أفغانستان بين مطرقة باكستان وسندان طالبان... صراع نفوذ يدفع المدنيون ثمنه

تعيش أفغانستان اليوم واحدة من أعقد أزماتها، حيث تتقاطع فيها حسابات القوى الإقليمية مع إرث طويل من الحروب والتدخلات الخارجية، وبينما تتصاعد المواجهة بين باكستان وحركة طالبان، يجد المدنيون أنفسهم مرة أخرى في قلب دائرة النار.

بهاران لهيب

أفغانستان ـ تتجدد الأزمة الأفغانية اليوم في شكل صراع بين باكستان وطالبان، لكنه في جوهره انعكاس لسنوات من التدخلات التي صنعت جماعات مسلحة ثم خرجت عن السيطرة، وبينما تتبادل الأطراف الاتهامات، يبقى المدنيون الضحايا الحقيقيين لهذه الحرب المستمرة.

الحرب التي تشنها باكستان ضد أفغانستان لا يمكن اعتبارها حرباً وطنية أو شعبية تخص الأفغان، بل يراها كثيرون صراعاً بين قوّة مهيمنة ووكيلها، فعند العودة إلى تاريخ أفغانستان، يتضح أن الحركات المتشددة والأحزاب الأصولية لم تكن جزءاً أصيلًا من المشهد السياسي أو الاجتماعي للبلاد.

بعد انقلاب 27 نيسان/أبريل 1978، الذي يعد نقطة تحول مظلمة في تاريخ أفغانستان، دخلت القوات الروسية البلاد، فانطلقت مقاومة شعبية واسعة في المدن والقرى، شارك فيها الرجال والنساء بإمكانات شبه معدومة، وشكلت كل انتفاضة محلية فصلاً مهماً من التاريخ.

في تلك المرحلة، استغلت الولايات المتحدة والسعودية، بالتنسيق مع باكستان وإيران، حالة الفوضى لتأسيس أحزاب أصولية مسلحة، عرفت بـ "الأحزاب السباعية" في باكستان و"الأحزاب الثمانية" في إيران، وقد زودت بأحدث الأسلحة والتجهيزات. في المقابل، كان المواطنون والقوى الديمقراطية يقاتلون بدافع وطني خالص، رغم الجوع والبرد وغياب الإمكانات.

ومع تدفق الدعم الخارجي، تمكنت الأحزاب الأصولية من التغلغل بين الناس ونشر الفكر المتشدد وثقافة التبعية. وبالتوازي مع الحكومة الموالية لروسيا، شاركت هذه الجماعات في استهداف المثقفين والمعلمين وطلاب المدارس وأساتذة الجامعات، وكل من اعتبر تهديداً مستقبلياً، تم قتلهم أو إخفاؤهم تحت ذرائع مختلفة. وعند التجول بين قرى أفغانستان، يتبين أنه خلال أربعة عشر عاماً من المقاومة ضد روسيا، جرى التخلص من أبسط المتعلمين في مجتمعاتهم على يد تلك الأحزاب المتشددة.

 

العنف الداخلي واستهداف المثقفين خلال حقبة الجهاد الأفغاني

يعد غلبدين حكمتيار زعيم الحزب الإسلامي، من أبرز قادة الأحزاب الأصولية والمتشددة، وقد أشرنا في تقارير سابقة إلى الانتهاكات المنسوبة إليه، عُرف بعبارته "اقتل الشعلائي أولاً ثم السوفييتي" تعبيراً عن عداوته الشديدة لليساريين الأفغان (حركة الشعلة الجاويد) حتى قبل الغزاة، إلى جانب عمليات قتل المثقفين والديمقراطيين والماركسيين داخل أفغانستان على يد هذه الأحزاب الأصولية، كانت السلطات في بيشاور الباكستانية تسمح لهذه الجماعات بامتلاك سجون ومراكز تعذيب وإعدام، كما كانت لديهم القدرة على اختطاف الأشخاص داخل المدن الباكستانية، بما فيها بيشاور، وتصفيتهم.

وبحسب شهادات عيان، خلال فترة المقاومة ضد روسيا، كان غلبدين حكمتيار الذي حظي بدعم الولايات المتحدة وباكستان والسعودية وتلقى أكبر قدر من المساعدات، يدير في بيشاور ما كان يبدو كمعسكر للاجئين، لكنه كان يضم سجناً تابعاً له. وقد شكلت لجنة مشتركة من حكمتيار وجهاز الاستخبارات الباكستانية والحكومة الباكستانية، وكانت هذه اللجنة تتولى تقرير مصير أي شخص أفغاني مثقف يتم اختطافه في باكستان، بينما كان القرار النهائي يترك لحكمتيار، الذي كان يصدر حكم الإعدام. وقد اختطف المئات من المناضلين الأفغان وقتلوا في باكستان على يد جماعته. ومن بين الأمثلة البارزة على ذلك، اغتيال الناشطة مينا كيشوار كمال رئيسة الجمعية الثورية لنساء أفغانستان "RAWA"، التي قتلت مع اثنتين من رفيقاتها.

 

دوامة العنف ضد النساء

بعد هزيمة روسيا في أفغانستان وسقوط حكومتهم الموالية، دخلت الأحزاب الأصولية إلى كابول في 28 نيسان/أبريل 1992. وإلى جانب القتل، ارتكبت هذه الجماعات مجازر واسعة، ونهبت ممتلكات الدولة والشعب، ثم باعتها في أسواق بيشاور الباكستانية المعروفة بـ "قصة خواني". انهار الجيش الأفغاني الذي كان يتمتع بقوة معتبرة، واضطر آلاف المواطنين إلى مغادرة البلاد حفاظاً على أرواحهم وكرامتهم. وتعرضت نساء من سن السبعين إلى أطفال في السابعة لاعتداءات جماعية، عندها انكشف الوجه الحقيقي للأحزاب الأصولية.

مرة أخرى، سعت الولايات المتحدة وباكستان إلى إنشاء قوة جديدة، فتم تشكيل حركة طالبان داخل باكستان من بين عناصر الأحزاب الأصولية نفسها. أما شبكة حقاني، التي تعد اليوم من أبرز الجماعات المسلحة في أفغانستان، فقد كان زعيمها أحد قادة "الأحزاب السباعية" في بيشاور.

حكمت طالبان أفغانستان لمدة خمس سنوات على أنقاض بلد مدمر، وخاصة العاصمة كابول. ومن المهم الإشارة إلى أنه حتى قبل وصول طالبان إلى السلطة، وخلال فترة حكم "أحزاب 8 ثور"، فرض الحجاب الإجباري على النساء ومنعن من التعليم، رغم أن هذه القيود لم تعلن رسمياً أثناء الحرب. وعندما بدأت طالبان قتالها ضد الأحزاب الجهادية، روج لها بأنها "ملائكة الخلاص" القادمة إلى كابول. لكن مع دخول هذه "الملائكة"، كان أول استهداف موجّهاً ضد النساء.

حرمت النساء من التعليم والعمل، ومنعن من الخروج من المنزل دون محرم شرعي. تحول ملعب كابول كل يوم جمعة إلى ساحة إعدامات وقطع أطراف، وكانت الجثث تعلق في شوارع كابول والولايات "للعبرة"، بحسب تعبيرهم. ومن بين الضحايا امرأة تدعى "رزمينة".

ورغم أن التصوير كان جريمة يعاقب عليها، فإن النساء الشجاعات في "RAWA" كن الجهة الوحيدة التي تجرأت على توثيق هذه الجرائم. لم تكن هناك أي وسائل إعلام محلية، وكان بعض الصحفيين الأجانب يدخلون البلاد متنكرين بالبرقع، وغالباً ما كانوا يعتمدون على "RAWA" للحصول على الوثائق والشهادات.

 

 

عشرون عاماً بين الحرب والديمقراطية المجهضة

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر عام 2001 وبعد أحداث "11 سبتمبر"، دخلت الولايات المتحدة إلى أفغانستان عبر قصف جوي مكثف، وتمكنت خلال أسبوع واحد من إسقاط حكومة طالبان. ويتذكر الجميع أنه منذ الأيام الأولى كان يقال إن طالبان لم تهزم بالكامل، وإنها ستعيد تنظيم صفوفها وتعود تدريجياً، حتى عام 2005 بدأت مفاهيم مثل الديمقراطية، الحرية، العدالة، حقوق المرأة، ومكافحة الإرهاب بالظهور في الخطاب العام.

لكن كل ذلك بقي في الغالب مجرد شعارات. فقد ازدادت معدلات الفقر والبطالة والفساد الإداري والرشوة والعنف الأسري، إلى جانب سلسلة من عمليات قتل النساء والمثقفين والناشطين المدنيين. وفي الوقت نفسه، كانت طالبان تستعيد قوتها بدعم من الدول المتدخلة في الشأن الأفغاني. وفي النهاية، أي في آب/أغسطس 2021، سقطت حكومة أشرف غني وعبدالله عبدالله، واستولت طالبان على السلطة. وخلال عشرين عاماً، جلس أولئك الأصوليون الذين كان ينبغي أن يحاكموا على أعلى المناصب، وجمعوا الثروات بينما كان الشعب يدفع الثمن تحت اسم الديمقراطية.

قبل عدة أشهر، شنت باكستان غارات جوية على كابول وعدد من الولايات الأخرى. قتل وجرح عدد كبير من المدنيين، وفقد كثيرون منازلهم. وعندما سأل الناس عن حقيقة ما جرى، أعلنت حكومة طالبان رسمياً أنه "انفجر صهريج وقود في كابول، وهذا سبب الانفجار،. لكن شهود العيان نفوا ذلك، ولم يسمح لأي جهة إعلامية غير الموالية لطالبان بتغطية الحدث.

قام السكان آنذاك بتصوير ما حدث بهواتفهم ونشره على وسائل التواصل، بينما التزمت طالبان الصمت. وفي الوقت نفسه، أعلنت الحكومة الباكستانية أنها استهدفت مواقع لمقاتلي طالبان الباكستانية داخل كابول وعدة ولايات، وأنها قتلت أحد قادتهم، لكن يقال إن هذا الادعاء لم يكن صحيحاً.

ومرة أخرى، في 21 شباط/فبراير الفائت، نفذت الطائرات الباكستانية غارات ليلية على ولايتي ننغرهار وبكتیکا، ما أدى إلى مقتل 18 شخصاً في ننغرهار، 15 منهم من عائلة واحدة. ومنذ تلك الليلة وحتى الآن، تكررت الهجمات العسكرية في كابول، ننغرهار، كنر، بنجشير، كابيسا، خوست، بكتيا، بكتیکا، وقندهار. وفي كل هذه الهجمات، كان المدنيون هم الضحايا، قتلى وجرحى ومشردين.

وعند متابعة وسائل التواصل، يتحدث الناس عن مقتل المدنيين، بينما تزعم طالبان أنها قتلت جنوداً باكستانيين، وتقول باكستان إنها قتلت مقاتلين من طالبان. لكن الضحايا الحقيقيين في كل هذا هم شعوب أفغانستان وباكستان، الغارقة في الفقر والبطالة. الخلافات بين حكومة باكستان وطالبان لم تحصد سوى أرواح أشخاص كانوا المعيل الوحيد لأسرهم. ولا تزال المعارك مستمرة على الحدود بين البلدين.

 

تحالفات تتبدل ودماء لا تتوقف

يقول الخبراء "الخلافات بين باكستان والهند موجودة منذ تأسيس باكستان. واليوم، بعد أن مدت حكومة طالبان التي تعد نتاجاً للدعم الباكستاني، يد الصداقة إلى الهند، وقام وزير خارجية طالبان وعدد من مسؤوليها بزيارات متكررة إلى نيودلهي، أثار ذلك غضب الحكومة الباكستانية. وبحجة وجود حركة طالبان الباكستانية داخل الأراضي الأفغانية، بدأت باكستان تنفيذ هجماتها".

ويقول الأفغان "الأفعى التي تربّيها في حضنك، ستلدغك يوماً ما". أما بالنسبة لبعض عناصر طالبان داخل صفوف الحركة، فما يزال سبب هذه الهجمات والخلافات مع باكستان غير واضح. قبل أيام قال المولوي فصل أحمد أحد قادة طالبان "نحن صنيعة أمريكا وباكستان، والأحزاب الجهادية أيضاً صُنعت على أيديهما، فكيف بدأوا الآن بمهاجمتنا؟ بعد عودتنا إلى السلطة، دمرت معظم المعدات العسكرية والطائرات، أو أخذتها الحكومة السابقة معها. نحن لا نملك جيشاً ولا سلاحاً ولا إمكانات مثل باكستان. أملنا الوحيد هو التوكل على الله".

 

 

وتقول عالية رامين، إحدى الناشطات المدنيات والمدافعات عن حقوق المرأة في ولاية بنجشير، بشأن الهجمات الباكستانية على أفغانستان "أنا كامرأة أفغانية أشعر بألم شعبي بكل جوارحي. في هذه الهجمات، الضحايا هم أبناء شعبي، وخاصة النساء والأطفال. لم أسمع يوماً أن عائلات قادة طالبان قتلت، كي يشعروا بما يشعر به الناس. لا طالبان، ولا الجهاديون، ولا التكنوقراط الهاربون من الحكومة السابقة، يستطيعون بكلماتهم أن يخففوا ألم هذا الشعب. هل يدركون ألم ذلك الطفل الذي فقد كل أفراد أسرته في هجوم ننغرهار؟ هل يفهمون نظرة اليأس في عينيه وهو لا يعرف أي مستقبل ينتظره في مجتمع تسيطر عليه طالبان؟".

وأضافت "الطريق الوحيد لتحرير شعبي هو النضال ضد المجرمين الداخليين والخارجيين، مهما كانت قومياتهم أو مسمياتهم أو مواقعهم. ويجب أن تكون القيادة بيد النساء. عندها فقط سيذوق شعبي طعم الحرية والسلام الحقيقي".