الاحتجاجات في إيران... قمع لا هوادة فيه من الشوارع وصولاً إلى السجون والمقابر

دخلت الاحتجاجات الشعبية في إيران شهرها الثاني وسط تصاعد القمع الأمني، حيث وثقت تقارير حقوقية آلاف الوفيات والمعتقلين، إلى جانب اعترافات قسرية وانتهاكات، وتحوّلت مدن عدة إلى ساحات قمع منظم في مشهد يعكس الانهيار الحقوقي والإنساني للنظام.

مركز الأخبار ـ في مواجهة الاحتجاجات الشعبية، لم يكتفِ النظام الإيراني بممارسة القمع المنهجي والانتهاكات الجسيمة لحقوق المواطنين، بل أظهر كذلك ملامح الانهيار الأخلاقي والقانوني الذي يعيشه.

دخلت الاحتجاجات الشعبية في جميع أنحاء البلاد اليوم الثلاثاء 27 كانون الثاني/يناير، يومها الأول من الشهر الثاني، وتُظهر سلسلة من التقارير الأخيرة عن الاعتقالات الواسعة النطاق، والاعترافات القسرية، وانقطاع العلاج الطبي، وإطلاق النار على الأطفال، وتفاقم الأزمة الإنسانية في السجون، حيث تبنى النظام الإيراني سياسة قمع سافرة ومنهجية في مواجهة الاحتجاجات الشعبية، وهي سياسة لا تستهدف المحتجين فحسب، بل تستهدف أيضاً الطاقم الطبي والأطفال والأسر والحق في الحياة، وتقدم صورة واضحة عن الانهيار الأخلاقي والقانوني للنظام.

 

اعتقالات في شرق كردستان

وبحسب التقارير المنشورة، في استمرار لتصاعد وتيرة اعتقال المواطنين والناشطين المدنيين، ألقت قوات الأمن القبض على أربعة مواطنين في مدينة إيلام، ومنذ ذلك الحين، لم تتوفر أي معلومات عن أوضاعهم أو مكان وجودهم أو ظروفهم، كما لم تُعلن التهم الموجهة لهم رسمياً بعد.

ووفقاً للتقارير المنشورة، أُلقي القبض على طبيبة من أردبيل قبل نحو عشرة أيام إثر مداهمة قوات الأمن لمنزلها الخاص، ومنذ ذلك الحين لم يُكشف عن أي معلومات بشأن مكان وجودها أو حالتها الصحية أو وضعها القانوني، وتقول مصادر مطلعة إن اعتقالها جاء على خلفية مساعدته للمصابين في الاحتجاجات الأخيرة، في استمرار لتكثيف الضغوط الأمنية على الطاقم الطبي، وتوسع نطاق القمع ليشمل المجالات الإنسانية والمهنية.

وتجري هذه الاعتقالات في الوقت الذي تشير فيه التقارير المستمرة الواردة من مدن مختلفة في شرق كردستان إلى استمرار الضغوط الأمنية والاعتقالات التعسفية وتزايد الهجمات على نشطاء المجتمع المدني والنقابيين والمواطنين العاديين.

 

حصيلة متضاربة في عدد القتلى والاعتقالات

وأفادت وكالة أنباء هرانا، التابعة لنشطاء حقوق الإنسان في إيران، أن حصيلة اليوم الثلاثين من الاحتجاجات بلغت 6126 وفاة مؤكدة، بينها 5777 من المحتجين، و86 طفلاً دون سن 18 عاماً، و214 من قوات الأمن، و49 مدنياً، فيما لا يزال 17091 حالة وفاة قيد التحقيق، كما سجلت الوكالة توقيف 41880 شخصاً، وإصابة 11009 بجروح خطيرة، إضافة إلى 245 اعترافاً منتزعاً بالإكراه، واستدعاء 11024 شخصاً إلى المؤسسات الأمنية، في حين وصل عدد حوادث الاحتجاجات إلى 651 حادثة في 200 مدينة و31 محافظة.

في الوقت نفسه، أفادت وسائل إعلام إيرانية باعتقال 54 مواطناً على خلفية الاحتجاجات التي عمت مدن يزد وزنجان ومالارد، وأعلنت هيئة الإذاعة الإيرانية اعتقال 10 من سكان يزد في عملية واحدة، بينما زعمت مديرية المخابرات العامة في محافظة يزد أن عدد المعتقلين بلغ 52.

ونشرت وكالة أنباء "تسنيم" مقاطع فيديو لاعترافات قسرية لمواطنين اثنين اعتُقلا في زنجان ومالارد، واصفةً إياهما بـ "قادة مثيري الشغب"، دون توضيح ظروف تسجيلها، وتكررت هذه الممارسة في طهران ومشهد.

ووفقًا لتقارير إعلامية مقربة من المؤسسات الأمنية، اعتُقل ما لا يقل عن 15 مواطناً، بينهم امرأة في طهران ومشهد ومالارد، وأفادت باعتقال 12 مواطناً في طهران، كما أفادت وكالة فارس باعتقال مواطن في مالارد ونشر مقطع فيديو لاعترافه القسري. وفي جميع هذه الحالات لم يُعلن عن هويات المعتقلين أو أماكن وجودهم.

وفي الوقت نفسه، أعلن محافظ سمنان عن اعتقال أكثر من 300 مواطن على صلة بالاحتجاجات الأخيرة في المحافظة، واصفاً إياهم بأنهم "القادة الرئيسيون للاضطرابات".

 

أوضاع المعتقلين في السجون

وأفادت شبكة توثيق حقوق الإنسان في بلوشستان بتفاقم أزمة الاكتظاظ في سجن زاهدان المركزي، حيث امتلأت عنابر مركز الإصلاح وجناح الأحداث بالمعتقلين عقب الاعتقالات الواسعة في سيستان وبلوشستان، ما أدى إلى تجاوز الطاقة الاستيعابية بمقدار ضعفين إلى ثلاثة أضعاف.

وأكد التقرير أن العديد من المعتقلين من الاحتجاجات الأخيرة لا يزالون محتجزين دون وصول فعّال إلى السلطات القضائية، وسط حرمان من المرافق الأساسية والخدمات الطبية الأمر الذي زاد من خطر تفشي الأمراض والضغط النفسي خصوصاً على المراهقين والشباب.

وأشارت تقارير حقوقية إلى أن حملة الناشطين البلوش نشرت مقطع فيديو يظهر لحظات وداع عائلة لطفل بلوشي يبلغ من العمر 11 عاماً، قالت إنه قُتل برصاص قوات الجمهورية الإسلامية بمدينة مشهد، وفي اليوم نفسه، قُتلت ليلى أشناباساند (64 عاماً) من بندر عباس برصاص القوات العسكرية خلال احتجاجات على مستوى البلاد، وذلك بعد أن ساعدت شاباً مصاباً وكانت في طريق عودتها إلى منزلها.

مع تصاعد الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، أصبح سجن لاكان في رشت رمزاً صارخاً للعنف المنظم الذي تمارسه الجمهورية الإسلامية، ووفقاً لتقارير موثوقة تم اختطاف جرحى من المستشفيات دون أي علاج ونقلهم إلى هذا السجن، حيث لا تتوفر فيه أي مرافق طبية أو حتى أبسط الظروف الإنسانية.

وتشير المعلومات الواردة من داخل السجن إلى أن الحرس الثوري الإيراني والأجهزة الأمنية قد سيطرت على سجن لاكان، وذلك بإخلاء جزء من مساحته ونقل السجناء القدامى، وقد انقطع اتصال السجناء بعائلاتهم تماماً، ويُحتجز المعتقلون في جهل تام . تشير التقارير إلى وفاة عدد من المصابين نتيجة التعذيب وانعدام الرعاية الطبية. ويُحتجز أكثر من ألفي معتقل في قاعات تفتقر إلى التدفئة والبطانيات والتغذية الكافية، كما وردت تقارير عديدة عن حالات تعذيب.

من جهة أخرى، باتت مشهد هذه الأيام أشبه بمدينة تحت الاحتلال، فالسجون مكتظة بالمعتقلين، والشوارع مسرح للقمع العنيف، وضحايا الاحتجاجات يُدفنون سراً، ولفتت التقارير الرسمية إلى اعتقال 25 ألف مواطن، حيث يحتجز سجن وكيل آباد ما بين 18 ألفاً و20 ألف شخص، بينما يضم سجن لاجواردي أكثر من 8 آلاف معتقل، وهو رقم يتجاوز طاقة استيعاب هذين السجنين.

في الوقت نفسه، أفاد شهود عيان بوجود واسع النطاق لقوات وكيلة أجنبية، لا سيما عراقية وأفغانية، لقمع المحتجين، ووفقاً لمصادر محلية، فإن القوات المسلحة، وخاصة تلك التي تحمل أسلحة ثقيلة كانت تتحدث العربية في الغالب، وكانت نشطة في مناطق مختلفة من مشهد وحتى كيش، كما ورد أن هذه القوات كانت متمركزة في أحياء مثل شارع سلطة المياه، وقاضي طباطبائي، وطورك.