الاحتجاجات مستمرة في سيستان وبلوشستان في ظل القمع والانتهاكات

مع استمرار الاحتجاجات على مستوى البلاد، أفادت التقارير الواردة من سيستان وبلوشستان بالقمع الدموي للمحتجين من قبل النظام الإيراني، حيث قُتل الآلاف واعتقل عشرات الآلاف، بمن فيهم النساء والأطفال.

مركز الأخبار ـ اندلعت الاحتجاجات في إيران في الثامن والعشرين من كانون الأول/ديسمبر الماضي في طهران وامتددت إلى العديد من المدن ولا تزال مستمرة حتى الآن، لتصبح واحدة من أوسع الاحتجاجات المناهضة للسلطة.

في معظم مدن سيستان وبلوشستان، خرج الناس إلى الشوارع للمطالبة بإنهاء القمع، وتشير التقارير إلى أن النظام الإيراني استخدم خلال هذه الاحتجاجات مواد كيميائية ضد المحتجين، ما أسفر عن مقتل الآلاف واعتقال عشرات الآلاف بينهم نساء وأطفال، وأكد نشطاء ومنظمات حقوق الإنسان بالإضافة إلى شبكة توثيق حقوق الإنسان في بلوشستان، تحت اسم قناة "حملة نشطاء بلوشستان" وقناة "حال وش" التي تغطي الأحداث في سيستان وبلوشستان أن من بين المعتقلين والقتلى في الاحتجاجات التي دخلت أسبوعها الرابع نساءً وأطفالاً، وأن السلطة تحاول قمع هذه الأجيال الواعية والفاعلة بعنف واسع النطاق، ويُشابه هذا الحضور التاريخي للنساء والشباب في الاحتجاجات الانتفاضات السابقة مما يدل على وعي سياسي عالٍ ورغبة في تغيير جذري لدى الشعب.

 

 استخدام الغاز الكيميائي ضد المتظاهرين

يُظهر مقطع فيديو قصير مشهداً قاتماً يجسد عنف النظام الإيراني المنفلت، يظهر في التسجيل عناصر الأمن وهم يرتدون أقنعة واقية من المواد الكيميائية، فيما تشير تقارير ميدانية وشهادات شهود عيان إلى وجود دلائل على احتمال استخدام هذه القوات مواد كيميائية محظورة ضد المحتجين السلميين في بعض المناطق داخل إيران.

وأفاد مواطن استُهدف بالغاز المسيل للدموع الذي أطلقته قوات الأمن خلال الاحتجاجات الأخيرة، أنه بعد مرور أكثر من أسبوع، لا يزال يعاني من أعراض جسدية حادة، تشمل ارتفاع ضغط الدم، وتسارع ضربات القلب، وآلام المعدة، والصداع، والدوار، كما أكد الطبيب المعالج أن عدداً كبيراً من المرضى قد راجعوا المراكز الطبية بأعراض مماثلة، وأن هذه الحالة قد تكون ناجمة عن استخدام مواد كيميائية تُعرف باسم "الغاز المسيل للدموع"، والتي تُخلّ بشدة بوظائف الجسم الطبيعية.

سبق أن حُذر من أن النظام الإيراني قد يلجأ إلى استخدام مواد كيميائية أو سامة لقمع الاحتجاجات السلمية واستناداً إلى "تقارير موثوقة" هناك مؤشرات على استخدام مواد كيميائية ضد المدنيين، وهو ما قد يُعتبر، في حال تأكيده، انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان وجريمة ضد الإنسانية .

الأمر المؤسف هو أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية موقعة على اتفاقية الأسلحة الكيميائية، وأي استخدام مثل هذه المواد المحظورة، بالإضافة إلى عواقبه القانونية والسياسية الواسعة النطاق على المستوى الدولي، يعكس عمق الأزمة الأخلاقية والانتهاك الوحشي لحقوق الإنسان في هذا النظام.

تُعتبر صلاة الجمعة طقساً دينياً رسمياً في إيران، لكنها في مدينتي سيستان وبلوشستان تحولت إلى ساحة للتعبير عن الاحتجاج والتجمع السياسي، فقد حوّل المحتجون الذين يتجمعون في الساحات بعد الخطب هذا الطقس الديني إلى ساحة للاحتجاج السياسي، مرددين شعارات ضد النظام السياسي ونظام ولاية الفقيه، ومطالبين بالديمقراطية والمساواة، وهو ما يراه المحللون السياسيون مؤشراً على تحول الاحتجاجات من القضايا الاقتصادية إلى المطالب السياسية والهيكلية.

إن رسائل الشعارات والحضور النشط للناس في سيستان وبلوشستان يدلان على أن مجتمع هذه المدينة، مثل العديد من المدن الأخرى، قد وصل إلى مستوى أعلى من الوعي السياسي؛ فلم يعد الناس يحتجون فقط على الفقر والمشاكل الاقتصادية بل يطالبون بشعارات واضحة بهيكل سياسي جديد، والقضاء على التمييز، والحريات المدنية، وإنهاء الحكم الاستبدادي، وهي مطالب تشكلت من احتجاجات سابقة وحركة اجتماعية طويلة الأمد.

ومن أبرز سمات هذه الانتفاضة في سيستان وبلوشستان هتف المحتجون بشعارات مناهضة للسلطة وللمرشد الأعلى، بل وللنظام البهلوي، مثل "لا للملكية، لا للقيادة، الديمقراطية والمساواة"، و"السيادة والاستقلال جريمة عمرها مئة عام"، و"الموت للطاغية، سواء أكان ملكاً أم قائداً"، و"الموت للديكتاتور"، و"الموت لخامنئي" وغيرها، وتدل هذه الشعارات على الوعي السياسي للشعب وابتعاده عن المطالب الاقتصادية البحتة.

 

استمرار القمع وقيود الاتصالات

يُظهر انقطاع الإنترنت على نطاق واسع والقيود المفروضة على الوصول إلى المعلومات جهود السلطات لإخفاء حجم حملة القمع وامتدادها إلى مناطق أخرى، وتشير التقارير إلى أنه على الرغم من هذه القيود، فقد نُشرت صور ومقاطع فيديو لمحتجين من بلوشستان مصابين وقتلى على وسائل التواصل الافتراضي ووسائل الإعلام المستقلة، وقد أدت هذه الاضطرابات، إلى جانب الضغوط الاقتصادية المتزايدة، إلى تفاقم الوضع الإنساني في سيستان وبلوشستان.

في حين لم يتم نشر التقارير الرسمية والمستقلة بشكل كامل حول العدد الدقيق للوفيات والاعتقالات خلال الاحتجاجات في سيستان وبلوشستان، فإن مصادر حقوق الإنسان ووسائل الإعلام الدولية تقدم صورة أوضح لدور المدينة في الانتفاضة على مستوى البلاد في إيران.

 من جهة أخرى، أفاد نشطاء سياسيون ومنظمات حقوقية بأن سكان المحافظة، ولا سيما في مدن زاهدان وإيرانشهر وغيرها، خرجوا إلى الشوارع احتجاجاً على القمع العام والوضع الاقتصادي والسياسي المتردي، مطالبين بتغييرات جذرية في النظام، وتشير الإحصاءات الوطنية إلى أن عدد الجرحى والقتلى والمعتقلين في الاحتجاجات تجاوز خمسة آلاف شخص، مع العلم أنه لم يتم الإعلان رسمياً عن الأرقام التفصيلية الدقيقة.

تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من عدم الإبلاغ عن البيانات المفصلة، مثل الإحصاءات المنشورة في بعض الانتفاضات السابقة، في المصادر الدولية فإن تاريخ الحصة الكبيرة لمحافظة سيستان وبلوشستان في الاحتجاجات يظهر أنها شاركت بنشاط في موجات الاحتجاجات السابقة وأن الاشتباكات والقمع مستمرات هناك.

وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أنه نظراً لانقطاع الإنترنت على نطاق واسع، وعدم تمكن الصحفيين المستقلين من الوصول إلى المعلومات، وقمعها الشديد، لم تُنشر بعد إحصاءات دقيقة ومفصلة محلياً (مثل عدد الوفيات أو الاعتقالات في سيستان وبلوشستان فقط) في المصادر الرسمية، وقد تُحدَّث التقارير الحالية بعد إجراء مزيد من التحقيقات، لذا فإن ما يُقدَّم في التقرير أعلاه هو مزيج من المعلومات الموثوقة وتحليل للأوضاع العامة للاحتجاجات حتى تاريخ إعداد التقرير.