عموميون، يتمتعون بحماية إدارية، أو حصانة قضائية، أو عرقلة الأدلة، أو الدفاع عن "استخدام القوة أثناء أداء الواجب"، في الملاحظات الختامية لدورة لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب لعام 2026 بشأن الغابون وإيطاليا وباكستان وطاجيكستان، كان الإفلات من العقاب، وعدم وجود تحقيق فعال، وانعدام الضمانات الأساسية في الاحتجاز، عوامل أساسية في عدم تنفيذ الاتفاقية.

ويسلط التقييم السنوي لعام 2026 للجنة منع التعذيب التابعة لمجلس أوروبا الضوء أيضاً على الإخفاق المستمر منذ زمن طويل في تنفيذ التوصيات في مراكز الشرطة والسجون ومراكز احتجاز المهاجرين ومرافق الرعاية المغلقة، ومخاطر سوء المعاملة، وتطبيع الاكتظاظ في السجون، ولا يزال وصول الضحايا إلى آليات التظلم محدوداً في كثير من الأماكن؛ فحتى وإن وُجدت نظرياً إمكانية الوصول إلى الاستشارة القانونية والفحوصات الطبية المستقلة والمراجعة القضائية السريعة وسبل الاستئناف الآمنة، فإن الحماية الحقيقية غير ممكنة دون إشراف مستقل ومنتظم في المرافق المغلقة، كما أكدت الأمم المتحدة وآليات منع التعذيب الإقليمية باستمرار.

ثالثاً ترسيخ ثقافة القمع والعنف فالتعذيب ليس مجرد أسلوب أمني تستخدمه الدولة خلف الأبواب المغلقة بل أن تجريد الضحية من إنسانيتها في الخطاب الاجتماعي من خلال تصنيفات مثل "إرهابي" و"مجرم" و"مهاجر غير شرعي" و"خائن" يُولّد قبولاً اجتماعياً لعنف الدولة، هذه الثقافة تُخفي عنف الدولة بينما تسلب الضحية حقوقها، وتُغذي مناخاً سياسياً يُحوّل أجهزة إنفاذ القانون وموظفي السجون، والوحدات العسكرية إلى أدوات للانتقام، لا للقانون.

النساء والفتيات

وأوضحت المنظمات في بيانها أن تركيز الأمم المتحدة هذا العام على النساء والفتيات في سياق مكافحة التعذيب ليس مجرد اختيار موضوعي، بل هو جهدٌ لإبراز الخلفية الاجتماعية للتعذيب. فغالباً ما يتخذ التعذيب ضد النساء والفتيات أشكالاً متعددة، منها العنف الجنسي والتهديد بالشرف والعار، والإضرار بالأسرة، والضغط على الأمومة والقدرة الإنجابية، والتفتيش العاري والانتهاكات الممنهجة للخصوصية، لذا يجب معالجة مكافحة التعذيب ليس فقط من خلال التحقيقات الجنائية، بل أيضاً بالتزامن مع المساواة بين الجنسين، والحق في الصحة، والدعم النفسي والاجتماعي، وآليات الوصول الآمن، وسياسات العدالة التي تركز على الضحايا.

وأكد أن تحقيق العدالة للناجين ليس عملاً خيرياً، بل التزام قانوني وواجب أخلاقي، مشدداً على أن التعذيب لا تنتهي تبعاته عند توقفه، بل يخلّف آثاراً عميقة ودائمة تمتد إلى أجساد الضحايا ونفسياتهم، وتطال أسرهم ومجتمعاتهم لسنوات طويلة.