إغلاق الحسابات والاعتقالات يضيّقان مساحة الإعلام المستقل في تركيا
يواجه الإعلام المستقل تحديات متزايدة تتراوح بين إغلاق الحسابات الرقمية، والملاحقات القضائية، والضغط الأمني المستمر على الصحفيين والصحفيات.
مركز الأخبار ـ في ظل القيود المفروضة على العمل الصحفي، تشهد مناطق شمال كردستان وتركيا موجة جديدة من اعتقال الصحفيات الكرديات، وتدين منظمات حقوق الإنسان هذه الخطوات باعتبارها محاولة منهجية "لإسكات صوت النساء وقمع الإعلام المستقل" في سياق سياسي متوتر.
تأتي هذه التطورات في وقت تدعو فيه مؤسسات دولية إلى حماية العاملين والعاملات في المجال الصحفي لضمان ممارسة مهنتهم دون خوف من الملاحقة القانونية أو الاعتقال التعسفي.
مديرة وكالة JinNews، أوزنور ديكير قالت إن السياسات التي تمارسها الدولة التركية والمدعومة بالعقلية الذكورية، لا تنفصل عن الهجمات على النساء وأفكارهن وحريتهن.
وأضافت أنه يتم استهداف النساء اللواتي تناضلن في الشوارع من أجل حقوقهن وحريتهن، وضد سياسات إبادة النساء التي تتعرض لها المرأة يومياً، ومن بينهن الصحفيات التي قالت أنهن "جزء من هذا الرفض لسياسات الإبادة"، مؤكدةً أن الصحفيون والصحفيات في تركيا وشمال كردستان يعيشون تحت ضغط وقمع شديدين "رغم أن كلا الجنسين يواجهان هذه الصعوبات، فإن الصحفيات تتعرضن بشكل أكبر لهذه الانتهاكات".
وأشارت أوزنور ديكير إلى أن النساء، كجنس ووجود وهوية، يتم "تجاهلهن من قبل الدولة والعقلية السلطوية والأبوية"، وأن "ساحة الصحافة هي ساحة مقاومة، وهذه الساحة هي أيضاً غير معترف بها"، موضحةً أنه "عندما تعمل المرأة في مهنة الصحافة تتزايد الهجمات عليها، وفي شمال كردستان تتعرض الصحفيات الكرديات لضغوط أكبر، فعندما ننزل إلى الشوارع لتغطية الأحداث، وتوثيق الانتهاكات، ونقل وقائع الإبادة الجماعية والعنف الذي ينتجه النظام الأبوي إلى الرأي العام والعالم، وكشف هذه العقلية التقليدية، نصبح نحن أيضاً هدفاً".
"الصحفيات صوت جميع المظلومين"
وأشارت محدثتنا إلى أن منظومة السلطة تفرض على النساء الخضوع لها "تفرض هذه المنظومة على النساء أن يصبحن ملكاً تابعاً لها ويخضعن لسلطتها، إما أن تسير المرأة وفق المعايير التي تحددها لها هذه السلطة، أو لا يُسمح لها بالعمل في أي مجال".
وأضافت "نحن النساء اللواتي نعمل في مجال الصحافة الحرة نواجه هذه الممارسات باستمرار، وهذا ليس أمراً جديداً، بل نعيشه منذ بدء تاريخ الصحافة الحرة، ومنذ تسعينيات القرن الماضي، ولقد كانت الصحفيات دائماً مقاومات ولم يتركن أقلامهن أبداً، كنّ دائماً يكتبن الحقيقة ويتابعنها وينقلنها، كما أصبحن صوت صرخة النساء اللواتي يتعرضن لسياسات الدولة، وصوت النساء اللواتي يردن إيصال صوتهن إلى العالم، فالصحفيات أصبحن صوت جميع المظلومين".
وقالت إن النظام المهيمن ينفذ سياسات تقنية ضد العمل الصحفي الكردي "عندما يدرك النظام المهيمن أنه لا يستطيع إيقاف النساء عبر الاعتقال أو التعذيب أو الضغط، يلجأ إلى سياسات متعددة، من بينها السياسات التقنية، بهدف إضعاف النساء، ففي تركيا وشمال كردستان قُتلت مئات النساء، ومئات أخريات تُوفين في ظروف مشبوهة، وعند النظر بعمق إلى هذا الواقع، يتضح أن المستهدف هو وجود المرأة وهويتها، لأن النساء يردن أن يعشن بحرية".
وأشارت إلى انتشار شعار وفلسفة Jin Jiyan Azadî في الشرق الأوسط والعالم "نساء شمال كردستان أيضاً يردن بناء حياة حرة، ولهذا يتم استهدافهن بسبب نضالهن، فتُقتل النساء على يد الرجال وبعقلية أبوية، واليوم نحن كصحفيات أصبحنا صوت النساء اللواتي يصرخن في الشوارع، ويدافعن عن حقوقهن، ويناضلن بفلسفة Jin Jiyan Azadî نحن نوصل أصواتهن إلى نساء العالم ونربط هذه الأصوات ببعضها البعض".
"تاريخ الصحافة الحرة كُتب بالدم"
وتابعت أوزنور ديكير حديثها بلفت الانتباه إلى أن هذه الحالة ليست مقتصرة على الشرق الأوسط فقط، بل في كل أنحاء العالم يتم استهداف من لا يدعم السلطة "ساحة الصحافة لها وجهان: أحدهما يدافع عن حقوق الشعوب ويصبح صوتها، والآخر هو صوت السلطات".
وبينت أن "الصحافة الحرة هي التي تنقل صوت الشعوب إلى العالم، لكننا ندفع ثمناً باهظاً لذلك، فمنذ تسعينيات القرن الماضي كان الصحفيون يُقتلون بشكل مجهول، واليوم تستمر السياسات نفسها لأننا ما زلنا صوت الشعوب، فنحن امتداد لإرث موسى عنتر ونواصل هذا المسار".
سياسات الدولة التركية بحسب ما تؤكد تحولت في أوائل الألفية إلى مزيد من القمع والاعتقال "حاولوا إضعاف وإلغاء الصحافة الكردية والصحافة الحرة بهذه الطريقة، فتاريخ الصحافة الحرة كُتب بالدم والاعتقال والتعذيب والقمع والاضطهاد، ولكن كلما اعتقلوا أحد منا، أصبحنا عشرة آخرين، ورغم أن سياسات القمع تُمارس ضدنا بأشكال مختلفة، فإننا نقاوم ونصبح إرث الصحافة الحرة المقاومة".
محاولات لتضييق مساحة الصحافة أكثر فأكثر
العصر الحالي هو عصر الحداثة الرقمية، ولذلك لا تتوقف الهجمات على الاعتقالات "بما أن سياساتنا لا تتوافق مع سياسات السلطة، يتم حظر حساباتنا ومنشوراتنا وصورنا. عشرات المرات يتم إغلاق صفحاتنا وحساباتنا بحجة نشر أخبار أو صور معينة بقرار من هيئة BTK".
ولمواجهة هذه الهجمات "نواصل مقاومتنا، ونفتح حسابات وصفحات جديدة لنقل الحقيقة والواقع"، معتبرةً أن القرارات التي تُتخذ هي قرارات أيديولوجية "لدينا آلاف المتابعين في الحسابات التي تُغلق، ولذلك نواجه صعوبة كبيرة في إعادة جمعهم، من خلال حرب نفسية تُشن ضدنا، يريدون منا أن نتخلى عن عملنا، وأن يقل عدد متابعينا، لكننا نضع المقاومة أساساً لنا، وكما لم نصمت أمام الإبادة والتعذيب، لن نصمت أمام هذه الممارسات أيضاً".
وأشارت أوزنور ديكير إلى سياسات الضغط في ميادين النضال، وذكّرت باعتقال الصحفية سما بينغول من وكالة ميزوبوتاميا للأنباء (MA) "مؤخراً تم استهداف زميلتنا سما بينغول مع عائلتها، فنحن كصحفيات كرديات نتعرض للاستهداف بسبب هويتنا ووجودنا وانتمائنا القومي، لأن السلطة تحاول تجريم عملنا، خصوصاً عمل الصحفيات، فعندما تُعدّ صحفية خبراً تُفتح ضدها عدة قضايا، عملي هو الصحافة ونقل الحقيقة، ومع ذلك أتعرض للتحقيقات والضغوط ويتم سؤالي: لماذا أعددت هذا الخبر وبأي هدف؟ هذه أسئلة تبقى بلا معنى".
" جهود الصحفيات كشفت حقيقة الإبادة"
رغم التطور الذي حققته النساء بنضالهن إلا أن العقلية الأبوية ما تزال ترفض وجود المرأة ونشاطها "الصحفي الذكر لا يتم إقصاؤه، بينما تُقصى الصحفية لأن التحالف الذكوري غير معلن لكنه قائم، فالشرطة تمنعنا في الميدان، وتُفتح قضايا ضدنا بسبب الصور والأخبار التي نوثقها بالكاميرا، وفي النهاية تُفرض علينا عقوبات قاسية".
وتوضح "عندما نكتب عن امرأة تعرضت للعنف أو التحرش أو الاغتصاب، يتم استهدافنا من قبل الجناة، ونتعرض للتهديد وتصبح حياتنا في خطر. ليس النظام فقط، بل الذهنية الذكورية كلها تشكل خطراً على النساء، وخاصة الصحفيات"، معتبرةً أن الصحفيات الكرديات يكتبن التاريخ، وينظمن أنفسهن ويصبحن أقوى، وينقلن الحقيقة إلى العالم، ومن أبرز الأمثلة على ذلك بحسب حديثها الصحفيات الكرديات في شمال وشرق سوريا وإيران وأفغانستان "بفضل جهود الصحفيات، انكشفت حقيقة إبادة النساء".
"ندافع عن الصحافة من أجل السلام"
وأضافت أوزنور ديكير أن عملهم الصحفي يهدف إلى دعم مسار عملية السلام والمجتمع الديمقراطي وقالت "نحن كصحفيين تقدمنا بعدة طلبات للمشاركة في هذا المسار وأن نكون جزءاً منه، وطلبنا زيارة إمرالي، فلدينا وكذلك الشعب العديد من الأسئلة حول عملية السلام، ونرغب بطرح أسئلتنا بشكل مباشر ودون عوائق على القائد عبد الله أوجلان، لكن لم نتلقَّ أي رد".
واعتبرت أن عدم السماح للصحافة بالتوجه إلى إمرالي يعد أحد أكبر النواقص في هذه العملية "نحن ندافع عن الصحافة من أجل السلام".
"اليوم النساء أقرب إلى الحرية"
واختتمت أوزنور ديكير حديثها بالتطرق إلى نضال النساء الكرديات الذي قالت أنه "أصبح عالمياً"، مبينةً أنه "عندما نناقش مسار نضال النساء الذي وصل إلى مرحلة متقدمة بفلسفة Jin Jiyan Azadî نرى أن نساء الشرق الأوسط والنساء الكرديات أصبحن صاحبات وجود حقيقي. المرأة التي كانت مستعبدة من قبل الدولة والنظام والهيمنة الذكورية وصلت اليوم إلى مستوى التحرر. في كل مكان، تنقل النساء اللواتي يرفعن شعار Jin Jiyan Azadî رسالة الحياة الحرة إلى العالم، ويصنعن حياة جديدة قائمة على الحرية".