الاحتجاجات في إيران... من أزمة المعيشة إلى المواجهة السياسية والتداعيات العالمية

في اليوم الخامس عشر من موجة الاحتجاجات، تفيد المعطيات الميدانية بأن القوات الإيرانية انتقلت إلى مرحلة "العنف الصريح"، فيما ارتفعت حدّة المطالب الشعبية لتأخذ طابعاً أكثر راديكالية، تجلّى في شعارات صريحة تدعو إلى إسقاط النظام.

مركز الأخبار ـ بينما تستمر الاحتجاجات الشعبية في إيران لليوم الخامس عشر، أفادت منظمات حقوقية بمقتل ما لا يقل عن 40 شخصاً، وإصابة المئات، واعتقال أكثر من ثلاثة آلاف محتج. وفي الوقت الذي تشهد فيه البلاد هذه الأزمة الداخلية، تجاهلت هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية للجمهورية الإسلامية تغطية الأحداث، وبدلاً من ذلك ركزت على الاضطرابات التي اندلعت في ولاية مينيسوتا الأمريكية عقب مقتل مواطن على يد الشرطة.

يُجسد هذا الأداء الإعلامي نموذجاً صارخاً لسياسة "تشويه الرأي العام" واعتماد أسلوب "قلب الحقائق"، وهي أدوات دأب جهاز الدعاية التابع للجمهورية الإسلامية على توظيفها منذ سنوات لتبرير القمع الداخلي وإضفاء طابع من الشرعية عليه.

وتشير المعطيات الميدانية الراهنة إلى أن أجهزة القمع انتقلت إلى مرحلة "العنف المباشر"، فيما اتجهت المطالب الشعبية في المقابل نحو مزيد من التطرف، متجسدة في شعارات ذات طابع تخريبي.


بؤر الصراع والوضع على أرض الواقع في المدن

أكدت شبكة حقوق الإنسان في شرق كردستان وفاة روبينا أمينيان، الطالبة الكردية التي أصيبت برصاصة حية في مؤخرة رأسها قرب جامعة بهشتي في طهران مساء الثامن من كانون الثاني/يناير الجاري. وأفادت مصادر مطلعة أن عائلة الضحية واجهت جثثاً عديدة لمتظاهرين شباب عند التعرف على الجثة. وتحت ضغط الأجهزة الأمنية ومنعها من تسلّم الجثمان، اضطرت العائلة إلى دفنها سراً.

وفي سياق استمرار قمع الاحتجاجات في كرماشان وأورمية، شنت القوات الخاصة في أورمية هجمات على شوارع "كاشاني" و"حسني"، مما جعل أجواء المدينة عسكرية بالكامل. أما في كرماشان، فقد أشارت التقارير الواردة من أحياء جعفرآباد، دردریج، وطاقبستان إلى إطلاق نار متواصل ورشقات كثيفة خلال ساعات الليل. ووصفت الكوادر الطبية وضع المستشفيات في المدينة بأنه "كارثي وبائس".

أفادت وكالة أنباء مؤسسة البث الإيرانية (IBC)، التابعة للأجهزة الأمنية، بأن قوات الأمن ألقت القبض على سبعة من الشخصيات البارزة من المحتجين في إيلام بعد التعرف عليهم، مما أدى إلى مقتل محتج واحد واعتقال آخرين. كما أعلن عن اعتقال قادة الاحتجاجات في المدينة، دون تقديم تفاصيل.

شهدت مدينتا طهران وكرج في الليلة الرابعة عشرة من الاحتجاجات واحدة من أوسع التجمعات في الأحياء الشمالية والغربية، بما في ذلك بونك، جنت‌آباد، هروي وقيطريه. وكشفت تقارير حصرية لمجلة "تايم" نقلاً عن مصادر طبية في طهران عن كارثة إنسانية؛ إذ أفادت هذه التقارير بأنه في ستة مستشفيات بالعاصمة وحدها، تم تسجيل وفاة 217 متظاهراً، معظمهم قضوا نتيجة إصابتهم المباشرة بالرصاص الحي. كما ذكر شهود عيان أن الأجهزة الأمنية قامت بإخلاء الجثامين قسراً من ثلاجات حفظ الموتى.

وأظهر مقطع فيديو نُشر مساء أمس السبت، احتجاجات واسعة النطاق واشتباكات في شوارع محيط ساحة "كاج" في مدينة سعادت آباد. ووفقاً للفيديو، كانت المنطقة متوترة، مع وجود كثيف لقوات الأمن واشتباكات متفرقة. ويُظهر المقطع مجموعة من المتظاهرين الشباب في مواجهة مباشرة مع "وحدات القمع".

وفي تبريز، أظهرت مقاطع الفيديو المنشورة من الاشتباكات استخداماً واسعاً للأسلحة شبه الثقيلة لتفريق الحشود.

أما في زاهدان، فقد وثق موقع "حالوش" عبر صور كاميرات المراقبة المؤدية إلى مسجد مكي، إطلاق عناصر بملابس مدنية النار مباشرةً على المواطنين، ما أدى إلى إصابة عشرات الأشخاص بجروح خطيرة.

كما ذكرت مصادر حقوقية أنّه خلال اليومين الماضيين تم اعتقال أكثر من 200 شخص (بينهم نساء وأطفال وطلاب) في زاهدان، وقد رافقت هذه الاعتقالات أعمال عنف وضرب واحتجاز في ظروف غير ملائمة.

ويُظهر مقطع فيديو نشرته هيئة الإذاعة الإيرانية لحظة اعتقال أحد المتظاهرين في ياسوج، حيث أطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع في محاولة لتفريق المتظاهرين الآخرين واعتقالهم.

بحسب مصادر حقوق الإنسان، ومقاطع فيديو منشورة، شهدت مدينة تشيناران في خراسان مقتل خمسة مواطنين كرد جراء إطلاق نار مباشر. وفي نيسابور، أشعل مقتل أكرم بيرغازي موجة غضب عارمة. أما في الشمال، فقد دفع اغتيال بطل كمال أجسام دولي في رشت الاحتجاجات في جيلان إلى مرحلة جديدة من الإضرابات.


شلّ البنية التحتية للاتصالات والنقل

مع تصاعد حدة الصراع، بات أمن المجال الجوي الإيراني مهدداً بشكل خطير. وقد ألغت شركات طيران دولية، عشرات الرحلات الجوية إلى طهران، ومشهد، وشيراز، وتبريز. وقد أدى هذا الإجراء، الذي اتُخذ بسبب "التطورات الإقليمية والمحلية غير المستقرة في إيران"، إلى تقليص قدرة البلاد على التواصل الجوي مع العالم إلى أدنى حد.

وأعلن مكتب العلاقات العامة بجامعة آزاد ووزارة التعليم إلغاء جميع الامتحانات وإغلاق المدارس والجامعات، وهي خطوة يراها المحللون محاولة لمنع تشكيل تجمعات الطلاب.


من التهديدات القانونية إلى الدبلوماسية الدفاعية

رفض النائب العام للبلاد مستخدماً لغة الحرب أي "تعاطف إسلامي"، وهدد جميع المعتقلين بتهم تتعلق بالحرب، وطالب بتوجيه اتهامات فورية إليهم. كما وصفت وكالة "أنباء" تسنيم التابعة للحرس الثوري الاحتجاجات بأنها "إرهابية"، وزعمت أنها عثرت على مخابئ ذخيرة بين المتظاهرين المعتقلين.

في حين يحاول عباس عراقجي تصوير الأزمة على أنها "قضية داخلية" من خلال التشاور مع السلطات العمانية، أصدر 1150 أستاذاً جامعياً رسالة مفتوحة يحذرون فيها من انهيار العلاقة بين الدولة والأمة، ويدعون إلى وضع حد فوري للعنف.

ورغم مرور أربعة أيام على قطع الإنترنت التام في العديد من المدن الإيرانية، وحرمان الأهالي من حرية الوصول إلى المعلومات، تنشر صفحة علي خامنئي، وهي منصة تخضع للرقابة على المواطنين الإيرانيين منذ سنوات، رسائل "نصر". هذا التناقض الظاهر لا يعكس فقط ازدواجية سياسة النظام في التعامل مع الإعلام والفضاء الإلكتروني، بل يرمز أيضاً إلى احتكار الرواية في ظل إسكات أصوات المتظاهرين وتحوّل الفضاء الإلكتروني إلى أداة دعائية حكومية بحتة بدلاً من كونه وسيلة للتواصل.

وفي السياق نفسه، وصف وزير العدل الهولندي مقاومة الشعب الإيراني بأنها "شجاعة"، ودعا إلى إدراج الحرس الثوري فوراً على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية. وفي الوقت نفسه، وصف مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي حملة القمع ضد المتظاهرين بأنها "غير متناسبة وقاسية".